اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدَمَ﴾ الآية.
قال المفسِّرون : روى مسلم بنُ يسار الجهني أن عمر - رضي الله عنه - سُئِلَ عن هذه الآية، فقال :" سمعت رسول الله ﷺ يُسألُ عنها، فقال : إنَّ الله تعالى خلق آدَم ثُمَّ مَسحَ ظهرَهُ ؛ فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَةً فقال : خَلقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعمل أهْلِ الجنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ
ظهرَهُ واستَخرَجَ منه ذرِّيَّةً، فقال : هؤلاء للنَّارِ وبعمل أهلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ.
فقال رجل : يا رسول الله : ففيم العمل ؟
فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" إنَّ اللَّه بتارَكَ وتعَالَى إذا خَلقَ العبْدَ للجنَّةِ استعملَهُ بعملِ أهْلِ الجنَّةِ حتَّى يمُوتَ على عملٍ مِنْ أعْمالِ أهْلِ الجنَّةِ فيدخله الله الجنَّة، وإذا خلق اللَّهُ العبدَ للنَّارِ استعملهُ بعملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى يمُوتَ على عملِ أهلِ النَّارِ، فيدخلهُ اللَّهُ النَّار " وهذا حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم وعمر رجلاً(١).
وقال مقاتل وغيره : إنَّ الله مسحَ صفحةَ ظهر آدمَ اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذَّرِّ، فقال يا آدم هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم ألسْتُ بربكُمْ قالُوا بلى. فقال للبيض هؤلاء للجنَّة برحمتي، وهم أصحاب اليمين. وقال للسود هؤلاء للنَّار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشِّمالِ، ثمَّ أعادهم جميعاً في صلب آدم فأهلُ القبورِ محبوسون حتَّى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلابِ الرجالِ، وأرحام النِّساءِ(٢).
قال تعالى يمن نقض العهد :﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] الآية. وإلى هذا القول ذهب سعيدُ بنُ المسيب، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاكُ، وعكرمة والكلبي.
وقال بعض أهل التفسير : إن أهل السَّعادَةِ أقَّرُّوا طوعاً وقالوا " بَلَى "، وأهل الشقاوة قالُوه تقيةً وكرهاً. وذلك معنى قوله :﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران: ٨٣].
واختلفوا في موضع الميثاق.
قال ابن عباس : ببطن نعمان(٣)، وهو وادٍ إلى جنب عرفة وروي عنه أنه بدَهْنا في أرض الهندِ، وهو الموضعُ الذي هبط آدم عليه.
وقال الكلبيُّ : بين مكة والطائف(٤).
وروى السُّدي : أن الله أخرجهم جميعاً، وصورهم وجعل لهم عقولاً يعلمون بها، وألسناً ينطقون بها، ثمَّ كلمهم قبلاً أي : عياناً، وقال " ألسْتُ بِرِبِّكُمْ " ؟(٥).
وقال الزَّجَّاجُ : وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذّر فَهْماً تعقل به كما قال تعالى :﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].
قال القرطبيُّ : قال ابنُ العربيُّ : فإن قيل : فكيف يجوز أن يُعذِّبَ الله الخلق قبل أن يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم ؟
قلنا : ومن أيْنَ يمتنع ذلك، عقلاً أو شرعاً ؟
فإن قيل : إن الرحيم الحكيم مِنَّا لا يجوز أن يفعل ذلك.
قلنا : لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالى لا يسألُ عمَّا يفعل وهم يُسألُونَ، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخَالقِ، وبالحقيقة فإن الأفعال كلها لله تعالى، والخلقُ بأجمعهم له، يصرفهم كيف يشاء ويحكُم فيهم بما أراد، وهذا الذي يجدُهُ الآدميّ فإنَّما هو من رقة الجبلَّةِ، وشفقة الجنسيَّةِ وحُبِّ الثَّناءِ والمدح، والباري تعالى منزَّهٌ من ذلك.
وأطبقت المعتزلةُ على أنَّهُ لا يجوزُ تفسير هذه الآية بهذا الوجه، واحْتَجُّوا على فساده بوجوه :
الأول : قالوا إن قوله :﴿مِن بني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ف " مِنْ ظُهُورهمْ " بدلٌ من قوله " بَنِي آدمَ " فيكون المعنى : وإذْ أخذ ربُّكَ من ظُهورِ بَنِي آدَمَ، وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً.
الثاني : لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم ذرية لما قال :" مِنْ ظُهورِهمْ " بل قال : من ظهره ؛ لأنَّ آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله :" ذُريَّتَهُمْ " ولو كان المرادُ آدم لقال : ذُرّيته.
الثالث : أنَّهُ تعالى حكى عن أولئك الذُّريَّةِ أنهم قالوا :﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] وهذا لا يليق بأولاد آدم ؛ لأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان مشركاً.
الرابع : أنَّ أخذ الميثاق لا يمكن إلاَّ من العاقِلِ، ولو كان أولئك الذر عقلاء، وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم ؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة فإنَّهُ لا يجوزُ مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كليّاً لا يتذكر منها قليلاً ولا كثيراً، وبهذا الدليل يبطلُ القول بالتَّناسخ ؛ لأنَّا نقولُ لو كانت أرواحنا قد جعلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى، لوجب أن نتذكَّرَ الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيثُ لم نتذكر كان القول بالتَّناسخ باطلاً.
وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة فوجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال : إنَّا كنا في وقت الميثاق أعطينا العهد مع أنَّا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلمَ لا يجوز أيضاً أن يقال : إنَّا كنَّا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال.
الخامس : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرَّة من ذرات الهباء أن تكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتَّصانيف الكثيرة في العلوم الدَّقيقة، وفتح هذا الباب يؤدِّي إلى التزام الجماداتِ، وإذا ثبت أن هذه البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذّرات لا يمكن أن يكون عاقلاً عالماً فاهماً إلاَّ إذا حصلت له بنية وحمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجودِ من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنَّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
السادس : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا.
والأول باطلٌ لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقّين للثواب والعقاب، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا، لأنهم لمَّا لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان.
السابع : قال الكعبيُّ : إن حال أولئك الذّر لا يكونُ أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، فلمَّا لم يمكن توجيه التَّكاليف على الطِّفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذّرِّ ؟
وأجاب الزَّجَّاج عنه بما تقدَّم من تشبيهه بقصة النَّملة، وأيضاً لا يبعدُ أن يعطي اللَّهُ الجبل الفهم حتى يسبح، كما قال :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكما أعطى اللَّهُ العقل للبعير حتَّى سجد للرَّسُول، وللنَّخْلَةِ حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هَهُنَا.
الثامن : أن أولئك الذّر في ذلك الوقت إمّا أن يكون كاملي العقول أم لا، فإن كان الأوَّلُ كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدُّنْيَا، فلو افتقر التكليف في الدُّنيا إلى سبق ذلك الميثاق ؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولم التَّسلسل وهو محال.
وإن قيل : إنَّهُمْ ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت، فيمتنع توجيه الخطاب والتَّكليف عليهم.
التاسع : قوله تعالى :﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] ولو كانت تلك الذَّرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدَّافق، ولا معنى للإنسان إلاَّ ذلك الشيء فحينئذٍ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدَّافق وذلك رد لنصِّ القرآن.
فإن قالوا : لِمَ لا يجُوزُ أن يقال إنَّهُ تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى الحياةِ ؟
قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة، وأجمع المسلمون على أنَّ خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فبطل ما ذكرتموه.
العاشر : أن تلك الذَّرات إمَّا أن تكون عين هؤلاء الناس أو غيرهم، والثاني باطل بالإجماع بقي الأول.
فنقولُ : إمَّا أن يُقالَ إنَّهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفه وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك، والأوَّلُ باطلٌ ببديهة العقل.
والثاني : يقتضي أن يقال إن الإنسان حصلت له الحياة أربع مرات : وقت الميثاق، وفي الدُّنْيَا، وفي القبر، وفي القيامةِ وأنه حصل له الموت ثلاث مرات : بعد الحياة الحاصلة من الميثاق الأولِ، وموت في الدُّنيا وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى :﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين﴾ [غافر: ١١].
الحادي عشر : لو كان القولُ بهذا الذَّرِّ صحيحاً لكان ذلك الذَّر هو الإنسان ؛ لأنَّهُ هو المكلَّف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطلٌ ؛ لأنَّ ذلك الذّر غير مخلوق من النطفة والعلقة، والمضغة، والقرآن يدلُّ على أنَّ الإنسان خلق من النُّطفةِ، والعلقة. قال تعالى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] الآيات.
وقوله :﴿قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٩] فهذه الوجوه دلَّتْ على ضعف هذا القول.
وقال أربابُ المعقولات : إنَّ الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من صلب آبائهم، وذلك الإخراج حال كونهم نطفاً، فأخرجها الله تعالى فأودعها أرحام الأمهَّات، وجعلها علقة ثم مضغة حتى جعله بشراً سويّاً وخلقا كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيَّته، وغرائب صنعته، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا : بلى، وإن لم يكن هناك قول باللِّسانِ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وقال تعالى :﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
قول العرب : قال الجدار للوتدِ لِمَ تَشقُّنِي قال : سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي(٦).
وقال الشاعر :[ الرجز ]
فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، وهذا القول لا طعن فيه ألبتة، وليس منافياً لصحة القول الأول.
قال القرطبيُّ(٨) : استدلَّ بهذه الآية على أنَّ مَنْ مات صغيراً دخل الجنّ
قال المفسِّرون : روى مسلم بنُ يسار الجهني أن عمر - رضي الله عنه - سُئِلَ عن هذه الآية، فقال :" سمعت رسول الله ﷺ يُسألُ عنها، فقال : إنَّ الله تعالى خلق آدَم ثُمَّ مَسحَ ظهرَهُ ؛ فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَةً فقال : خَلقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعمل أهْلِ الجنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ
ظهرَهُ واستَخرَجَ منه ذرِّيَّةً، فقال : هؤلاء للنَّارِ وبعمل أهلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ.
فقال رجل : يا رسول الله : ففيم العمل ؟
فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" إنَّ اللَّه بتارَكَ وتعَالَى إذا خَلقَ العبْدَ للجنَّةِ استعملَهُ بعملِ أهْلِ الجنَّةِ حتَّى يمُوتَ على عملٍ مِنْ أعْمالِ أهْلِ الجنَّةِ فيدخله الله الجنَّة، وإذا خلق اللَّهُ العبدَ للنَّارِ استعملهُ بعملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى يمُوتَ على عملِ أهلِ النَّارِ، فيدخلهُ اللَّهُ النَّار " وهذا حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم وعمر رجلاً(١).
وقال مقاتل وغيره : إنَّ الله مسحَ صفحةَ ظهر آدمَ اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاء كهيئة الذر ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذريةً سوداء كهيئة الذَّرِّ، فقال يا آدم هؤلاء ذريتك. ثم قال لهم ألسْتُ بربكُمْ قالُوا بلى. فقال للبيض هؤلاء للجنَّة برحمتي، وهم أصحاب اليمين. وقال للسود هؤلاء للنَّار، ولا أبالي، وهم أصحاب الشِّمالِ، ثمَّ أعادهم جميعاً في صلب آدم فأهلُ القبورِ محبوسون حتَّى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلابِ الرجالِ، وأرحام النِّساءِ(٢).
قال تعالى يمن نقض العهد :﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] الآية. وإلى هذا القول ذهب سعيدُ بنُ المسيب، وسعيد بن جبير، والضَّحَّاكُ، وعكرمة والكلبي.
وقال بعض أهل التفسير : إن أهل السَّعادَةِ أقَّرُّوا طوعاً وقالوا " بَلَى "، وأهل الشقاوة قالُوه تقيةً وكرهاً. وذلك معنى قوله :﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران: ٨٣].
واختلفوا في موضع الميثاق.
قال ابن عباس : ببطن نعمان(٣)، وهو وادٍ إلى جنب عرفة وروي عنه أنه بدَهْنا في أرض الهندِ، وهو الموضعُ الذي هبط آدم عليه.
وقال الكلبيُّ : بين مكة والطائف(٤).
وروى السُّدي : أن الله أخرجهم جميعاً، وصورهم وجعل لهم عقولاً يعلمون بها، وألسناً ينطقون بها، ثمَّ كلمهم قبلاً أي : عياناً، وقال " ألسْتُ بِرِبِّكُمْ " ؟(٥).
وقال الزَّجَّاجُ : وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذّر فَهْماً تعقل به كما قال تعالى :﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].
قال القرطبيُّ : قال ابنُ العربيُّ : فإن قيل : فكيف يجوز أن يُعذِّبَ الله الخلق قبل أن يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم ؟
قلنا : ومن أيْنَ يمتنع ذلك، عقلاً أو شرعاً ؟
فإن قيل : إن الرحيم الحكيم مِنَّا لا يجوز أن يفعل ذلك.
قلنا : لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالى لا يسألُ عمَّا يفعل وهم يُسألُونَ، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخَالقِ، وبالحقيقة فإن الأفعال كلها لله تعالى، والخلقُ بأجمعهم له، يصرفهم كيف يشاء ويحكُم فيهم بما أراد، وهذا الذي يجدُهُ الآدميّ فإنَّما هو من رقة الجبلَّةِ، وشفقة الجنسيَّةِ وحُبِّ الثَّناءِ والمدح، والباري تعالى منزَّهٌ من ذلك.
وأطبقت المعتزلةُ على أنَّهُ لا يجوزُ تفسير هذه الآية بهذا الوجه، واحْتَجُّوا على فساده بوجوه :
الأول : قالوا إن قوله :﴿مِن بني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ف " مِنْ ظُهُورهمْ " بدلٌ من قوله " بَنِي آدمَ " فيكون المعنى : وإذْ أخذ ربُّكَ من ظُهورِ بَنِي آدَمَ، وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً.
الثاني : لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم ذرية لما قال :" مِنْ ظُهورِهمْ " بل قال : من ظهره ؛ لأنَّ آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله :" ذُريَّتَهُمْ " ولو كان المرادُ آدم لقال : ذُرّيته.
الثالث : أنَّهُ تعالى حكى عن أولئك الذُّريَّةِ أنهم قالوا :﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] وهذا لا يليق بأولاد آدم ؛ لأنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام ما كان مشركاً.
الرابع : أنَّ أخذ الميثاق لا يمكن إلاَّ من العاقِلِ، ولو كان أولئك الذر عقلاء، وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم ؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة فإنَّهُ لا يجوزُ مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كليّاً لا يتذكر منها قليلاً ولا كثيراً، وبهذا الدليل يبطلُ القول بالتَّناسخ ؛ لأنَّا نقولُ لو كانت أرواحنا قد جعلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى، لوجب أن نتذكَّرَ الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيثُ لم نتذكر كان القول بالتَّناسخ باطلاً.
وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة فوجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال : إنَّا كنا في وقت الميثاق أعطينا العهد مع أنَّا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلمَ لا يجوز أيضاً أن يقال : إنَّا كنَّا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال.
الخامس : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرَّة من ذرات الهباء أن تكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتَّصانيف الكثيرة في العلوم الدَّقيقة، وفتح هذا الباب يؤدِّي إلى التزام الجماداتِ، وإذا ثبت أن هذه البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذّرات لا يمكن أن يكون عاقلاً عالماً فاهماً إلاَّ إذا حصلت له بنية وحمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجودِ من أول تخليق آدم إلى قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنَّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
السادس : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا.
والأول باطلٌ لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقّين للثواب والعقاب، ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في الدنيا، لأنهم لمَّا لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير عليهم حجة في التمسك بالإيمان.
السابع : قال الكعبيُّ : إن حال أولئك الذّر لا يكونُ أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، فلمَّا لم يمكن توجيه التَّكاليف على الطِّفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذّرِّ ؟
وأجاب الزَّجَّاج عنه بما تقدَّم من تشبيهه بقصة النَّملة، وأيضاً لا يبعدُ أن يعطي اللَّهُ الجبل الفهم حتى يسبح، كما قال :﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكما أعطى اللَّهُ العقل للبعير حتَّى سجد للرَّسُول، وللنَّخْلَةِ حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هَهُنَا.
الثامن : أن أولئك الذّر في ذلك الوقت إمّا أن يكون كاملي العقول أم لا، فإن كان الأوَّلُ كانوا مكلفين لا محالة، وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله تعالى بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت على أحوالهم في هذه الحياة الدُّنْيَا، فلو افتقر التكليف في الدُّنيا إلى سبق ذلك الميثاق ؛ لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولم التَّسلسل وهو محال.
وإن قيل : إنَّهُمْ ما كانوا كاملي العقول في ذلك الوقت، فيمتنع توجيه الخطاب والتَّكليف عليهم.
التاسع : قوله تعالى :﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] ولو كانت تلك الذَّرات عقلاء فاهمين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدَّافق، ولا معنى للإنسان إلاَّ ذلك الشيء فحينئذٍ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدَّافق وذلك رد لنصِّ القرآن.
فإن قالوا : لِمَ لا يجُوزُ أن يقال إنَّهُ تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى الحياةِ ؟
قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة، وأجمع المسلمون على أنَّ خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ، فبطل ما ذكرتموه.
العاشر : أن تلك الذَّرات إمَّا أن تكون عين هؤلاء الناس أو غيرهم، والثاني باطل بالإجماع بقي الأول.
فنقولُ : إمَّا أن يُقالَ إنَّهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفه وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك، والأوَّلُ باطلٌ ببديهة العقل.
والثاني : يقتضي أن يقال إن الإنسان حصلت له الحياة أربع مرات : وقت الميثاق، وفي الدُّنْيَا، وفي القبر، وفي القيامةِ وأنه حصل له الموت ثلاث مرات : بعد الحياة الحاصلة من الميثاق الأولِ، وموت في الدُّنيا وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى :﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين﴾ [غافر: ١١].
الحادي عشر : لو كان القولُ بهذا الذَّرِّ صحيحاً لكان ذلك الذَّر هو الإنسان ؛ لأنَّهُ هو المكلَّف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطلٌ ؛ لأنَّ ذلك الذّر غير مخلوق من النطفة والعلقة، والمضغة، والقرآن يدلُّ على أنَّ الإنسان خلق من النُّطفةِ، والعلقة. قال تعالى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] الآيات.
وقوله :﴿قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٩] فهذه الوجوه دلَّتْ على ضعف هذا القول.
وقال أربابُ المعقولات : إنَّ الله تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من صلب آبائهم، وذلك الإخراج حال كونهم نطفاً، فأخرجها الله تعالى فأودعها أرحام الأمهَّات، وجعلها علقة ثم مضغة حتى جعله بشراً سويّاً وخلقا كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيَّته، وغرائب صنعته، فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا : بلى، وإن لم يكن هناك قول باللِّسانِ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
وقال تعالى :﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
قول العرب : قال الجدار للوتدِ لِمَ تَشقُّنِي قال : سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي(٦).
وقال الشاعر :[ الرجز ]
| امتلأ الحَوْضً وقَالَ قَطْنِي | مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأتَ بَطْنِي(٧) |
فصل
قال القرطبيُّ(٨) : استدلَّ بهذه الآية على أنَّ مَنْ مات صغيراً دخل الجنّ
١ أخرجه مالك كتاب القدر ٢: باب النهي عن القول بالقدر وأحمد (١/٤٤-٤٥) والبخاري في التاريخ الكبير (٨/٩٦-٩٧) وأبو داود (٤٧٠٣) والترمذي (٣٠٧٧) والنسائي في تفسيره كما في تحفة الأشراف (٨/١١٣-١١٤) والطبري في تفسيره (٦/١١٢-١١٣). وابن حبان (١٨٠٤-موارد) والحاكم (١/٢٧) والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٣٢٦ من طرق عن مسلم بن يسار عن عمر.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي بقوله: قلت فيه إرسال.
يقصد الانقطاع بين مسلم بن يسار وعمر رضي الله عنه.
فقد قال ابن أبي حاتم في المراسيل ص ٢١٠: قال أبو زرعة: مسلم بن يسار عن عمر، مرسل.
وقال: سمعت أبي يقول: مسلم بن يسار لم يسمع من عمر.
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٦٠-٢٦١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة وأبي الشيخ وابن مردويه واللالكائي في "أصول الاعتقاد"..
٢ انظر: الدر المنثور (٣/٢٦١-٢٦٢)..
٣ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/١١٤)..
٤ ذكره القرطبي في تفسيره (٧/٢٠١) عن الكلبي..
٥ انظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: الفخر الرازي ١٥/٥٠..
٧ ينظر: التهذيب (قطط)، إصلاح المنطق، ٥٧، ٣٤٢، مجالس العلماء ١/١٥٨، مقاييس اللغة ٥/١٣ ابن الشجري ٢/٤٠، شرح التسهيل ١/١٥١، شرح الجمل ١/٨٧، الإنصاف ١/١٣٠، التفسير الكبير ٤/٧١، الخصائص ١/٢٣، الصحاح ٣/١١٥٢، اللسان (قطط)..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٧/٢٠١..
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي بقوله: قلت فيه إرسال.
يقصد الانقطاع بين مسلم بن يسار وعمر رضي الله عنه.
فقد قال ابن أبي حاتم في المراسيل ص ٢١٠: قال أبو زرعة: مسلم بن يسار عن عمر، مرسل.
وقال: سمعت أبي يقول: مسلم بن يسار لم يسمع من عمر.
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٦٠-٢٦١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة وأبي الشيخ وابن مردويه واللالكائي في "أصول الاعتقاد"..
٢ انظر: الدر المنثور (٣/٢٦١-٢٦٢)..
٣ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/١١٤)..
٤ ذكره القرطبي في تفسيره (٧/٢٠١) عن الكلبي..
٥ انظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: الفخر الرازي ١٥/٥٠..
٧ ينظر: التهذيب (قطط)، إصلاح المنطق، ٥٧، ٣٤٢، مجالس العلماء ١/١٥٨، مقاييس اللغة ٥/١٣ ابن الشجري ٢/٤٠، شرح التسهيل ١/١٥١، شرح الجمل ١/٨٧، الإنصاف ١/١٣٠، التفسير الكبير ٤/٧١، الخصائص ١/٢٣، الصحاح ٣/١١٥٢، اللسان (قطط)..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٧/٢٠١..