اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لقوله بعد ذلك ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا﴾ فإنَّ الضَّميرَ في مِنَّا يَخُصُّهُمْ.
وجَوَّزُوا أن يعود عليهم، وعلى فرعون، أي : إنَّا - نحن وأنت - ننقلب إلى اللَّهِ، فيُجازي كلاًّ بعمله، وهذا وإن كان هو الواقعَ إلاَّ أنَّهُ ليس من هذا اللَّفظِ.
قوله وَمَا تَنقِمُ قد تقدَّم في المائدةِ أنَّ فيه لغتين وكيفية تعدِّيه ب " مِنْ " وأنَّهُ على التَّضمين.
وقوله :﴿إلاَّ أنْ آمنَّا﴾ يجوز أن يكون في محلَِّ نصبٍ مفعولاً به، أي : ما تَعِيبُ علينا إلاَّ إيماننا ويجوزُ أن يكون مفعولاً من أجله، أي : ما تنال مِنَّا وتعذِّبنا لشيءٍ من الأشياء إلاَّ لإيماننا وعلى كلا القولينِ فهو استثناءٌ مفرغ.
قوله " لَمَّا جَاءَتْنَا " يجوزُ أن تكون ظرفيةً كما هو رأي الفارس، وأحد قولي سيبويه، والعامِلُ فيها على هذا آمَنَّا أي : آمنَّا حين مجيء الآيات، وأن تكون حرف وجوب لوجوب، وعلى هذا فلا بدَّ لها من جواب وهو محذوف تقديره : لما جاءتنا آمّنا بها من غير توقّف.
قوله :" ربنا أفرغ علينا صبرا " معنى الإفراغ في اللَّغَةِ : الصَّبُّ. وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه بالكليَّة، فكأنَّهُمْ طلبوا من اللَّه كلَّ الصَّبْرِ لا بعضه.
ونكَّرُوا " الصَّبْر " وذلك يدلُّ على الكمالِ والتَّمَامِ، أي : صبراً كَاملاً تاماً، كقوله تعالى :﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أي : على حياة كاملة تامَّةٍ.
وقوله :﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي : توفنا على الدِّين الحقِّ الذي جاء بِهِ موسى. واحْتَجَّ القاضي بهذه الآية على أنَّ الإيمان والإسلامَ واحد.
فقال : إنَّهُم قالوا أوَّلاً :﴿آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾، ثمَّ ثانياً، " وَتَوَفَّنَا مُسْلِمينَ "، فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى