التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم قالوا له على سبيل الاستهزاء والتوبيخ ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا﴾ أى : وما تكره منا وتعيب إلا الإيمان بالله، مع أن ما تكرهه منا وتعيبه علينا هو أعظم محاسننا، لأنه خير الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلباً لمرضاتك.
يقال : نقم عليه أمره، ونقمت منه نقما - من باب ضرب - عبته وكرهته أشد الكراهة.
قال الجمل : وقوله ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا﴾ يجوز أن يكون في محل نصب مفعول به، أى : ما تعيب علينا إلا إيماننا.
ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. أى : ما تنال منا وتعذبنا لشىء من الأشياء إلا لإيماننا. وعلى كل من القولين فهو استثناء مفرغ ".
ثم ختموا مناقشتهم لفرعون بالانصراف عنه والالتجاء إلى الله - تعالى - فقالوا :﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أى : يا ربنا افض علينا صبراً واسعاً لنثبت على دينك، وتوفنا إليك حالة كوننا مسلمين لك مذعنين لأمرك ونهيك، مستسلمين لقضائك.
وبذلك يكون السحرة قد ضربوا للناس في كل زمان ومكان أروع الأمثال في التضحية من أجل العقيدة، وفى الوقوف أمام الطغيان بثبات وعزة، وفى الصبر على المكاره والآلام، وفى المسارعة إلى الدخول في الطريق الحق بعد أن تبين لهم، وفى التعالى عن كل مغريات الحياة.
قال قتادة : كانوا في أول النهار كفاراً سحرة. وفى آخره شهداء بررة، فرضى الله عنهم وحشرنا في زمرتهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى