تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني
عن الكتاب
قوله تعالى :( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) في الآية نوع إشكال، وشرحها وتفسيرها في الأخبار، روى مالك في الموطأ بإسناده عن مسلم بن يسار الجهني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية، فقال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إن الله - تعالى - مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ذرية، وقال : هؤلاء في الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهر آدم فاستخرج ذرية، وقال : هؤلاء أهل النار، وبعمل أهل النار يعملون، فقيل : يا رسول الله، ففيم العمل إذا ؟ فقال : إن الله - تعالى - إذا خلق للجنة أهلا استعملهم بعمل أهل الجنة حتى يدخلهم الجنة، وإذا خلق للنار خلقا استعملهم بعمل أهل النار حتى يدخلهم النار »(١) والمعروف والذي عليه جماعة المفسرين في معنى الآية أن الله - تعالى - مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهر آدم اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال : يا آدم، هؤلاء ذريتك، ثم قال لهم :( ألست بربكم ) ؟ قالوا : بلى، فقال للبيض : هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي، وهم أصحاب اليمين، وقال للسود : هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء.
قال الله تعالى فيمن نقض العهد :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) (٢) وروى أبو العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية، قال : جمعهم الله جميعا، فجعلهم أرواحا ثم صورهم، ثم استنطقهم، فقال :( ألست بربكم ) ؟ قالوا : بلى، شهدنا أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، قال الله - تعالى - : فأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا كلامي، فإني سأنتقم ممن أشرك ولم يؤمن بي، فأخذ عهدهم وميثاقهم.
وفي بعض الأخبار : أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم قبلا - أي : عيانا - فقال :( ألست بربكم ) ؟ قالوا : بلى. وقيل : جعل لهم عقولا يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب. وقال بعض المفسرين عن علماء السلف : إن الكل قالوا : بلى، لكن المؤمنين قالوا : بلى طوعا، وقال الكافرون كرها، وهذا معنى قوله - تعالى - :( وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها ) (٣).
رجعنا إلى قوله تعالى :( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فإن قال قائل : لما كان الاستخراج من ظهر آدم، فكيف قال :( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ) ؟ قال بعض العلماء في جوابه : إن الله - تعالى - استخرجهم من صلب آدم على الترتيب الذي يخرجه من بني آدم من ظهورهم إلى يوم القيامة، فلذلك قال :( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ). واعلم أن المعتزلة تأولوا هذه الآية، فقالوا : أراد به الأخذ من ظهور بني آدم على الترتيب الذي مضت به السنة من لدن آدم إلى فناء العالم.
وقوله :( وأشهدهم على أنفسهم ) يعني كما نصب من دلائل العقول التي تدل على كونه ربا، ويلجئهم إلى الجواب بقولهم : بلى، وأنكروا الميثاق. وهذا تأويل باطل، وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق، والآية على ما سبق ذكره.
( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) واختلفوا في قوله :( شهدنا ) قل بعضهم : هذا من قول الله والملائكة قالوا : شهدنا، وقيل : هو قول المخاطبين، قالوا : بلى شهدنا، وقيل : فيه حذف، وتقديره : أن الله تعالى قال للملائكة : اشهدوا، فقالوا : شهدنا.
وأما قوله تعالى :( أن تقولوا يوم القيامة ) يقرأ بالياء والتاء(٤)، فمن قرأ بالياء فتقدير الكلام : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام : أخاطبكم ألست بربكم ؟ لئلا تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين. فإن قال قائل : الحجة إنما تلزم في الدنيا إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق واحد لا يذكر ذلك الميثاق حتى يكون بالرجوع معاندا، فتلزمه الحجة، وقيل : إن الله - تعالى - قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد كان معاندا ولزقته الحجة.
قال الله تعالى فيمن نقض العهد :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) (٢) وروى أبو العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية، قال : جمعهم الله جميعا، فجعلهم أرواحا ثم صورهم، ثم استنطقهم، فقال :( ألست بربكم ) ؟ قالوا : بلى، شهدنا أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، قال الله - تعالى - : فأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا كلامي، فإني سأنتقم ممن أشرك ولم يؤمن بي، فأخذ عهدهم وميثاقهم.
وفي بعض الأخبار : أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم قبلا - أي : عيانا - فقال :( ألست بربكم ) ؟ قالوا : بلى. وقيل : جعل لهم عقولا يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب. وقال بعض المفسرين عن علماء السلف : إن الكل قالوا : بلى، لكن المؤمنين قالوا : بلى طوعا، وقال الكافرون كرها، وهذا معنى قوله - تعالى - :( وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها ) (٣).
رجعنا إلى قوله تعالى :( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فإن قال قائل : لما كان الاستخراج من ظهر آدم، فكيف قال :( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ) ؟ قال بعض العلماء في جوابه : إن الله - تعالى - استخرجهم من صلب آدم على الترتيب الذي يخرجه من بني آدم من ظهورهم إلى يوم القيامة، فلذلك قال :( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ). واعلم أن المعتزلة تأولوا هذه الآية، فقالوا : أراد به الأخذ من ظهور بني آدم على الترتيب الذي مضت به السنة من لدن آدم إلى فناء العالم.
وقوله :( وأشهدهم على أنفسهم ) يعني كما نصب من دلائل العقول التي تدل على كونه ربا، ويلجئهم إلى الجواب بقولهم : بلى، وأنكروا الميثاق. وهذا تأويل باطل، وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق، والآية على ما سبق ذكره.
( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) واختلفوا في قوله :( شهدنا ) قل بعضهم : هذا من قول الله والملائكة قالوا : شهدنا، وقيل : هو قول المخاطبين، قالوا : بلى شهدنا، وقيل : فيه حذف، وتقديره : أن الله تعالى قال للملائكة : اشهدوا، فقالوا : شهدنا.
وأما قوله تعالى :( أن تقولوا يوم القيامة ) يقرأ بالياء والتاء(٤)، فمن قرأ بالياء فتقدير الكلام : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام : أخاطبكم ألست بربكم ؟ لئلا تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين. فإن قال قائل : الحجة إنما تلزم في الدنيا إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق واحد لا يذكر ذلك الميثاق حتى يكون بالرجوع معاندا، فتلزمه الحجة، وقيل : إن الله - تعالى - قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد كان معاندا ولزقته الحجة.
١ - رواه مالك في الموطأ (٢/٨٩٨)، وأبو داود (٤/٢٢٦-٢٢٧ رقم ٤٧٠٣، ٤٧٠٤)، والترمذي (٥/٢٤٨-٢٤٩ رقم ٣٠٧٥)، وأحمد (١/٤٤-٤٥)، والطبري (٩/١١٣)، وابن أبي عاصم (١/٨٧)، وابن حبان –الإحسان- (١٤/٣٧-٣٨ رقم ٦١٦٦)، والحاكم (١/٢٧) و(٢/٥٤٤-٥٤٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبي في الموضع الأول وقال: فيه إرسال.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار، وعمر. رجلا مجهولا، وفيهما ضعف كما بين الترمذي والذهبي وغيرهما. ورجح الدارقطني في العلل (٢/٢٢٢) الرواية الموصولة..
٢ - الأعراف: ١٠٢..
٣ - آل عمران: ٨٣..
٤ - قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ الباقون بالتاء انظر النشر (٢/٢٧٣)..
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار، وعمر. رجلا مجهولا، وفيهما ضعف كما بين الترمذي والذهبي وغيرهما. ورجح الدارقطني في العلل (٢/٢٢٢) الرواية الموصولة..
٢ - الأعراف: ١٠٢..
٣ - آل عمران: ٨٣..
٤ - قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ الباقون بالتاء انظر النشر (٢/٢٧٣)..