تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعَطَفَ بذكر الجِهَاد، شرَعَ في بيان المناسك، فأمرَ بإتمام الحجّ والعُمْرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما(١) ؛ ولهذا قال بعده :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي : صُدِدْتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة مُلْزِمٌ، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء. وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا " الأحكام " مستقصى(٢) ولله الحمد والمن وقال شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن سَلَمة، عن علي : أنه قال في هذه الآية :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال : أن تُحْرِم من دُوَيرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس. وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية : إتمامهما(٣) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة، وتُهِلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول : إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر عن الزهري قال : بلغنا أنّ عمر قال في قول الله(٤) :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [ قال ](٥) : من تمامهما أن تُفْرد كُلَّ واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج ؛ إن الله تعالى يقول :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هُشَيْم عن ابن عون قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة(٦) فقيل له : العمرة في المحرم ؟ قال : كانوا يرونها تامة. وكذا روي عن قتادة بن دعامة، رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر ؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ كلها في ذي القعدة : عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجِعرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قَطّ في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ(٧) " عُمْرة في رمضان تعدل حجة معي " (٨). وما ذاك إلا لأنها [ كانت ](٩) قد عزمت على الحج معه، عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونَصّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.
وقال السدي في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي : أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي طلحة(١٠) عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقول : من أحرم بالحج أو بالعمرة (١١) فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف(١٢) بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل.
وقال قتادة، عن زُرَارة، عن ابن عباس أنه قال : الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال : هي [ في ](١٣) قراءة عبد الله :" وأقيموا(١٤) الحج والعمرة إلى البيت " لا تُجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد ابن جبير، فقال : كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ".
وقرأ الشعبي :" وأتموا(١٥) الحج والعمرةُ لله " برفع العمرة، وقال : ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة : أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه :" من كان معه هَدْي فليهل بحج وعمرة " (١٦).
وقال في الصحيح أيضًا :" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ قال : فأنزل الله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسولُ الله ﷺ :" أين السائل عن العُمْرة ؟ " فقال : ها أنا ذا. فقال له :" ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعًا في حَجّك فاصنعه في عمرتك " (١٧) هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين، عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال : كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبة وخَلُوق ؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال :" أين السائل ؟ " فقال : ها أنا ذا، فقال :" أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عُمْرتك " (١٨). ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق(١٩) ولا ذكر نزول الآية(٢٠)، وهو عن يعلى بن أمية، لا [ عن ](٢١) صفوان بن أمية، والله أعلم.
وقوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست، أيْ عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسُول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورةَ الفتح بكمالها، وأنزل لهم رُخْصَةً : أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن يَتَحَللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا. فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس وكان منهم من قَصّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ :" رَحِم الله المُحَلِّقين ". قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة :" والمقصرين " (٢٢). وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك، كُلُّ سبعة في بَدَنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل : بل كانوا على طَرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عَدُو، لا مرض ولا غيره ؟ على قولين :
فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عَنْ عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وابن أبي نَجِيح [ ومجاهد ](٢٣) عن ابن عباس، أنه قال : لا حَصْرَ إلا حصرُ العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرًا.
قال : وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والقول الثاني : أن الحصر أعمّ من أن يكون بعدُوّ أو مرض أو ضلال - وهو التَّوَهان عن الطريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حَجَّاج بن الصوّافُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو(٢٤) الأنصاري، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من كُسِر أو عَرِج فقد حل، وعليه حجة أخرى ".
قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق.
وأخرجه(٢٥) أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به(٢٦). وفي رواية لأبي داود وابن ماجة : من عرج أو كُسر أو مَرض - فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به. ثم قال : وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا : الإحصار من عدو، أو مرض، أو كسر.
وقال الثوري : الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله ﷺ دَخَل على ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت : يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال :" حُجِّي واشترطي : أنَّ مَحِلِّي حيثُ حبَسْتَني " (٢٧). ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله(٢٨). فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث. وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القولَ بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث. قال البيهقي وغيره من الحفاظ : فقد صح، ولله الحمد.
وقوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالب أنه كان يقول :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة. وقال ابن عباس : الهَدْي من الأزواج الثمانية : من الإبل والبقر والمعز والضأن.
وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنّخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثلَ ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر : أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر.
قال : ورُوِي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير - نحوُ ذلك.
قلت : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية(٢٩) الحديبية، فإنه لم يُنْقَل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة(٣٠).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : بقدر يَسَارته(٣١).
وقال العوفي، عن ابن عباس : إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة، عن أبيه :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : إنما ذلك فيما بين الرّخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجْزَاء ذبح الشاة في الإحصار : أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي : مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهَدْي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر(٣٢) ترجمان القرآن وابن عم الرسول ﷺ. وقد ثَبتَ في الصحيحين عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي الله عنها، قالت : أهْدَى النبي ﷺ مَرة غنمًا(٣٣).
وقوله :﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير، رحمه الله ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحد
وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس. وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية : إتمامهما(٣) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة، وتُهِلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول : إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر عن الزهري قال : بلغنا أنّ عمر قال في قول الله(٤) :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [ قال ](٥) : من تمامهما أن تُفْرد كُلَّ واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج ؛ إن الله تعالى يقول :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هُشَيْم عن ابن عون قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة(٦) فقيل له : العمرة في المحرم ؟ قال : كانوا يرونها تامة. وكذا روي عن قتادة بن دعامة، رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر ؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ كلها في ذي القعدة : عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجِعرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قَطّ في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ(٧) " عُمْرة في رمضان تعدل حجة معي " (٨). وما ذاك إلا لأنها [ كانت ](٩) قد عزمت على الحج معه، عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونَصّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.
وقال السدي في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي : أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي طلحة(١٠) عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقول : من أحرم بالحج أو بالعمرة (١١) فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف(١٢) بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل.
وقال قتادة، عن زُرَارة، عن ابن عباس أنه قال : الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال : هي [ في ](١٣) قراءة عبد الله :" وأقيموا(١٤) الحج والعمرة إلى البيت " لا تُجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد ابن جبير، فقال : كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ".
وقرأ الشعبي :" وأتموا(١٥) الحج والعمرةُ لله " برفع العمرة، وقال : ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة : أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه :" من كان معه هَدْي فليهل بحج وعمرة " (١٦).
وقال في الصحيح أيضًا :" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ قال : فأنزل الله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسولُ الله ﷺ :" أين السائل عن العُمْرة ؟ " فقال : ها أنا ذا. فقال له :" ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعًا في حَجّك فاصنعه في عمرتك " (١٧) هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين، عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال : كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبة وخَلُوق ؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال :" أين السائل ؟ " فقال : ها أنا ذا، فقال :" أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عُمْرتك " (١٨). ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق(١٩) ولا ذكر نزول الآية(٢٠)، وهو عن يعلى بن أمية، لا [ عن ](٢١) صفوان بن أمية، والله أعلم.
وقوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست، أيْ عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسُول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورةَ الفتح بكمالها، وأنزل لهم رُخْصَةً : أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن يَتَحَللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا. فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس وكان منهم من قَصّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ :" رَحِم الله المُحَلِّقين ". قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة :" والمقصرين " (٢٢). وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك، كُلُّ سبعة في بَدَنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل : بل كانوا على طَرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عَدُو، لا مرض ولا غيره ؟ على قولين :
فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عَنْ عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وابن أبي نَجِيح [ ومجاهد ](٢٣) عن ابن عباس، أنه قال : لا حَصْرَ إلا حصرُ العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرًا.
قال : وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والقول الثاني : أن الحصر أعمّ من أن يكون بعدُوّ أو مرض أو ضلال - وهو التَّوَهان عن الطريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حَجَّاج بن الصوّافُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو(٢٤) الأنصاري، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من كُسِر أو عَرِج فقد حل، وعليه حجة أخرى ".
قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق.
وأخرجه(٢٥) أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به(٢٦). وفي رواية لأبي داود وابن ماجة : من عرج أو كُسر أو مَرض - فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به. ثم قال : وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا : الإحصار من عدو، أو مرض، أو كسر.
وقال الثوري : الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله ﷺ دَخَل على ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت : يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال :" حُجِّي واشترطي : أنَّ مَحِلِّي حيثُ حبَسْتَني " (٢٧). ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله(٢٨). فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث. وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القولَ بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث. قال البيهقي وغيره من الحفاظ : فقد صح، ولله الحمد.
وقوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالب أنه كان يقول :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة. وقال ابن عباس : الهَدْي من الأزواج الثمانية : من الإبل والبقر والمعز والضأن.
وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنّخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثلَ ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر : أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر.
قال : ورُوِي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير - نحوُ ذلك.
قلت : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية(٢٩) الحديبية، فإنه لم يُنْقَل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة(٣٠).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : بقدر يَسَارته(٣١).
وقال العوفي، عن ابن عباس : إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة، عن أبيه :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : إنما ذلك فيما بين الرّخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجْزَاء ذبح الشاة في الإحصار : أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي : مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهَدْي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر(٣٢) ترجمان القرآن وابن عم الرسول ﷺ. وقد ثَبتَ في الصحيحين عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي الله عنها، قالت : أهْدَى النبي ﷺ مَرة غنمًا(٣٣).
وقوله :﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير، رحمه الله ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحد
١ في ط: "فيها"..
٢ في جـ: "المستقصى"..
٣ في جـ: "تمامهما"..
٤ في جـ: "في قوله"..
٥ زيادة من جـ..
٦ في جـ: "تامة"، وفي أ: "بتمامها"..
٧ في جـ، ط، أ: "ولكن قال لتلك المرأة"..
٨ كذا وقع هنا أم هانئ وهو وهم، والصواب: أم سنان، والحديث في صحيح البخاري برقم (١٨٦٣)..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ في أ: "ابن أبي صالح"..
١١ في جـ، ط: "بحج أو عمرة"..
١٢ في جـ، ط، و: "وزار"..
١٣ زيادة من أ..
١٤ في أ، و: "وأتموا"..
١٥ في جـ: "وأقيموا"..
١٦ صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء رضي الله عنها..
١٧ صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه..
١٨ ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به..
١٩ في جـ: "ولا الاستنشاق"..
٢٠ في ط: "نزول الحق"..
٢١ زيادة من جـ، ط..
٢٢ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه..
٢٣ زيادة من جـ، ط..
٢٤ في أ: "بن عمر"..
٢٥ في جـ: "وقد أخرجه"..
٢٦ المسند (٣/٤٥٠) وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢) وسنن الترمذي برقم (٩٤٠) وسنن النسائي (٥/ ١٩٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨)..
٢٧ صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٠٧)..
٢٨ صحيح مسلم برقم (١٢٠٨)..
٢٩ في جـ، أ: "قصة"..
٣٠ صحيح مسلم برقم (١٣١٨)..
٣١ في أ: "يساره"..
٣٢ في ط: "البحر الحبر"..
٣٣ صحيح البخاري برقم (١٧٠١) وصحيح مسلم برقم (١٣٢١)..
٢ في جـ: "المستقصى"..
٣ في جـ: "تمامهما"..
٤ في جـ: "في قوله"..
٥ زيادة من جـ..
٦ في جـ: "تامة"، وفي أ: "بتمامها"..
٧ في جـ، ط، أ: "ولكن قال لتلك المرأة"..
٨ كذا وقع هنا أم هانئ وهو وهم، والصواب: أم سنان، والحديث في صحيح البخاري برقم (١٨٦٣)..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ في أ: "ابن أبي صالح"..
١١ في جـ، ط: "بحج أو عمرة"..
١٢ في جـ، ط، و: "وزار"..
١٣ زيادة من أ..
١٤ في أ، و: "وأتموا"..
١٥ في جـ: "وأقيموا"..
١٦ صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء رضي الله عنها..
١٧ صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه..
١٨ ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به..
١٩ في جـ: "ولا الاستنشاق"..
٢٠ في ط: "نزول الحق"..
٢١ زيادة من جـ، ط..
٢٢ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه..
٢٣ زيادة من جـ، ط..
٢٤ في أ: "بن عمر"..
٢٥ في جـ: "وقد أخرجه"..
٢٦ المسند (٣/٤٥٠) وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢) وسنن الترمذي برقم (٩٤٠) وسنن النسائي (٥/ ١٩٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨)..
٢٧ صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٠٧)..
٢٨ صحيح مسلم برقم (١٢٠٨)..
٢٩ في جـ، أ: "قصة"..
٣٠ صحيح مسلم برقم (١٣١٨)..
٣١ في أ: "يساره"..
٣٢ في ط: "البحر الحبر"..
٣٣ صحيح البخاري برقم (١٧٠١) وصحيح مسلم برقم (١٣٢١)..