محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩٦ من سورة البقرة في ١٣٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٢٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩٦ من سورة البقرة

١٣٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك أتموا الحج بمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال : حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : هو في قراءة عبد الله :«وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ». قال : لا تجاوزوا بالعمرة البيت. قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال : كذلك قال ابن عباس.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ :«وأقِيمُوا الحَج والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ :«وأقِيمُوا الحَج والعُمْرَةَ إلى البَيْت ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : وأتموا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ يقول : من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحلّ حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل من إحرامه كله، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : ما أمروا فيهما.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : قال إبراهيم عن علقمة بن قيس قال :«الحج » : مناسك الحج، و«العمرة » : لا يجاوز بها البيت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : قال تقضي مناسك الحجّ : عرفة والمزدلفة ومواطنها، والعمرة للبيت أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يحلّ.
وقال آخرون : تمامهما أن تحرم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله ابن سلمة، عن عليّ أنه قال : جاء رجل إلى عليّ فقال له في هذه الآية : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ أن تحرم من دويرة أهلك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال : جاء رجل إلى عليّ رضوان الله عليه، فقال : أرأيت قول الله عز وجل : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ ؟ قال : أن تحرم من دويرة أهلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال : من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال : تمامهما : إفرادهما مؤتنفتين من أهلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سفيان، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : تفردهما مؤقتتين من أهلك، فذلك تمامهما.
وقال آخرون : تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحجّ، وتمام الحجّ أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحجّ. وما كان في أشهر الحجّ، ثم أقام حتى يحجّ فهي متعة عليه فيها الهدي إن وجد، وإلا صام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : ما كان في غير أشهر الحجّ فهي عمرة تامة، وما كان في أشهر الحجّ فهي متعة وعليه الهدي.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ابن عون، قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال : فقيل له : العمرة في المحرّم ؟ قال : كانوا يرونها تامة.
وقال آخرون : إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني رجل، عن سفيان، قال : هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحجّ والعمرة، وتهلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت. وذلك يجزىء، ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أتموا الحجّ والعمرة لله إذا دخلتم فيهما. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال : فقلت له : قول الله تعالى : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ ؟ قال : ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمه، فإذا دخل فيها لم ينبغ له أن يهلّ يوما أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يوما لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار.
وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال : حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرا العمرة، قال : فقال الشعبي : تطوّع : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ وقال أبو بردة : هي واجبة : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا ابن عون، عن الشعبي أنه كان يقرأ وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ.
وقد رُوي عن الشعبي خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا. وذلك ما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبي، قال : العمرة واجبة.
فقراءة من قال : العمرة واجبة نَصْبها بمعنى أقيموا فرض الحج والعمرة. كما :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : أخبرنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت أبا إسحاق، يقول : سمعت مسروقا يقول : أمرتم في كتاب الله بأربع : بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، والعمرة قال : ثم تلا هذه الآية : وَلِلّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ إلى الْبَيْتِ.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت ليثا يروي عن الحسن، عن مسروق، قال : أمرنا بإقامة أربعة : الصلاة، والزكاة، والعمرة، والحجّ، فنزلت العمرة من الحجّ منزلة الزكاة من الصلاة.
حدثنا ابن بشار، قال : أنبأنا محمد بن بكر، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قال عليّ بن حسين وسعيد بن جبير، وسئلا : أواجبة العمرة على الناس ؟ فكلاهما قال : ما نعلمها إلا واجبة، كما قال الله : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ.
حدثنا سوار بن عبد الله، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال : سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة فريضة هي أم تطوّع ؟ قال : فريضة. قال : فإن الشعبي يقول : هي تطوّع. قال : كذب الشعبي وقرأ : وأتِمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة عمن سمع عطاء يقول في قوله : وأتِمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ قال : هما واجبان : الحجّ، والعمرة.
فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى : وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ أنهما فرضان واجبان من الله تبارك وتعالى ( أمر ) بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأَوجب العمرة وجوب الحجّ. وهم عدد كثير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم. وقالوا : معنى قوله : وأتِمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ وأقيموا الحجّ والعمرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله : وأتِمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ يقول : أقيموا الحجّ والعمرة.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عليّ :«وَأَقِيمُوا الحجّ والعُمْرَةَ للبيْتِ » ثم هي واجبة مثل الحجّ.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا إسرائيل، قال : حدثنا ثوير، عن أبيه، عن عبد الله :«وَأَقِيمُوا الحجّ وَالْعُمْرَةَ إلى الْبَيْتِ » ثم قال عبد الله : والله لولا التحرّج وأني لم أسمع من رسول الله ﷺ فيها شيئا، لقلت إن العمرة واجبة مثل الحجّ.
وكأنهم عنوا بقوله : أقيموا الحجّ والعمرة : ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم.
وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة : العمرة تطوّع. ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداء الدخول فيه فرضا عليه، وذلك كالحجّ التطوّع لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أن عليه المضيّ فيه وإتمامه ولم يكن فرضا عليه ابتداء الدخول فيه. وقالوا : فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء، غير أن على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها.
قالوا : فليس في أمر الله بإتمام الحجّ والعمرة دلالة على وجوب فرضها.
قالوا : وإنما أوجبنا فرض الحجّ بقوله عزّ وجل : ولِلّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً. وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر عن إبراهيم، قال : قال عبد الله : الحجّ فريضة، والعمرة تطوّع.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن ابن مسعود مثله.
وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عثمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، قال : العمرة ليست بواجبة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
* * *
فقال بعضهم: معنى ذلك أتِمّوا الحج بمناسكه وسُننِه، وأتموا العُمْرة بحدودها وسُننِها.
* ذكر من قال ذلك:
٣١٨٥ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهَبّاري، قال. ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة:" وأتِمّوا الحجّ والعمرة لله" قال: هو في قراءة عبد الله:"وَأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ إِلى الْبَيْتِ" قال: لا تجاوزُوا بالعمرة البيتَ= قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
٣١٨٦ - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ:" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت".
٣١٨٧ - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ:" وأقِيموا الحجَّ والعمرة إلى البيت".
٣١٨٨- حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:" وأتِمّوا الحج والعمرةَ لله"، يقول: من أحرَم بحجّ أو بعُمْرة فليس له أن يَحلّ حتى يُتمَّها تَمامُ الحجِّّ يوم النَّحر إذا رَمَى جَمرةَ العَقبة وزار البيت فقد حَلّ من إحرامه كُلّه، وتمامُ العمرة إذا طاف بِالبيت وبالصفَّا والمروة، فقد حَلّ.
٣١٨٩- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى= وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل= جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله" قال: ما أمِروا فيهما.
٣١٩٠- حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" وأتموا الحَج والعمرة لله" قال: قال إبراهيم عن علقمة بن قيس قال:" الحجُّ": مناسك الحج، و" العمرة": لا يجاوز بها البيت.
٣١٩١- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:" وأتِموا الحجّ والعمرة لله" قال: قال تَقْضى مناسكَ الحجَّ عرفة والمزدلفة وَمواطنَها، والعمرةُ للبيت أنْ يطوف بالبيت وبين الصفَّا والمروة ثم يَحلُّ.
* * *
وقال آخرون: تمامُهما أن تُحرِم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلِك. (١)
*ذكر من قال ذلك:
٣١٩٣- حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال: جاء رَجُل إلى عليّ فقال له في هذه الآية:" وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله" أن تحرم من دُوَيْرة أهلِك.
٣١٩٤- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: جاء رجل إلى عليّ رضوان الله عليه، فقال: أرأيتَ قَول الله عز وجل:" وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله"؟ قال: أن تحرم من دُوَيْرة أهلك.
٣١٩٥- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: من تَمام العُمرة أن تحرم من دُوَيرة أهلك.
(١) الدويرة تصغير"الدار": وهو كل موضع حل به قوم، فهو دارهم. هذا، وقد سقط من الترقيم هنا رقم: ٣١٩٢ن فلم أستطع أن أغير الترقيم كله، فتركته على حاله.
٣١٩٦- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: تمامُهما إفرادهما مُؤْتَنَفتين من أهلك. (١)
٣١٩٧- حدثني المثنى، قال: ثنا سفيان، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس:" وأتموا الحج والعمرة لله" قال: تفردهما مؤقتتين من أهلك، فذلك تمامهما. (٢)
* * *
وقال آخرون: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، (٣) وتمامُ الحج أن يُؤتى بمناسكه كلِّها، حتى لا يلزم عَامِلَه دمٌ بسبب قِران ولا مُتعة.
* ذكر من قال ذلك:
٣١٩٨ - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:" وأتِمُّوا الحجَّ والعمرة لله" قال: وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحج.
ومن كان في أشهر الحج، ثم أقام حتى يَحُجّ، (٤) فهي مُتعة. عليه فيها الهْدي إن وُجد، وإلا صَام ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رَجع.
٣١٩٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:" وأتموا الحج والعمرة لله" قال: ما كان في غير أشهر الحج فهي عمرة تامة، وما كان في أشهر الحج فهي مُتعة وعليه الهدي.
٣٢٠٠ - حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إنّ العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال: فقيل له:
(١) ائتنف الشيء ائتنافا: أخذه من أوله وابتدأه. ويعني: أفرادهما منذ ابتداء دخوله فيهما. وانظر الأثر الذي يليه والتعليق عليه.
(٢) هكذا جاء في هذا الأثر"موقتتين" من التوقيت، وهو التحديد، والميقات: وهو الوقت المضروب للفعل، أو الموضع. يقال: هذا ميقات أهل الشام أو مصر، للموضع الذي يحرمون منه. ويعني أن ميقاتها من عند دويرة أهله.
(٣) هكذا في الأصل: "أن تعمل" ولعل الصواب"أن تعتمر".
(٤) في المطبوعة: "وما كان في أشهر الحج"، والصواب ما أثبت.
العمرة في المحرَّم؟ قال: كانوا يَرَونها تامَّة.
* * *
وقال آخرون: إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرَهما.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٠١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني رجل، عن سفيان، قال: هو يعني تمامهما أن تخرُج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتُهلّ من الميقات. ليس أن تخرُج لتجارةٍ ولا لحاجةً، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت. وذلك يجزئ، ولكن التمَّام أن تخرُج له لا تخرُج لغيره.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتموا الحجَّ والعمرةَ لله إذا دخلتم فيهما.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٠٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قولُ الله تعالى:" وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله"؟ قال: ليس من الخلقِ أحدٌ ينبغي له إذا دَخَل في أمر إلا أن يتمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنْبَغ له أن يهلّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار.
* * *
* وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا.
٣٢٠٣ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرَا العمرة، قال: فقال الشعبي: تطوَّع،" وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله". وقال أبو بردة: هي واجبة" وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله".
٣٢٠٤- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن
عون، عن الشعبي أنه كان يقرأ:" وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةُ لله".
* * *
وقد روي عن الشعبي خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا. وذلك ما:-
٣٢٠٥ - حدثني به المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: العمرةُ واجبةٌ.
* * *
فقراءة من قال: العمرة واجبة- نصبُها، بمعنى أقيموا فرضَ الحجّ والعمرةَ، كما:-
٣٢٠٦ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت مسروقًا يقول: أُمرتم في كتاب الله بأربع: بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والعمرة. قال: ثم تلا هذه الآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [سورة آل عمران: ٩٧] "وأتموا الحجَّ والعُمْرةَ لله إلى البيت".
٣٢٠٧ - حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثًا يروي عن الحسن، عن مسروق، قال: أمرنا بإقامة أربعةٍ: الصلاةِ والزكاةِ، والعمرةِ والحجّ، فنزلت العُمْرة من الحج منزلةَ الزكاة من الصلاة.
٣٢٠٨ - حدثنا ابن بشار، قال: أنبأنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن حريج، قال: قال علي بن حسين وسعيد بن جبير، وسُئلا أواجبةٌ. العمرة على الناس؟ فكلاهما قال: ما نعلمها إلا واجبة، كما قال الله:" وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله".
٣٢٠٩ - حدثنا سَوَّار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة فريضَةٌ هي أم تطوعٌ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبي يقول: هي تطوع. قال: كَذَب
الشعبي، وقرأ:" وأتموا الحجَّ والعمرةَ لله" (١)
٣٢١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة عمن سمع عطاء يقول في قوله:" وأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله"، قال: هما وَاجبان: الحج، والعمرة.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى:" وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله" أنهما فرضَان واجبان أمرَ الله تبارك وتعالى أمر بإقامتهما، (٢) كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوبَ الحج. وهم عدد كثير من الصحابة والتّابعين، ومن بعدهم من الخالفين، (٣) كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم.
وقالوا: معنى قوله:" وأتموا الحج والعمرة لله" وأقيموا الحج والعمرة.
* ذكر بعض من قال ذلك:
٣٢١١ - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله:" وأتموا الحج والعمرة لله" يقول: أقيموا الحج والعمرة.
٣٢١٢ - حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن ثُوير، عن أبيه، عن علي:" وأقيموا الحج والعمرة للبيت" ثم هي واجبةٌ مثل الحج. (٤)
(١) قوله: "كذب الشعبي"، أي أخطأ. وهو كثير جدا في الأخبار والأحاديث وأشعار العرب، بمعنى الخطأ، لا بمعنى الكذب الذي هو فقيض الصدق. ويعني: أخطأ الشعبي في اجتهاده.
(٢) في المطبوعة: "في أنهما" بزيادة"في" وهو خطأ ثم فيها"قرضان واجبان من الله"، والصواب ما أثبت.
(٣) يقال: خلف قوم بعد قوم، وسلطان بعد سلطان، يخلفون خلفا. فهم خالفون. تقول: أنا خالفه وخالفته: أي جئت بعده.
(٤) الخبر: ٣٢١٢- أحمد بن حازم بن محمد بن يونس بن قيس بن أبي غرزة الغفاري، شيخ الطبري: مضت الرواية عنه في: ٤٤، ١٦٤. ترجمه ابن أبي حاتم ١/١/٤٨، وذكر أنه كتب إليه. ثوبر بن أبي فاختة: ضعيف جدا، روى البخاري في الكبير ١/٢/١٨٣، والصغير: ١٢٨، عن الثوري، قال: "كان ثوير من أركان الكذب"، وهو بضم الثاء المثلثة مصغرا. أبوه أبو فاختة: اسمه سعيد بن علاقة، وهو مولى أم هانئ بنت أبي طالب. وهو تابعي ثقة، يروى عن علي، وعن ابن مسعود، وغيرهما.
٣٢١٣ - حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا ثوير، عن أبيه، عن عبد الله:"وأقِيمُوا الحجَّ والعمرةَ إلى البيت" ثم قال عبد الله: والله لولا التحرُّجُ، وأنيّ لم أسمع من رسول الله ﷺ فيها شيئًا، لقلت إنّ العمرة واجبة مثل الحج. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وكأنهم عَنوا بقوله:" أقيمُوا الحج والعمرة": ائتوا بهما، بحدودهما وأحكامِهما، على ما فُرِض عليكم.
* * *
وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب"العُمْرة": العمرة تطوعٌ = ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نَصْبهم"العمرة" في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبدَ عمله وإتمامُه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ الدخول فيه فرضًا عليه. وذلك كالحج التطوُّع، لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخولُ فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غيرُ فرضٍ واجب الدخولُ فيها ابتداءً، غير أن على من دخل فيها وأوجبَها على نفسه إتمامَها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوَجبنا فرضَ الحجّ بقوله عز وجل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) [سورة آل عمران: ٩٧].
وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين.
* ذكر من قال ذلك:
(١) الخبر: ٣٢١٣- هو في معنى الذي قبله، بالإسناد نفسه. وزاد في هذا نسبة القراءة لابن مسعود. وهي من القراءات الشاذة المخالفة لرسم المصحف. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٥١، من طريق عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، به. والإسناد في الخبر بن ضعيف، كما بينا آنفًا.
٣٢١٤ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: الحجُّ فريضة، والعمرةُ تطوُّع.
٣٢١٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن ابن مسعود مثله.
٣٢١٦- وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عثمة، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، قال: العمرة ليست بواجبة.
٣٢١٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيره، عن سماك، قال: سألت إبراهيم عن العمرة فقال: سنة حسنة.
٣٢١٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
٣٢١٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
٣٢٢٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
٣٢٢١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن الشعبي، قال: العمرة تطوع.
* * *
قال أبو جعفر: فأما الذين قرأوا ذلك برفع"العمرة"، فإنهم قالوا: لا وجه لنَصْبها، فالعمرة إنما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقًّا اسم معتمرٍ إلا وهو له زائر. قالوا: وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته= وهو متَى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة، فلا عمل يَبقى بعده يؤمَر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه الحاجُّ بعد بلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروة بإتيان عَرَفة والمزدلفة والوقوفِ بالمواضع التي أمر بالوقوف بها، وعملِ سائرِ أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت
= (١) لم يكن لقول القائل للمعتمر:" أتمَّ عمرتك" وجهٌ مفهوم. وإذا لم يكن له وجهٌ مفهوم. فالصواب من القراءة في" العمرة" الرفعُ على أنه من أعمال البِرِّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله:" لله".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب" العمرة" على العطف بها على" الحجّ"، بمعنى الأمر بإتمامهما له.
ولا معنى لاعتلال من اعتَلّ في رفعها بأن" العمرة" زيارة البيت، فإن المعتمر متى بلغه، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه. وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمامُ العمل الذي أمره الله به في اعتماره، وزيارَته البيت، وذلك هو الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وتجنبُ ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك، وذلك عملٌ - وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه - غيرُ الزيارة. هذا، مع إجماع الحجة على قراءة" العمرة" بالنصب، ومخالفة جميع قرأة الأمصار قراءةَ من قرأ ذلك رفعًا، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعًا.
* * *
وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله:" والعمرةَ لله" على قراءة من قرأ ذلك نصبًا فقولُ عبد الله بن مسعود، ومن قال بقوله من أنّ معنى ذلك: وأتمّوا الحج والعمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما = لا أنَّ ذلك أمرٌ من الله عز وجل - بابتداء عَمَلهما والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه - بهذه الآية.
وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وَصَفْنا: من أن يكون أمرًا من الله عز وجل بإقامتهما ابتداءًا وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما، وأن يكون أمرًا منه بإتمامهما بعد
(١) سياق العبارة: "وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته... لم يكن لقول قائل... " وما بينهما فصل طويل
الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبِهما على نفسه، فإذ كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا، فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر، إلا وللآخر عليه فيها مثلها. وإذ كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبرٌ عن الحجة للعذرِ قاطعًا، وكانت الأمة في وجوبها متنازعة - لم يكن لقول قائلٍ:" هي فرض" بغير برهان دالّ على صحة قوله - معنى (١)، إذ كانت الفرُوض لا تلزم العباد إلا بدلالةٍ على لزومها إياهم واضحةٍ.
فإن ظن ظانٌّ أنها واجبة وجوبَ الحج، وأن تأويلَ من تأوّلَ قوله:" وأتمّوا الحج والعمرةَ لله" بمعنى: أقيموا حدُودَهما وفروضهما أوْلى من تأويلنا، (٢) بما:-
٣٢٢٢ - حدثني به حاتم بن بكير الضبي، قال: ثنا أشهل بن حاتم الأرطبائي، قال: ثنا ابن عون، عن محمد بن جحادة، عن رجل، عن زميل له، عن أبيه- وكان أبوه يكنى أبا المُنْتَفِق- قال: أتيت النبي ﷺ بعرفة، فدنوتُ منه، حتى اختلفتْ عُنق راحلتي وعُنُق راحلته، فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يُنجيني من عذاب الله ويُدخلُني جَنتَه! قال:"اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدّ الزكاة المفروضة، وحُجّ واعتَمِر= قال أشهل: وأظنه قال:"وصُمْ رمضان= وانظر ماذا تحبُّ من الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم، وما تكرهُ من الناس أن يأتوه إليك فذَرْهم منه". (٣)
وما:-
(١) السياق: "لم يكن لقول قائل... معنى "
(٢) سياق المعنى:
"وأن تأويل من تأولأولى من تأويلنا".
(٣) الحديث: ٣٢٢٢- هذا إسناد ضعيف، لإبهام بعض رواته الذين لم يسموا.
حاتم بن بكير الضبي، شيخ الطبري: هو أيضًا من شيوخ ابن ماجه وابن خزيمة، مترجم في التهذيب والخلاصة، دون بيان حاله، وفي التقريب: "مقبول" وثبت اسم أبيه "بكير" بالتصغير هنا وفي الخلاصة. وثبت بالتكبير "بكر" في التهذيب والخلاصة، ولم أجده في مصدر آخر حتى أستطيع الترجيح بينهما.
أشهل- بالشين المعجمة- بن حاتم، ـأبو حاتم البصري الجمحي: مختلف فيه، فضعفه ابن معين. وقال أبو زرعة: "محله الصدق، وليس بالقوي، رأيته يسند عن ابن عون حديثا، الناس يقفونه". وترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٦٩ فلم يذكر فيه جرحا. ثم هو قد روى له في الصحيح حديثا متصلا وآخر معلقا. مقدمة الفتح، ص: ٣٨٩.
وأما نسبته هنا "الأرطبائي- فلا أدري ما هي؟ ولا أعرف لها توجيها. إلا أن يكون ممن أكثر الرواية عن شيخه " ابن عون" - وهو "عبد الله بن عون بن أرطبان" بالنون في آخره - فنسب إلى "أرطبان" لذلك، ثم حرفت "الأرطباني" إلى "الأرطبائي". وما وجدت ما يدل على ذلك، ولا ما يشير إلى أنه يكثر الرواية عن ابن عون - وإنما هو ظن ظننته.
محمد بن جحادة: مضت ترجمته: ٣٤.
أبو المنتفق: -ويقال ابن المنتفق- ترجمه ابن الأثير في أسد الغابة ٥: ٣٠٦ - وروى هذا الحديث، بإسناده إلى معاذ بن معاذ، عن ابن عون، بهذا الإسناد، ووقع فيه "ابن عوف" وهو خطأ مطبعي ظاهر.
وترجمه الحافظ في الإصابة ٧: ١٨١، وذكر له هذا الحديث من رواية الطبراني، ولكن فيه "محمد بن جحادة"، عن زميل له، بحذف "عن رجل" من بينهما.
وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٣٢٧ باسم "ابن المنتفق"، هكذا: "أنه وصف صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن أبيه، عنه "
والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٤٣ - ٤٤، من غير هذا الوجه قال: وعن حجير، عن أبيه، وكان يكنى أبا المنتفق" فذكر نحوه، وفيه -كما هنا- "وحج واعتمر". وذكره قبل ذلك ١: ٤٣، من وجهين آخرين، ليس فيهما هذا اللفظ.
وقال الحافظ في الإصابة - بعد أن أشار إلى رواية الطبراني من طريق ابن عون: "قال الطبراني: اضطرب ابن عون في إسناده، ولم يضبطه عن محمد بن جحادة، وضبطه همام. ثم أخرجه من طريق همام. عن محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن أبيه، قال:
قدمت الكوفة، فدخلت المسجد فإذا رجل من قيس، يقال له ابن المنتفق، فسمعته يقول "وهذه الرواية هي التي ذكرها صاحب الزوائد أولا.
وطرق الحديث من أوجه، منها رواية همام، التي ذكرها الحافظ-: في المسند ١٥٩٤٨- ١٥٩٥٠، (٣: ٤٧٢ - ٤٧٣ حلبي)، و ١٦٧٧٤ (٤: ٧٦ - ٧٧ حلبي)، و (٥: ٣٧٢- ٣٧٣، و ٦: ٣٨٣ - ٣٨٤ حلبي). ولم أجد في روايات المسند هذه، ذكرا للعمرة.
٣٢٢٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي رجل من بني عامر قال: قلت يا رسول الله إن أبي شيخٌ كبير لا يستطيع الحجّ ولا العمرة ولا الظَّعْن، وقد أدركه
الإسلام، أفأحج عنه؟ قال:"حُج عن أبيك واعتمر". (١)
=وما:-
٣٢٢٤ - حدثني به يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ خَطب فقال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحُجُّوا واعتمروا واستقيموا يَستقم لكم. (٢)
* * *
= وما أشبه ذلك من الأخبار، فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حجة لِوَهْي أسانيدها، وأنها - معَ وَهْيِ أسانيدها- لها في الأخبار أشكالٌ تنبئ عن أنّ العمرة تطوعٌ لا فرض واجب. وهو ما:-
(١) الحديث: ٣٢٢٣- يعقوب بن إبراهيم: هو الدورقي الحافظ، مضى في: ٢٣٧، ٣٣٥. وهو يروى عن عبد الرحمن بن مهدي. ووقع في المطبوعة هنا بينهما زيادة "قال حدثنا ابن إبراهيم"، وهي زيادة خطأ من ناسخ أو طابع، ولا معنى لها، فحذفناها.
النعمان بن سالم الطائفي: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له مسلم في الصحيح.
عمرو ابن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي: تابعي ثقة. أخرج له أصحاب الكتب الستة.
أبو رزين العقيلي: هو لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر، وهو صحابي معروف، وغلط من جعله و "لقيط بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق" - واحدا. بل هما صحابيان، وقد فصل بينهما ابن سعد ٥: ٣٧٩، ٣٤٠.
وهذا الحديث صحيح، خلافا لما قاله الطبري فيما سيأتي بعد أسطر، إذ ضعف هذه الأحاديث كلها وفيما هذا الحديث.
وقد رواه الطيالسي: ١٠٩١، عن شعبة. ورواه أحمد في المسند: ١٦٢٥٣، عن وكيع عن شعبة، بهذا الإسناد (ج ٤ص ١٠، ١١، ١٢ حلبي).
ورواه أبو داود: ١٨١٠، عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم - كلاهما عن شعبة. وقال المنذري: ١٧٣٦، "وأخرجه الترمذي، والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا، ولا أصح منه"
ورواه البيهقي ٤: ٣٥٠، من طريق أبي داود. ثم روى كلمة أحمد بن حنبل في تصحيحه.
(٢) الحديث: ٣٢٢٤- أبو قلابة- بكسر الكاف وتخفيف اللام. وهو عبد الله بن زيد الجرمي، أحد الأعلام، من التابعين
٣٢٢٥ - حدثنا به محمد بن حميد، ومحمد بن عيسى الدامغاني، قالا ثنا عبد الله بن المبارك، عن الحجاج بن أرطأة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟، فقال:"لا وأن تعتمروا خيرٌ لكم". (١)
٣٢٢٦ - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير= وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك=، عن معاوية بن إِسحاق، عن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحجُّ جهادٌ، والعمرة تطوع. (٢)
* * *
(١) الحديث: ٣٢٢٥- محمد بن عيسى الدامغاني، شيخ الطبري: روى عنه أبو حاتم، وقال: "يكتب حديثه". وروى عنه أيضًا النسائي، وابن خزيمة، وغيرهم.
والحديث رواه أحمد: ١٤٤٤٩ (٣: ٣١٦ حلبي)، عن ابن معاوية، عن الحجاج بن أرطاة، بهذا الإسناد، نحوه.
ورواه الترمذي ٢: ١١٣، من طريق عمر بن علي، والبيهقي ٤: ٣٤٩، من طريق عبد الواحد بن زياد -كلاهما عن الحجاج، به، نحوه.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح ". رجح البيهقي أن المحفوظ روايته موقوفا من كلام جابر، وقد أطال الحافظ ابن حجر، في التلخيص، ص ٢٠٤، في إعلال المرفوع وترجيح الموقوف.
(٢) الحديث: ٣٢٢٦- شريك:: هو ابن عبد الله النخعي، مضت ترجمته: ٢٥٢٧.
معاوية بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله التيمي: تابعي ثقة.
أبو صالح الحنفي: هو عبد الرحمن بن قيس الكوفي، وهو تابعي ثقة. وأخطأ بعضهم فسماه "ماهان"، والصواب أن كنية "ماهان": "أبو سالم الحنفي". انظر الترجمتين في التهذيب. وعلى الرغم من أن الحافظ ابن حجر حقق ذلك في الموضعين من التهذيب - فإنه سها في التلخيص، ص: ٢٠٤، فقال: "وأبو صالح: ليس ليس هو ذكوان السمان، بل هو أبو صالح ماهان الحنفي"!
وهذا الحديث مرسل. ورواه الشافعي في الأم ٢: ١١٣، قال: " فاختلف الناس في العمرة، فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع. وقال سعيد بن سالم، (هو القداح، شيخ الشافعي) واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله ﷺ قال: الحج الجهاد، والعمرة تطوع. فقلت له: أتثبت مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو منقطع". ثم ذهب الشافعي يقيم عليه الحجة - أن تكون العمرة واجبة". إلى آخر ما قال.
وقد روى البيهقي ٤: ٣٤٨ هذا الحديث المرسل، من طريق الشافعي. ثم نقل عنه بعض ما نقلته.
قال أبو جعفر: وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صحَّ عنده أن العمرة واجبةٌ، بأنه لم يجد تطوعًا، إلا وله إمامٌ من المكتوبة. فلما صح أنّ العمرة تطوُّع وجب أن يكون لها فَرْضٌ، لأن الفرض إمام التطوع في جميع الأعمال.
فيقال لقائل ذلك: فقد جُعِل الاعتكاف تطوُّعًا، فما الفرض منه الذي هو إمامُ مُتطوَّعه؟
ثم يسأل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب؟
فإن قال:" واجبٌ"، خرج من قول جميع الأمة.
وإن قال: تطوع.
قيل: فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعًا والعمرةُ فرضًا، من الوجه الذي يجب التسليم له؟
فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
=وبما استشهدنا من الأدلة، فإن أولى القراءتين بالصواب في" العمرة" قراءةُ من قرأها نصبًا- وأنّ أولى التأويلين في قوله" وأتموا الحج والعمرة لله"، تأويلُ ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما -وأنّ أولى القولين في" العمرة" بالصواب قول من قال:" هي تطوّع لا فرض" - وإن معنى الآية: وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم، على ما أمركم الله من حدودهما.
* * *
وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صُدَّ فيها عن البيت، معرِّفَهُ المؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خُلِّي بينهم وبين البيت ومبيِّنًا لهم فيها ما المُخْرِجَ لهم من إحرامهم إن أحرموا، فصُدوا عن البيت.
ولذكر اللازم لهم من الأعمال في عمرتهم التي اعت مروها عام الحديبية، (١) وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم، افتَتح بقوله:" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ ".
وقد دللنا فيما مضى على معنى" الحج"" والعمرة" بشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" الإحصار" الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي.
* * *
فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٢٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه كان يقول: "الحصر" الحبس كله. يقول: أيما رجل اعترض له في حجته أو عمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس. قال: وقال مجاهد في قوله:" فإن أحصرتم " فإن أحْصِرتم: يَمرض إنسانٌ أو يُكْسر، أو يحبسه أمرٌ فغلبه كائنًا ما كان، فليرسل بما استيسَر من الهَدْي، ولا يحلِق رأسَه، ولا يحل، حتى يوم النحر.
(١) في المطبوعة: "وبذكر اللام... "، وكأن الصواب ما أثبت حتى يستقيم الكلام.
(٢) انظر ما سلف ٣: ٢٢٨- ٢٢٩.
٣٢٢٨ -حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٣٢٢٩ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الإحصار كل شيء يحبسه.
٣٢٣٠ - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة أنه قال: في المحصَر: هو الخوفُ والمرض والحابسُ. إذا أصابه ذلك بَعَث بِهَدْيه، فإذا بلغ الهدي مَحِله حَلّ.
٣٢٣١ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدْي" قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حَبَسه عن البيت يبعث بهَديه، فإذا بلغ مَحِله صار حلالا.
٣٢٣٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كل شيء حَبَس المحرم فهو إحصارٌ.
٣٢٣٣ - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم= قال أبو جعفر: أحسبه عن شريك، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم=:" فإن أحصِرْتم" قال: مرض أو كسر أو خَوفٌ.
٣٢٣٤- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس قوله:" فإن أحصرتُم فما استيسر من الهدي"، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة، ثم حُبس عن البيت بمرض يُجْهده أو عذر يحبسه، فعليه قَضاؤها.
* * *
قال أبو جعفر: وعلة من قال بهذه المقالة: أن" الإحصار" معناه في كلام العَرب: مَنْع العلة من المرض وأشباهه، غيرِ القهرِ والغلبة من قاهر أو غالبٍ، إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة، أو ذهاب نفقة، أو كسر راحلة. فأما
منعُ العدوّ، وحبس حابس في سجن، وغلبة غالبٍ حائل بين المحرِم والوصول إلى البيت من سُلطان، أو إنسان قاهرٍ مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب" حصرا" لا" إحصارا".
قالوا: ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) [الإسراء: ٨] يعني به: حاصرًا، أي حابسًا.
قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التي وصفنا، يسمى" إحصارًا" لوجب أن يقال:" قد أُحْصرَ العدوُّ".
قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على" حُوصر العدو، والعدوّ محاصر"، دون" أحصر العدو، وهم مُحْصَرون"، و" أحْصِر الرجل" بالعلة من المرض والخوف- أكبر الدلالة على أنّ الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله:" فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " بمرض أو خوف أو علة مانعة.
قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى" حصر المرض" قياسا على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذي منعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهر قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" إذ كان حبس العدو والسلطان والقاهر علة مانعة، نظيرة العلة المانعة من المرض والكسر.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" فإن حبسكم عدو عن الوصول إلى البيت، أو حابس قاهر من بني آدم. قالوا: فأما العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها، فإن ذلك غير داخل في قوله:" فإن أحصرتم ".
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٣٥ - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس أنه قال:" الحصْرُ":
حصرُ العدو، فيبعثُ الرجل بهديّتِه، فإن كان لا يستطيع أن يَصِل إلى البيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها ويُحْرِم = قال محمد بن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندري قال: يُحِرِم، أو يَحِل = من يومٍ يواعد فيه صاحبَ الهدْي إذا اشترى. فإذا أمن فعليه أن يحجَّ أو يعتمر. فإذا أصابه مَرَض يحبسه وليس معه هدْي، فإنه يَحِل حيث يُحبَس، فإن كان معه هدْي فلا يحل حتى يَبلغ الهدي مَحله، فإذا بعث به، فليس عليه أن يحج قابلا ولا يعتمر إلا أن يشاء.
٣٢٣٦ - حدثت عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا حصر إلا من حَبْس عدو.
٣٢٣٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم= إلا أنه قال: فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعَد فيه صاحبَ الهدية إذا اشترى. ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.
* * *
وقال مالك بن أنس: بلغني أنّ رسول الله ﷺ حَلَّ وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحَلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يَصِل إليه الهدي. ثم لم نَعْلم أنّ رسول الله ﷺ أمرَ أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيء. (١)
(١) نص كلام مالك في الموطأ: ٣٦٠، وسيأتي برقم: ٣٢٨٧.
٣٢٣٨ - حدثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه= قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت؟ فقال: يَحلّ من كل شيء، ويَنْحر هَدْيه، ويحلق رأسه حيث يحبس، وليس عليه قضاء، (١) إلا أن يكون لم يحج قَط، فعليه أن يحج حجة الإسلام.
قال: والأمر عندنا فيمن أحصِر بغير عدو بمرض أو ما أشبهه، أنْ يتداوَى بما لا بد منه، ويَفتدي، (٢) ثم يجعلها عُمرة، ويحج عامًا قابلا ويُهدِي.
* * *
قال أبو جعفر: وعلة من قال هذه المقالة - أعني: من قال قولَ مالك - أنّ هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، فأمر الله نبيّه ومن معه بنحْر هَداياهم والإحلال.
قالوا: فإنما أنزل الله هذه الآية في حَصْر العدو، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلتْ فيه.
قالوا: وأما المريض، فإنه إذا لم يُطِق لمرضه السَّير حتى فاتته عرفة، فإنما هو رجلٌ فاته الحج، عليه الخروج من إحرامه بما يخرُج به من فَاته الحج - وليس من معنى" المحصر" الذي نزلت هذه الآية في شأنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في قوله:" فإذا أحصرتم"، تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحْصَرَكم خوفُ عَدٍّو أو مرضٌ أو علةٌ عن الوصول إلى البيت أي: صيَّركم خوفكم أو مرضكم تَحصُرون أنفسكم، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتُموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة. فلذا قيل:" أحصرتم"، لمَّا أسقط ذكِر الخوف والمرض. يقال منه:" أحصرني خوفي من فلان عن لقائك،
(١) إلى هنا نص ما في الموطأ: ٣٦٠، وما بعده زيادة ليست هناك. وسيأتي في آخر رقم: ٣٢٨٨.
(٢) في المطبوعة: "أن يبدأ بما لا بد منه" والصواب ما أثبته، عن الموطأ: ٣٦٢، فراجعه هناك. وانظر أيضًا ما سيأتي رقم: ٣٢٨٩.
ومَرَضي عن فلان"، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابس الرجلُ والإنسانُ، قيل:" حصرَني فلان عن لقائك"، بمعنى حبسني عنه.
فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأوِّل من قوله:" فإن أحصِرْتم" فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلى البيت- لوجب أن يكون: فإن حُصِرْتم.
ومما يُبَيِّن صحةَ ما قلناه من أن تأويل الآية مرادٌ بها إحصارُ غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو، قولُه:" فإذا أمنتم فمن تمتع بالعُمْرة إلى الحج".
و" الأمنُ" إنما يكون بزوال الخوف. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية، هو الخوف الذي يكون بزواله الأمنُ.
وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن حَبسُ الحابس الذي ليس مع حَبْسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتْلوّ، وإن كان قد يُلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حَبْس من لا خوف على النفس من حبسه، كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالدِ، وزوج المرأة، (١) إن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنعٌ عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرامَ، (٢) غيرُ داخل في ظاهر قوله:" فإذ أحصرتم"، لما وصفنا من أن معناه: فإن أحصركم خوفُ عدوّ- بدلالة قوله:" فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ " وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال: الحصر: حصر العدو.
وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم.
* * *
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله:" فما استيسر من الهدي".
(١) في المطبوعة: "وإن كان... " والصواب حذف الواو.
(٢) قوله: "غير داخل" خبر قوله: "من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه".
فقال بعضهم: هو شاة.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٣٩ - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:" ما استيسر من الهدي" شاة.
٣٢٤٠ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن= وحدثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا إسحاق= قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:" ما استيسر من الهدي"، شاة.
٣٢٤١ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس، مثله.
٣٢٤٢ - حدثني ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: تمتعت فسألت ابن عباس فقال:" ما استيسر من الهدي" قال: قلت شاة؟ قال: شاة.
٣٢٤٣ - حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: سألت ابن عباس عن" ما استيسر من الهدي"، قال: من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن.
٣٢٤٤ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا هشيم، قال الزهري أخبرنا - وسئل عن قول الله جل ثناؤه:" فما استيسر من الهدي" - قال: كان ابن عباس يقول: من الغنم.
٣٢٤٥ -حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:" ما استيسر من الهدي"، من الأزواج الثمانية.
٣٢٤٦ - حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: قيل للأشعث: ما قول الحسن:" فما استيسر من الهدي"؟ قال: شاة.
٢٦٤٧- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتاده. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة.
٣٢٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله = إلا أنه كان يقال: أعلاه بدنة، وذكر سائر الحديث مثله.
٣٢٤٩ - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس، قال:" فما استيسر من الهدي"، شاة.
٣٢٥٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، مثله.
٣٢٥١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن ابن جريج، عن عطاء:" فما استيسر من الهدي" شاة.
٣٢٥٢ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا محمد بن نفيع، عن عطاء، مثله.
٣٢٥٣ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: المحصر يبعث بهدي، شاة فما فوقها.
٣٢٥٤ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، بعث بما استيسر من الهدي شاة. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
٣٢٥٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية
بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:" ما استيسر من الهدي"، شاة فما فوقها.
٣٢٥٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة = وحدثنا المثنى، قاله: حدثنا آدم العسقلاني عن شعبة = قال: حدثنا أبو جمرة، عن ابن عباس، قال:" ما استيسر من الهدي"، جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم.
٣٢٥٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن ابن عباس كان يرى أن الشاة" ما استيسر من الهدي".
٣٢٥٨ -حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال:" ما استيسر من الهدي"، شاة.
٣٢٥٩ - حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال:" ما استيسر من الهدي"، شاة.
٣٢٦٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سهل بن يوسف قال: حدثنا حميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي: شاة، فقيل له: أيكون دون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تدرون به أن الهدي شاة. ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة: ٩٥].
٣٢٦١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: شاة.
٣٢٦٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن دلهم بن صالح، قال: سألت أبا جعفر، عن قوله:" ما استيسر من الهدي"، فقال: شاة.
٣٢٦٣ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك
بن أنس حدَّثه عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن علي بن أبي طالب كان يقول:" ما استيسر من الهدي"، شاة. (١)
٣٢٦٤ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا مطرف بن عبد الله، قال: حدثنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، مثله.
٣٢٦٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقول:" ما استيسر من الهدي"، شاة. (٢)
٣٢٦٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال مالك: وذلك أحب إلي. (٣)
٣٢٦٧ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال:" فما استيسر من الهدي"، قال: عليه - يعني المحصر - هدي. إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.
٣٢٦٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال:" ما استيسر من الهدي"، شاة، وما عظمت شعائر الله، فهو أفضل.
٣٢٦٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة: أن عطاء بن أبي رباح حدثه: أن" ما استيسر من الهدي"، شاة.
* * *
وقال آخرون:" ما استيسر من الهدي": من الإبل والبقر، سن دون سن.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٧٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت
(١) الأثر: ٣٢٦٣ الموطأ: ٣٨٥.
(٢) الأثر: ٣٢٦٥- الموطأ: ٣٨٥.
(٣) الأثر: ٣٢٦٦- الموطأ: ٣٨٥ ونصه: "وذلك أحب ما سمعته إلي في ذلك"، ثم استدل بآية المائدة التي استدل بها ابن عباس في الأثر: ٣٢٦٠.
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال:" ما استيسر من الهدي": البقرة دون البقرة، والبعير دون البعير.
٣٢٧١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي مجلز، قال: سأل رجل ابن عمر:" ما استيسر من الهدي"؟ قال: أترضى شاة؟ = كأنه لا يرضاه.
٣٢٧٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن القاسم بن محمد ونافع، عن ابن عمر قال:" ما استيسر من الهدي"، ناقة أو بقرة، فقيل له:" ما استيسر من الهدي"؟ قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.
٣٢٧٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال:" فما استيسر من الهدي"، قال: جزور، أو بقرة.
٣٢٧٤ - حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا حدثنا هشيم، قال الزهري أخبرنا - وسئل عن قول الله:" فما استيسر من الهدي" - قال: قال ابن عمر: من الإبل والبقر.
٣٢٧٥ -حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في قوله جل ثناؤه:" فما استيسر من الهدي" قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.
٣٢٧٦ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن القاسم، عن ابن عمر في قوله:" فما استيسر من الهدي"، قال: الإبل والبقر.
٣٢٧٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان عبد الله بن عمر وعائشة يقولان:" ما استيسر من الهدي": من الإبل والبقر.
٣٢٧٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا الوليد بن أبي هشام، عن زياد بن جبير، عن أخيه عبد الله أو عبيد الله بن جبير، قال: سألت ابن عمر عن المتعة في الهدي؟ فقال: ناقة، قلت: ما تقول في الشاة؟ قال: أكلكم شاة؟ أكلكم شاة؟ (١)
٣٢٧٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد وطاوس قالا" ما استيسر من الهدي"، بقرة.
٣٢٨٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة:" فما استيسر من الهدي"، قال في قول ابن عمر: بقرة فما فوقها.
٣٢٨١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال:" ما استيسر من الهدي"، قال: بدنة أو بقرة، فأما شاة فإنما هي نسك.
٣٢٨٢ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنما الشاة نسك، قال: تكون البقرة بأربعين وبخمسين.
٣٢٨٣ - حدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، كان يقول:" ما استيسر من الهدي"، بقرة.
٣٢٨٤ - وحدثنا الربيع، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد أن سعيدا حدثه، قال: رأيت ابن عمر وأهل اليمن يأتونه فيسألونه عن" ما استيسر
(١) الخبر: ٣٢٧٨- الوليد بن أبي هشام زياد، مولى عثمان: ثقة جدا، كما قال الإمام أحمد.
زياد بن جبير بن حية بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير ٢ / ١ / ٣٢١٧. وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٧، ٣١٠. وقال: "عبيد الله بن جبير بن حية، أخو زياد وعبيد الله ابني جبير بن حية الثقفي. وكانوا إخوة ثلاثة."
من الهدي" ويقولون: الشاة! الشاة! قال: فيرد عليهم:" الشاة! الشاة! يحضهم - إلا أن الجزور دون الجزور، والبقرة دون البقرة، ولكن ما" استيسر من الهدي"، بقرة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب قول من قال:" ما استيسر من الهدي" شاة. لأن الله جل ثناؤه إنما أوجب ما استيسر من الهدي، وذلك على كل ما تيسر للمهدي أن يهديه كائنا ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خص من ذلك شيئا، فيكون ما خص من ذلك خارجا من جملة ما احتمله ظاهر التنزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مجزئا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحق اسم" هدي".
* * *
فإن قال قائل: فإن الذين أبوا أن تكون الشاة مما استيسر من الهدي، بأنه لا يستحق اسم" هدي" كما أنه لو أهدى دجاجة أو بيضة لم يكن مهديا هديا مجزئا.
قيل: لو كان في المهدي الدجاجة والبيضة من الاختلاف، نحو الذي في المهدي الشاة، لكان سبيلهما واحدة: في أن كل واحد منهما قد أدى ما عليه بظاهر التنزيل إذا لم يكن أحد الهديين مخرجه من أن يكون مؤديا (١) - بإهدائه ما أهدى من ذلك - مما أوجبه الله عليه في إحصاره. ولكن لما أخرج المهدي ما دون الجذع من الضأن، والثني من المعز والإبل والبقر فصاعدا من الأسنان - من أن يكون مهديا ما أوجبه الله عليه في إحصاره أو متعته - بالحجة القاطعة العذر، نقلا عن نبينا ﷺ وراثة، كان ذلك خارجا من أن يكون مرادا بقوله:" فما استيسر من الهدي" وإن كان مما استيسر لنا من الهدايا.
(١) في المطبوعة: "إذا لم يكن أحد المهديين يخرجه... " والصواب ما أثبت.
ولما اختلف في الجذع من الضأن والثني من المعِز، كان مجزئًا ذلك عن مهديه لظاهر التنزيل، لأنه مما استيسر من الهدي.
* * *
فإن قال قائل: فما محل" ما" التي في قوله جل وعز:" فما استيسر من الهدي"؟ قيل: رفع.
فإن قال: بماذا؟
قيل: بمتروك. وذلك" فعليه" لأن تأويل الكلام: وأتموا الحج والعمرة أيها المؤمنون لله، فإن حبسكم عن إتمام ذلك حابس من مرض أو كسر أو خوف عدو فعليكم - لإحلالكم، إن أردتم الإحلال من إحرامكم - ما استيسر من الهدي.
وإنما اخترنا الرفع في ذلك، لأن أكثر القرآن جاء برفع نظائره، وذلك كقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ) وكقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) وما أشبه ذلك مما يطول بإحصائه الكتاب، تركنا ذكره استغناء بما ذكرنا عنه.
ولو قيل موضع" ما" نصب، بمعنى: فإن أحصرتم فأهدوا ما استيسر من الهدي، لكان غير مخطئ قائله. (١)
* * *
وأما" الهدي"، فإنه جمع، وأحدها"هديّه"، على تقدير" جديّه السرج" والجمع" الجَدْي" مخفف. (٢)
٣٢٨٥ - حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، عن يونس، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لا أعلم في الكلام حرفا يشبهه. (٣)
* * *
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ١١٨.
(٢) "هدية" و"جدية" بتشديد الياء، وقد ضبطها ناشر مجاز القرآن لأبي عبيدة بفتح فسكون، وهو خطأ والجدية: قطعة من الكساء محشوة تكون تحت دفتي السرج وظلفة الرحل، وهما جديتان.
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٩.
وبتخفيف" الياء" وتسكين" الدال" من" الهدي" قرأه القرأة في كل مصر، إلا ما ذكر عن الأعرج، فإن:-
٣٢٨٦ - أبا هشام الرفاعي، حدثنا، قال: حدثنا يعقوب، عن بشار، عن أسد، عن الأعرج أنه قرأ: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [سورة المائدة: ٩٥] بكسر" الدال" مثقلا وقرأ:"حتى يبلغ الهدي محله"، بكسر" الدال" مثقلة. واختلف في ذلك عن عاصم، فروي عنه موافقة الأعرج ومخالفته إلى قراءه سائر القرأة.
* * *
و" الهدي" عندي إنما سمي" هديا" لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه، بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه، يقال منه:" أهديت الهدي إلى بيت الله، فأنا أهديه إهداء". كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره:" أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها."، ويقال للبدنة" هدية"، ومنه قول زهير بن أبي سلمى، يذكر رجلا أسر، يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى:
فلم أر معشرا أسروا هدياولم أر جار بيت يستباء! (١)
* * *
(١) ديوانه: ٧٩ من قصيدة كريمة، قالها في ذم بني عليم بن جناب من كلب. وكان رجل من بني عبد الله بن غطفان قد أتاهم فأكرموه وأحسنوا جواره، بيد أنه كان مولعا بالقمار فنهوه عنه، فأبى إلا المقامرة. فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه، وأخذت منه امرأته في قماره. والهدي: الرجل ذو الحرمة المستجير بالقوم فسموه كما قال الطبري بما يهدي إلى البيت، فهو لا يرد عن البيت ولا يصاب، وقوله: "فستباء" أي تؤخذ امرأته وتنكح، ثم قال لهم بعد البيت:
وجار البيت والرجل المناديأمام الحي، عهدهما سواء
والمنادي: المجالس في النادي أما بيوت الحي.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتم، فأردتم الإحلال من إحرامكم، فعليكم ما استيسر من الهدي. ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي = الذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه، قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه = محله. (١) وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه. فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، (٢) حتى يبلغ الهدي -الذي أباح الله جل ثناؤه له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه - محله.
* * *
ثم اختلف أهل العلم في" محل" الهدي الذي عناه الله جل اسمه، الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه.
فقال بعضهم: محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه = إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه، إن كان مما يذبح، أو نحره إن كان مما ينحر، في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم = [حيث حبس] (٣)
(١) قال ابن كثير في تفسيره ١: ٤٤٦"وقوله: "ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله" معطوف على قوله: "وأتموا الحج والعمرة لله" وليس معطوفا على قوله: "فإن احصرتم فما استيسر من الهدي" كما زعمه ابن جرير رحمه الله. لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية، لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم. فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق"حتى يبلغ الهدي محله"، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة -وإن كان قارنا- أو من فعل أحدهما، إن كان مفردا أو متمتعا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس؟ حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك! فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى انحر".
وفي تخطئة ابن كثير لأبي جعفر، نظر وتفصيل ليس هذا موضعه لأنه يطول.
(٢) الحلاق مصدر كالحلق والتحلاق، يقال: رأس جيد الحلاق (بكسر الحاء) وقد أكثر مالك من استعمال هذا المصدر في الموطأ (انظر: ٣٩٥، ٣٩٦).
(٣) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
وإن كان من غير خوف عدو فلا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. وهذا قول من قال: الإحصار إحصار العدو دون غيره.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٨٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي. ثم لم نعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشيء. (١)
٣٢٨٨ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة، فقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهل بعمرة من أجل أن النبي كان أهل بعمرة عام الحديبية. ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما إلا واحد. قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة. قال: ثم طاف طوافا واحدا، ورأى أن ذلك مجز عنه وأهدى=.
قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر نبي الله ﷺ وأصحابه.
فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت.
قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت، فقال: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء، إلا أن يكون لم يحج قط، فعليه أن يحج حجة الإسلام. (٢)
(١) الأثر: ٣٢٨٧- مضى في ص: ٢٤، بغير إسناد.
(٢) الأثر: ٣٢٨٨- في الموطأ: ٣٦٠- ٣٦١ مع خلاف يسير في بعض لفظه. ومن أول قوله: "قال: وسئل مالك"، في آخر هذا الأثر، قد مضى برقم: ٣٢٣٨، وهو في الموطأ: ٣٦٠، قبل النص السالف.
٣٢٨٩ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا مالك، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أن عبد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي، (١) وصرع في الحج ببعض الطريق، أن يتداوى بما لا بد منه، (٢) ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحج عاما قابلا ويهدي.
قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو. (٣)
قال: وقال مالك: وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض، أو خطأ في العدد، أو خفي عليه الهلال، فهو محصر، عليه ما على المحصر - يعني من المقام على إحرامه - حتى يطوف أو يسعى، ثم الحج من قابل والهدي.
٣٢٩٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أيوب بن موسى أن داود بن أبي عاصم أخبره: أنه حج مرة فاشتكى، فرجع إلى الطائف ولم يطف بين الصفا والمروة. فكتب إلى عطاء بن أبي رباح يسأله عن ذلك، وأن عطاء كتب إليه: أن أهرق دما
* * *
وعلة من قال بقول مالك: في أن محل الهدي في الإحصار بالعدو نحره حيث حبس صاحبه، ما:-
٣٢٩١ - حدثنا به أبو كريب ومحمد بن عمارة الأسدي، قالا حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة، قال: أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ، عن ابن عمر، قال: لما كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية،
(١) في الموطأ: "سعيد بن حزابة المخزومي".
(٢) في المطبوعة: "أن يبدأ بما لا بد منه" والصواب من الموطأ، وقد مضى ذلك كذلك أيضًا في ص: ٢٥، وانظر تعليق رقم: ٢.
(٣) الموطأ: ٣٦٢، ومضى بعض ذلك في ص: ٢٥.
عرض له المشركون فردوا وجهه، قال: فنحر النبي ﷺ الهدي حيث حبسوه- وهي الحديبية- وحلق، وتأسى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق، وتربص آخرون فقالوا: لعلنا نطوف بالبيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين! قيل: والمقصرين! قال: رحم الله المحلقين! قيل: والمقصرين! قال:"والمقصرين". (١)
٣٢٩٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا لما كتب رسول الله ﷺ القضية بينه وبين مشركي قريش-وذلك بالحديبية، عام الحديبية- قال لأصحابه:"قوموا فانحروا واحلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر ذلك لها، فقالت أم سلمة: يا نبي الله اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حلاقك فتحلق. فقام فخرج، فلم يكلم منهم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. (٢)
* * *
(١) الحديث: ٣٢٩١- إسناده ضعيف جدا، من أجل"موسى بن عبيدة". وقد مضى بيان حاله: ١٨٧٥، ١٨٧٦.
أبو مرة مولى أم هانئ: اسمه"يزيد" ويقال له أيضًا "مولى عقيل بن أبي طالب"، واشتهر بكنيته. وهو تابعي ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ومعنى الحديث ثابت معروف من أوجه كثيرة، في دواوين الحديث وكتب السيرة، بل إن نحو هذا المعنى ثابت عن ابن عمر بإسناد صحيح، في المسند: ٦٠٦٧، والبخاري ٥: ٢٢٤، و ٧: ٣٩١ (من الفتح). والدعاء للمحلقين والمقصرين ثابت من حديثه أيضًا، صحيح، في المسند: ٤٦٥٧ والموطأ والصحيحين، كما بينا هناك.
(٢) الحديث: ٣٢٩٢- هو جزء من حديث طويل، في شأن صلح الحديبية، وهو معروف مشهور.
رواه احمد في المسند ٤: ٣٢٨- ٢٣١ (حلبي) عن عبد الرزاق عن معمر بهذا الإسناد ثم رواه عقب ذلك، عن يحيى بن سعيد القطان عن عبد الله بن المبارك. عن معمر ولم يذكر لفظه إحالة على الرواية قبله. وقد رواه الطبري هنا، من طريق يحيى القطان.
ورواه البخاري ٥: ٢٤١- ٢٦٠ (فتح الباري) عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق كرواية المسند وروي منه قطعة موجزة ٣: ٤٣٣ من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر.
قالوا: فنحر النبي ﷺ هديه حين صده المشركون عن البيت بالحديبية، وحل هو وأصحابه. قالوا: والحديبية ليست من الحرم. قالوا: ففي مثل ذلك دليل واضح على أن معنى قوله:" حتى يبلغ الهدي محله"، حتى يبلغ بالذبح أو النحر محل أكله، والانتفاع به في محل ذبحه ونحره.
٣٢٩٣ - كما روي عن نبي الله عليه الصلاة والسلام في نظيره إذ أتي بلحم - أتته بريرة - من صدقة كان تصدق به عليها، فقال: قربوه فقد بلغ محله. (١)
* * *
يعني: فقد بلغ محل طيبه وحلاله له بالهدية إليه بعد أن كان صدقة على بريرة.
* * *
(١) الحديث: ٣٢٩٣- هذه إشارة من الطبري إلى حديث مشهور معروف. وهو قصة"بريرة" التي اشترتها عائشة من مواليها الذين كاتبوها، وأعتقها فكانت مولاتها، وهي في الصحيحين وغيرهما. واللفظ الثابت في الصحيحين، في شأن اللحم الذي تصدق به على بريرة، وأهدته هي لعائشة وأن النبي ﷺ أكل منه-: أنه قال: "هو لها صدقة ولنا هدية" أو نحو هذا، من حديث عائشة ومن حديث أنس، ولم أجد لفظ"فقد بلغ محله"، الذي حكاه الطبري في قصة بريرة. ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا.
نعم، جاء نحو هذا اللفظ، في قصتين أخريين في هذا المعنى:
إحداهما: من حديث أم عطية الأنصارية أنها بعثت إلى عائشة من لحم جاءها من الصدقة، فدخل رسول الله ﷺ فسأل عن طعام، فأخبروه بذلك -لأن الصدقة لا تحل له- فقال صلى الله عليه وسلم: "إنها قد بلغت محلها". رواه أحمد في المسند ٦: ٤٠٧- ٤٠٨ (حلبي) والبخاري ٣: ٢٤٥، ٢٨١- ٢٨٢، و ٥: ١٤٩- ١٥٠ (فتح) مسلم ١: ٢٩٧.
والأخرى: من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين قالت: "دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم: فقال: هل من طعام؟ قلت: لا إلا أعظما أعطيته مولاة لنا من الصدقة. قال صلى الله عليه وسلم: فقربيه فقد بلغت محلها". رواه أحمد في المسند ٦: ٤٢٩ (حلبي). ومسلم ١: ٢٩٦.
وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم لا محل له غيره.
* ذكر من قال ذلك:
٣٢٩٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس، فإذا هم بابن مسعود، فذكروا ذلك له، فقال: ليبعث بهدي، واجعلوا بينكم يوم أمارة، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته. (١)
٣٢٩٥ - حدثنا تميم بن المنتصر، قال: حدثنا إسحاق، عن شريك، عن سليمان بن مهران، عن عمارة بن عمير وإبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: خرجنا مهلين بعمرة فينا الأسود بن يزيد، حتى نزلنا ذات الشقوق، فلدغ صاحب لنا، فشق ذلك عليه مشقة شديدة، فلم ندر كيف نصنع به، فخرج بعضنا إلى الطريق، فإذا نحن بركب فيه عبد الله بن مسعود، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن رجل منا لدغ، فكيف نصنع به؟ قال: يبعث معكم بثمن هدي، فتجعلون بينكم وبينه يوما أمارة، فإذا نحر الهدي فليحل، وعليه عمرة في قابل. (٢)
٣٢٩٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن
(١) الخبر: ٣٢٩٤- عمارة بن عمير التيمي: ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
عبد الرحمن بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي: تابعي ثقة كثير الحديث.
عمرو بن سعيد النخعي: لم أجد له ذكرا، وليس له شأن في رواية الخبر، بل هو المتحدث عنه، والذي أفتى ابن مسعود في شأنه. وسيأتي اسمه مرة أخرى في الخبر: ٣٢٩٩. وانظر التعليق على الأثر: ٣٢٩٧ وقد روى الطبري هذا الخبر مكررا بأسانيد، كما ترى وانظر التعليق على الأثر: ٣٢٩٧.
ذات الشقوق: منزل بطريق مكة، من الكوفة. وتشوف الشيء: تطاول ينظر إليه.
(٢) الخبر: ٣٢٩٥- سليمان بن مهران: هو الأعمش. وهو هنا يروي الخبر عن عمارة بن عمير، كالرواية السابقة، وعن إبراهيم: وهو ابن يزيد بن الأسود بن عمرو النخعي، وهو الفقيه المعروف الثقة، وهو ابن أخت"عبد الرحمن بن يزيد بن قيس". فالأعمش يرويه عنهما عن عبد الرحمن ابن يزيد.
* وسيأتي الخبر من روايته وحده أيضًا، عن خاله عبد الرحمن: ٣٢٩٧.
الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: بينا نحن بذات الشقوق فلبى رجل منا بعمرة فلدغ، فمر علينا عبد الله فسألناه، فقال: اجعلوا بينكم وبينه يوم أمار، فيبعث بثمن الهدي، فإذا نحر حل وعليه العمرة. (١)
٣٢٩٧ - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم النخعي يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أهل رجل منا بعمرة، فلدغ، فطلع ركب فيهم عبد الله بن مسعود، فسألوه، فقال: يبعث بهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارا، فإذا كان ذلك اليوم فليحل = وقال عمارة بن عمير: فكان حسبك به عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله = وعليه العمرة من قابل. (٢)
٣٢٩٨ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا عمارا، فلما كنا بذات الشقوق لدغ صاحب لنا، فاعترضنا للطريق نسأل عما نصنع به، فإذا عبد الله بن مسعود في ركب، فقلنا له: لدغ صاحب لنا؟ فقال: اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوما، وليرسل بالهدي، فإذا نحر الهدي فليحلل، ثم عليه العمرة.
٣٢٩٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن الحجاج، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود: أن عمرو بن سعيد النخعي
(١) الأمار والأمارة: العلامة والوقت.
(٢) الخبر: ٣٢٩٧ -الحكم: هو ابن عتيبة- بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق، وبعد التحتية باء موحدة. وهو تابعي ثقة حجة فقيه مشهور. وجعله أحمد بن حنبل أثبت الناس في الرواية عن إبراهيم النخعي.
* وهذا الخبر رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١: ٤٣٢، من طريق بشر بن عمر، عن شعبة بهذا الإسناد نحوه وقد سمى فيه الرجل الذي لدغ، فقال: "أهل رجل من النخع بعمرة، يقال له: عمير بن سعيد- إلخ. فإن يكن هذا صوابا يكن هو"عمير بن سعيد النخعي" التابعي وقد مضت ترجمته: ١٦٨٣. فيكون الاسم"عمرو بن سعيد" في الخبرين: ٣٢٩٤، ٣٢٩٩- محرفا عن هذا. ويرجحه أنه وقع اسمه أيضًا محرفا إلى"عمرو بن سعيد" في المطبوعة، هناك في: ١٦٨٣.
أهل بعمرة، فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس، فإذا هم بابن مسعود، فذكروا ذلك له فقال: ليبعث بهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار، فإذا ذبح الهدي فليحل، وعليه قضاء عمرته. (١)
٣٣٠٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي"، يقول: من أحرم بحج أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عذر يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، شاة فما فوقها يذبح عنه. فإن كانت حجة الإسلام، فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه.
ثم قال:" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله" فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر، وإن كان أحرم بعمرة فمحل هديه إذا أتى البيت.
٣٣٠١ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي"، فهو الرجل من أصحاب محمد ﷺ كان يحبس عن البيت، فيهدي إلى البيت، ويمكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله. فإذا بلغ الهدي محله حلق رأسه، فأتم الله له حجه. والإحصار أيضا أن يحال بينه وبين الحج، فعليه هدي: إن كان موسرا من الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، ويجعل حجه عمرة، ويبعث بهديه إلى البيت. فإذا نحر الهدي فقد حل، وعليه الحج من قابل.
٣٣٠٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، حدثنا بشر بن السري،
(١) الخبر: ، ٣٢٩٩ -الحجاج: هو ابن أرطاة بن ثور بن هيرة النخعي، وهو ثقة على الراجح عندنا. ثم انظر التعليق على الأثر: ٣٢٩٧.
* عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي: تابعي ثقة. أبوه الأسود بن يزيد النخعي: هو أخو"عبد الرحمن بن يزيد النخعي، الماضي في الروايات السابقة، وهو تابعي كبير، ثقة من أهل الخير، كما قال أحمد.
عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سأل علي رضي الله عنه عن قول الله عز وجل:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" فإذا أحصر الحاج بعث بالهدي، فإذا نحر عنه حل، ولا يحل حتى ينحر هديه.
٣٣٠٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت عطاء يقول: من حبس في عمرته، فبعث بهدية فاعترض لها فإنه يتصدق بشيء أو يصوم، ومن اعترض لهديته، وهو حاج، فإن محل الهدي والإحرام يوم النحر، وليس عليه شيء.
٣٣٠٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، مثله.
٣٣٠٥ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله"، الرجل يحرم ثم يخرج فيحصر، إما بلدغ أو مرض فلا يطيق السير، وإما تنكسر راحلته، فإنه يقيم، ثم يبعث بهدي شاة فما فوقها. فإن هو صح فسار فأدرك فليس عليه هدي، وإن فاته الحج فإنها تكون عمرة، وعليه من قابل حجة. وإن هو رجع لم يزل محرما حتى ينحر عنه يوم النحر.
فإن هو بلغه أن صاحبه لم ينحر عنه عاد محرما وبعث بهدي آخر، فواعد صاحبه يوم ينحر عنه بمكة، فتنحر عنه بمكة، ويحل، وعليه من قابل حجة وعمرة - ومن الناس من يقول: عمرتان. وإن كان أحرم بعمرة ثم رجع وبعث بهديه، فعليه من قابل عمرتان. وأناس يقولون: لا بل ثلاث عمر، نحوا مما صنعوا في الحج حين صنعوا، عليه حجة وعمرتان.
٣٣٠٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عباس، قال: إذا أحصر الرجل بعث بهديه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو.
فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها مكانه، ويواعد صاحب الهدي. فإذا أمن فعليه أن يحج ويعتمر. فإن أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي، فإنه يحل حيث يحبس. وإن كان معه هدي، فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله إذا بعث به، وليس عليه أن يحج قابلا ولا يعتمر، إلا أن يشاء.
* * *
وقال أبو جعفر: وعلة من قال هذه المقالة = أن محل الهدايا والبدن الحرم = أن الله عز وجل ذكر البدن والهدايا فقال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٣٢-٣٣] فجعل محلها الحرم، ولا محل للهدي دونه.
قالوا: وأما ما ادعاه المحتجون بنحر النبي ﷺ هداياه بالحديبية حين صد عن البيت، فليس ذلك بالقول المجتمع عليه، وذلك أن:
٣٣٠٧ - الفضل بن سهل حدثني، قال: حدثنا مخول بن إبراهيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر الأسلمي، عن أبيه، عن ناجية بن جندب الأسلمي، قال: أتيت النبي ﷺ حين صد عن الهدي، فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلننحره بالحرم! قال: كيف تصنع به؟ قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه! فانطلقت به حتى نحرته بالحرم. (١)
(١) الحديث: ٣٣٠٧ -الفضل بن سهل بن إبراهيم الأعرج، شيخ الطبري: أحد الثقات الحفاظ روى عنه الشيخان في الصحيحين. وهو مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ٣/١/٦٣، وتاريخ بغداد ١٢: ٣٦٤-٣٦٥. وتذكرة الحفاظ ٢: ١٢٠.
مخول -بالخاء المعجمة بوزن"محمد"- بن إبراهيم بن مخول بن راشد النهدي الحناط؛ قال الذهبي في الميزان: "رافضي بغيض، صدوق في نفسه". وقال ابن أبي حاتم ٤/١/٣٩٩: "سئل أبي عنه فقال: "هو صدوق" وذكره ابن حبان في الثقات.
إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. و"مخول" أكثر روايته عن إسرائيل، وقد روى عنه ما لم يرو غيره"، كما قال ابن عدي.
مجزأة بن زاهر: تابعي ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما.
أبوه، زاهر بن أسود بن حجاج بن قيس الأسلمي: صحابي معروف كان ممن بايع تحت الشجرة. ناجية بن جندب الأسلمي: صحابي معروف وكان صاحب بدن رسول اله صلى الله عليه وسلم. وهناك أيضًا "ناجية بن كعب الخزاعي" كان صاحب بدن رسول الله ﷺ أيضًا. وقد خلط بينهما بعض الرواة. وحقق الحافظ في التهذيب والإصابة أن هذا غير ذاك.
والحديث رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١: ٤٢٧، عن إبراهيم بن أبي داود عن مخول ابن إبراهيم بهذا الإسناد إلا أنه جعله"عن مجزأة عن ناجية" مباشرة ليس بينهما"عن أبيه". و"مجزأة" يروى عن ناجية. لكن هذا الحديث بعينه ذكره الحافظ في الإصابة في ترجمة ناجية ٦: ٢٢٢- ٢٢٣ أنه رواه ابن مندة"من طريق مجزأة بن زاهر، عن أبيه عن ناجية بن جندب"، ثم ذكر أنه"أخرجه الطحاوي من طريق مخول". فلا أدري: أسقط قوله"عن أبيه" من نسخة الطحاوي؟ أم هو اختلاف رواية؟
وقال الحافظ بعد ذكره رواية ابن مندة: "قال اب مندة: تفرد به مخول بن إبراهيم عن إسرائيل عنه (يعني عن مجزأة) ورواه عنه (يعني عن مخول) أبو حاتم الرازي وغيره. كذا قال وقد أخرجه النسائي من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل مثله". ولم أجده في النسائي. فالظاهر أنه في السنن الكبرى.
قالوا: فقد بين هذا الخبر أن النبي ﷺ نحر هداياه في الحرم، فلا حجة لمحتج بنحره بالحديبية في غير الحرم.
* * *
وقال آخرون: معنى هذه الآية وتأويلها على غير هذين الوجهين اللذين وصفنا من قول الفريقين اللذين ذكرنا اختلافهم على ما ذكرنا. وقالوا: إنما معنى ذلك: فإن أحصرتم أيها المؤمنون عن حجكم - فمنعتم من المضي لإحرامه لعائق مرض أو خوف عدو - وأداء اللازم لكم وحجكم، حتى فاتكم الوقوف بعرفة، فإن عليكم ما استيسر من الهدي، لما فاتكم من حجكم، مع قضاء الحج الذي فاتكم. فقال أهل هذه المقالة: ليس للمحصر في الحج - بالمرض والعلل غيره - الإحلال إلا بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة إن فاته الحج. قالوا: فأما إن أطاق شهود المشاهد، فإنه غير محصر. قالوا: وأما العمرة فلا إحصار فيها، لأن وقتها موجود أبدا. قالوا: والمعتمر لا يحل إلا بعمل آخر ما يلزمه في إحرامه.
قالوا: ولم يدخل المعتمر في هذه الآية، وإنما عنى بها الحاج.
* * *
ثم اختلف أهل هذه المقالة. فقال بعضهم: لا إحصار اليوم بعدو، كما لا إحصار بمرض يجوز لمن فاته أن يحل من إحرامه قبل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٠٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، عن طاوس، قال: قال ابن عباس: لا إحصار اليوم.
٣٣٠٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة قالت: لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت.
٣٣١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا حصر إلا من حبسه عدو، فيحل بعمرة، وليس عليه حج ولا عمرة.
* * *
وقال آخرون منهم: حصار العدو ثابت اليوم وبعد اليوم، على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التي حكينا عنهم.
* ذكر من قال ذلك: وقال: معنى الآية: فإن أحصرتم عن الحج حتى فاتكم، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إياكم:
٣٣١١ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، قال: كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما
قابلا ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا.
٣٣١٢ - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: المحصر لا يحل من شيء حتى يبلغ البيت، ويقيم على إحرامه كما هو، إلا أن تصيبه جراحة - أو جرح - فيتداوى بما يصلحه ويفتدي. فإذا وصل إلى البيت، فإن كانت عمرة قضاها، وإن كانت حجة فسخها بعمرة، وعليه الحج من قابل والهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
٣٣١٣ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر مر على ابن حزابة وهو بالسقيا، فرأى به كسرا، فاستفتاه، فأمره أن يقف كما هو لا يحل من شيء حتى يأتي البيت إلا أن يصيبه أذى فيتداوى وعليه ما استيسر من الهدي. وكان أهل بالحج. (١)
٣٣١٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر، قال: من أحصر بعد أن يهل بحج، فحبسه خوف أو مرض أو خلأ له ظهر يحمله، (٢) أو شيء من الأمور كلها، فإنه يتعالج لحبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه، غير أنه لا يحل من النساء والطيب، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها صيام أو صدقة أو نسك. فإن فاته الحج وهو بمحبسه ذلك، أو فاته أن يقف في مواقف عرفة قبل الفجر من ليلة المزدلفة، فقد فاته الحج، وصارت حجته عمرة: يقدم مكة فيطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فإن كان معه هدي نحره بمكة قريبا من
(١) انظر ما سلف رقم: ٣٢٨٩.
(٢) خلأت الناقة تخلأ خلاه (بكسر الخاء) فهي خالي: إذا بركت وأبت أن تقوم وأبت أن تقوم وفي الحديث"أن ناقة النبي ﷺ خلأت به يوم الحديبية فقالوا: خلأت القصواء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلأت! وما هو لها بخلق! ولكن حبسها حابس الفيل". والظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب عليها.
المسجد الحرام، ثم حلق رأسه، أو قصر، ثم حل من النساء والطيب وغير ذلك. ثم عليه أن يحج قابلا ويهدي ما تيسر من الهدي.
٣٣١٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أنه قال: المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. وإن اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى. (١)
* * *
فهذا ما روي عن ابن عمر في الإحصار بالمرض وما أشبهه، وأما في المحصر بالعدو فإنه كان يقول فيه بنحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله. (٢)
٣٣١٦ - حدثني تميم بن المنتصر، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج حين نزل الحجاج بابن الزبير فكلمه ابناه سالم وعبيد الله، فقالا لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يكون بين الناس قتال فيحال بينك وبين البيت! قال: إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله ﷺ حين حال كفار قريش بينه وبين البيت فحلق ورجع.
* * *
وأما ما ذكرناه عنهم في العمرة من قولهم:" إنه لا إحصار فيها ولا حصر"، فإنه:-
٣٣١٧ - حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، عن أبي بشر، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه أهل بعمرة فأحصر، قال: فكتب إلى ابن عباس وابن عمر، فكتبا إليه أن يبعث بالهدي، ثم يقيم حتى يحل من عمرته. قال: فأقام ستة أشهر أو سبعة أشهر.
(١) الموطأ: ٣٦١، مع خلاف يسير في لفظه وفيه: "المحصر بمرض لا يحل... "
(٢) انظر ما سلف رقم: ٣٢٣٨، ٣٢٨٧، ٣٢٨٨.
٣٣١٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يعقوب، عن أبي العلاء بن الشخير، قال: خرجت معتمرا فصرعت عن بعيري، فكسرت رجلي، فأرسلنا إلى ابن عباس وابن عمر نسألهما، فقالا إن العمرة ليس لها وقت كوقت الحج، لا تحل حتى تطوف بالبيت. قال: فأقمت بالدثينة أو قريبا منه سبعة أشهر أو ثمانية أشهر. (١)
٣٣١٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال: خرجت إلى مكة، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة إلى عبد الله بن عباس، وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس، فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك إلى سبعة أشهر، حتى أحللت بعمرة. (٢)
٣٣٢٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب في رجل أصابه كسر وهو معتمر، قال: يمكث على إحرامه حتى يأتي البيت ويطوف به وبالصفا والمروة، ويحلق أو يقصر، وليس عليه شيء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من
(١) الدثينة (بفتح أوله وكسر ثانيه) : منزل لبني سليم في طريق البصرة إلى مكة، وكانت تسمى"الدفينة" أيضًا. وقال البكري في معجم ما استعجم: "الدثينة" بفتح أوله وثانيه بعده نون وياء مشددة. ثم نقل عن أبي علي القالي: "الدفينة والدثينة: منزل لبني سليم نفلته من كتاب يعقوب في الإبدال" والصواب ما ذكره ياقوت في ضبطها، لقول النابغة الذبياني:
وعلى الرميثة من سكين حاضر وعلى الدثينة من بني سيار
(٢) الموطأ: ٣٦١، وفي بعض لفظه خلاف يسير، وفيه أيضًا: "فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر"، وكأنها الصواب.
قال: إن الله عز وجل عنى بقوله =:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله" = كل محصر في إحرام، بعمرة كان إحرام المحصر أو بحج. وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله-. (١) وتأول بـ "المحل" المنحر أو المذبح، وذلك حين حل نحره أو ذبحه، في حرم كان أو في حل، وألزمه قضاء ما حل منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلا وذلك لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه صد عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة، فنحر هو وأصحابه بأمره الهدي، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه في العام الذي بعده. ولم يدع أحد من أهل العلم بالسير ولا غيرهم أن رسول الله ﷺ ولا أحدا من أصحابه أقام على إحرامه انتظارا للوصول إلى البيت والإحلال بالطواف به وبالسعي بين الصفا والمروة، ولا تحفى وصول هديه إلى الحرم. (٢)
فأولى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يأت بحظره خبر، ولم تقم بالمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك = فمن متأول معنى الآية تأويلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتا بما قلنا عن رسول الله ﷺ النقل = كان الذي نقل عنه أولى الأمور بتأويل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنها يومئذ نزلت وفي حكم صد المشركين إياه عن البيت أوحيت. (٣)
(١) قوله: "وتأول.. " معطوف على قوله: "... قول من قال... "
(٢) في المطبوعة: "ولا يخفى وصول هديه إلى الحرم"، وهو لا معنى له. وتحفى: استقصى وبالغ وعنى في معرفة الشيء. من قولهم: "هو به حفى"، أي معنى شديد الاهتمام. هذا ما استظهرته من قراءة هذه الكلمة. والله المسدد للصواب.
(٣) في المطبوعة: "أنها يومئذ نزلت في حكم صد المشركين... " وزيادة الواو لا بد منها حتى يستقيم الكلام ويعتدل جانباه.
وقد روي بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.
٣٣٢١ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثني الحجاج بن أبي عثمان، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه، قال: حدثني الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى" قال: فحدثت ابن عباس وأبا هريرة بذلك، فقالا صدق. (١)
٣٣٢٢ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا مروان، قال: حدثنا حجاج الصواف = وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا سفيان بن حبيب، عن الحجاج الصواف = عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه، وعن ابن عباس وأبي هريرة. (٢)
* * *
ومعنى هذا الخبر الأمر بقضاء الحجة التي حل منها، نظير فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قضائهم عمرتهم التي حلوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضية.
* * *
(١) الحديث: ٣٣٢١ -حجاج بن أبي عثمان الصواف: ثقة حافظ أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث رواه أحمد في المسند: ١٥٧٩٦ (٣: ٤٥٠ حلبي) عن يحيى القطان وعن ابن علية كلاهما عن حجاج الصواف بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود: ١٩٦٢ من طريق يحيى عن حجاج قال المنذري: "وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه". وسيأتي عقب هذا بإسناد ثان.
(٢) الحديث: ٣٣٢٢ -مروان: هو ابن معاوية الفزاري مضت ترجمته: ١٢٢٢. والحديث مكرر ما قبله. وقد رواه الحاكم في المستدرك ١: ٤٧٠ من طريق مروان بن معاوية الفزاري بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
* ووقع في نسخة المستدرك المطبوعة"مروان حدثنا معاوية الفزاري"! وهو خطأ مطبعي، ينبغي تصحيحه.
ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدو، إذا حل من إحرامه التطوع فلا قضاء عليه، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء: ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء، وأسقطت عن الآخر، وكلاهما قد حل من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة؟
فإن قال: لأن الآية إنما نزلت في الذي حصره العدو، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه
قيل له: قد دفعك عن ذلك جماعة من أهل العلم، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإحصار له حكم المنع بالعدو، إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما، وإن اختلفت أسباب منعهما، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه، والآخر بمنع مانع؟ ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *
وأما الذين قالوا: لا إحصار في العمرة، فإنه يقال لهم: قد علمتم أن النبي ﷺ إنما صد عن البيت، وهو محرم بالعمرة، فحل من إحرامه؟ فما برهانكم على عدم الإحصار فيها؟ أو رأيتم إن قال قائل: لا إحصار في حج، وإنما فيه فوت، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، لأنه لم يصح عن النبي ﷺ أنه سن في الإحصار في الحج سنة؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين. فأما العمرة فإن النبي ﷺ سن فيها ما سن، وأنزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بيّن من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم، ففيها الإحصار دون الحج هل بينها وبينه فرق؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، (١) إلا أن يضطر إلى حلقه منكم مضطر، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوام أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محله، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك، فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٢٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما" أذى من رأسه"؟ قال: القمل وغيره، والصدع، وما كان في رأسه.
* * *
وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي الحج بالنسك، أو الإطعام، إلا بعد التكفير. وإن أراد أن يفتدي بالصوم، حلق ثم صام.
* ذكر من قال ذلك............................
٣٣٢٤ - حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن، قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه فإنه يحلق حين يبعث بالشاة، أو يطعم المساكين،
(١) انظر ما سلف ص: ٣٦، والتعليق رقم: ١
وإن كان صوم حلق ثم صام بعد ذلك. (١)...........................
* * *
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٢٥ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، شاة فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فحلق رأسه، أو مس طيبا أو تداوى، كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
٣٣٢٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي"، قال: من أحصر بمرض أو كسر فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يحل حتى يوم النحر. فمن كان مريضا، أو اكتحل، أو ادهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه، فحلق، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
(١) الخبر: ٣٣٢٤ -عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري الحافظ: ثقة أخرج له الشيخان وغيرهما مات سنة ٢٣٧. وهو بصري وابن جرير ولد سنة ٢٢٤ فكانت سنة حين وفاة عبيد الله ١٣ سنة ولا يبعد سماعه منه، إلا أنه لم يرحل في طلب الحديث في هذه السن. ولم أجد ما يؤيد ظاهر هذا الإسناد: أنه سمع عبيد الله. وسيأتي هذا الإسناد في خبر آخر: ٣٣٧٤ بواسطة بين الطبري وعبيد الله، وليس يمتنع أن يروي الراوي عن شيخ مباشرة تارة وبواسطة تارة أخرى. ولني أشك في صحة مطبوعة الطبري في هذا الموضع خشية أن يكون سقط اسم شيخ بينهما.
وقد وضعت قبل هذا الأثر نقطا وبعده نقطا أخرى ليقيني أن في هذا الموضع خرم وخلط لم أستطع أن أهتدي إليه. ومع ذلك فأنا في شك من نص هذا الأثر، وأخشى أن يكون من كلام الطبري لا من كلام الحسن وسيأتي قول الحسن بهذا الإسناد في رقم: ٣٣٧٤.
هذا والإسناد هناك، "حدثنا ابن أبي عمران قال حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه... " وكذلك نقله ابن كثير في تفسيره ١: ٤٤٨ فلا شك أن في هذا الإسناد نقصا أيضًا وصوابه"حدثنا ابن أبي عمران قال حدثنا عبيد الله بن معاذ... ".
٣٣٢٧ -حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٣٣٢٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" هذا إذا كان قد بعث بهديه، ثم احتاج إلى حلق رأسه من مرض، وإلى طيب، وإلى ثوب يلبسه، قميص أو غير ذلك: فعليه الفدية.
٣٣٢٩ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: من أحصر عن الحج فأصابه في حبسه ذلك مرض أو أذى برأسه، فحلق رأسه في محبسه ذلك، فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
٣٣٣٠ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: من أحصر بعد أن يهل بحج، فحبسه مرض أو خوف، فإنه يتعالج في حبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه، غير أنه لا يحل له النساء والطيب، ويفتدي بالفدية التي أمر الله بها: صيام، أو صدقة، أو نسك.
٣٣٣١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثني بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل علي رضي الله عنه عن قول الله جل ثناؤه:" فمن كان من منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: هذا قبل أن ينحر الهدي، إن أصابه شيء فعليه الكفارة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه،
فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك قبل الحلاق إذا أراد حلاقه.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٣٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فمن اشتد مرضه، أو آذاه رأسه وهو محرم، فعليه صيام، أو إطعام، أو نسك. ولا يحلق رأسه حتى يقدم فديته قبل ذلك.
* * *
وعلة من قال هذه المقالة ما: -
٣٣٣٣ - حدثنا به المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يعقوب، قال: سألت عطاء، عن قوله:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فقال: إن كعب بن عجرة مر بالنبي ﷺ وبرأسه من الصئبان والقمل كثير، فقال له النبي عليه السلام:"هل عندك شاة"؟ فقال كعب: ما أجدها! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأطعم ستة مساكين، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، ثم احلق رأسك. (١)
* * *
(١) الحديث: ٣٣٣٣ -هذا الحديث إلى الحديث: ٣٣٥٨ ثم الحديث: ٣٣٦٤ كلها طرق لحديث كعب بن عجرة من أوجه مختلفة بألفاظ وسياقات ثم الحديث ٣٣٥٩ في قصة كعب أيضًا. فهو ٢٨ حديثا وجدت تخريج أكثرها. ومنها ١٠ أسانيد لم يقع إلى تخريجها فتستفاد من هذا التفسير العظيم ولعل بعضها موجود في مراجعنا ولكن لم أصل إليه.
وأرقام الأسانيد التي لم أجد تخريجها هي: ٣٣٣٣، ٣٣٣٩، ٣٣٤٣، ٣٣٤٤، ٣٣٤٩، ٣٣٥٠، ٣٣٥٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٣٣٥٩.
وهذا الإسناد: ٣٣٣٣ -أولها ولم أجده في موضع آخر
وعطاء في هذا الإسناد: الظاهر أنه عطاء بن أبي رباح. ويحتمل أن يكون"عطاء بن عبد الله الخراساني"، لأن الحديث سيأتي من روايته: ٣٣٥٣ عن شيخ مبهم عن كعب بن عجرة.
وأيا ما كان فهذا الإسناد ضعيف لإرساله لأن عطاء يحكي قصة في عهد رسول الله ﷺ لم يدركها، ثم لم يذكر من حدثه بها.
وسيأتي الحديث مرة أخرى ٣٣٥٧ من رواية ابن جريج عن عطاء مرسلا أيضًا.
ومعناه ثابت صحيح من الروايات الموصولة الصحيحة الآتية وفيها كثرة والحمد لله.
الصئبان جمع صاب (بضم بفتح) جمع صؤابة: وهو بيض القمل.
قال أبو جعفر: فأما "المرض" الذي أبيح معه العلاج بالطيب وحلق الرأس، فكل مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، (١) والجراحات التي تكون بجسد الإنسان التي يحتاج معها إلى العلاج بالدواء الذي فيه الطيب ونحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان.
وأما" الأذى" الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنحو الصداع والشقيقة، وما أشبه ذلك، (٢) وأن يكثر صئبان الرأس، وكل ما كان للرأس مؤذيا مما في حلقه صلاحه ودفع المضرة الحالة به، فيكون ذلك بعموم قول الله جل وعز:" أو به أذى من رأسه".
* * *
وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ أن هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية.
* ذكر الأخبار التي رويت في ذلك:
٣٣٣٤ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وحميد بن مسعدة قالا حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله ﷺ بالحديبية ولي وفرة فيها هوام ما بين أصل كل شعرة إلى فرعها قمل وصئبان، فقال:"إن هذا لأذى"! قلت: أجل يا رسول الله، شديد! قال: أمعك دم؟ قلت: لا! قال: فإن شئت
(١) البرسام: ورم حار يعرض للحجاب الذي بين الكبد والأمعاء. ثم يتصل إلى الدماغ حتى يهذي صاحبه في علته هذه.
(٢) الشقيقة: صداع يأخذ في نصف الرأس والوجه، يداوى بالاحتجام.
فصمْ ثلاثة أيام، وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين، على كل مسكين نصف صاع. (١)
٣٣٣٥ - حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عامر، عن كعب بن عجرة، عن النبي بنحوه.
٣٣٣٦ - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أسد بن عمرو، عن أشعث، عن عامر، عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، قال: خرجت مع النبي ﷺ زمن الحديبية ولي وفرة من شعر، قد قملت وأكلني الصئبان. فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"احلق! " ففعلت، فقال:"هل لك هدي؟ " فقلت: ما أجد! فقال: إنه ما استيسر من الهدي، فقلت: ما أجد! فقال:"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع.
قال: ففي نزلت هذه الآية:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، إلى آخر الآية (٢)
(١) الحديثان: ٣٣٣٤، ٣٣٣٥ -داود: هو ابن أبي هند.
والحديث رواه احمد في المسند ٤: ٣٤٣ وأبو داود: ١٨٥٨ -كلاهما من طريق داود عن الشعبي.
الوفرة: أعظم من الجمة وهي ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر ثم اللمة وهي ما ألم بالمنكبين والهوام واحدها هامة: وهي الحيات وأشباهها مما يهم أي يدب. والهميم الدبيب. وكنوا عن القمل بأنها هوام لأنها تهم في الرأس، أي تدب فيه وتؤذي. وآصع جمع صاع وأصلها"أصؤع" بالهمزة مضمومة (مثل جبل وأجبل) قلبت الهمزة مكان الصاد، كما قالوا في دار أدؤر وآدر (المغرب عن أبي علي الفارسي ومعيار اللغة للشيرازي) والصاع مكيال لأهل المدينة وللفقهاء اختلاف كثير في تقديره، وسيأتي (آصع) في رقم: ٣٣٤٦
(٢) الحديث: ٣٣٣٦ -أسد بن عمرو البجلي القاضي: فقيه من أصحاب أبي حنيفة وروى عنه الإمام أحمد وقال: "كان صدوقا". ووثقه ابن سعد ٧/٢/٧٤. وترجمته في التعجيل. وهو مختلف فيه جدا، بين التوثيق والتكذيب. والعدل ما قال أحمد. أشعث: هو ابن سوار الكندي. وهو ثقة. عامر: هو الشعبي.
عبد الله بن معقل بن مقرن المزني: تابعي ثقة من خيار التابعين. و"معقل": بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف. و"مقرن": بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وآخره نون.
والحديث رواه أحمد ٤: ٢٤٣ (حلبي) عن هشيم عن أشعث بهذا الإسناد. وسيأتي ٣٣٦٤، من طريق هشيم.
قال أبو جعفر: وهذا الخبر ينبئ عن أن الصحيح من القول أن الفدية إنما تجب على الحالق بعد الحلق، وفساد قول من قال: يفتدي ثم يحلق; لأن كعبا يخبر أن النبي ﷺ أمره بالفدية، بعد ما أمره بالحلق فحلق.
* * *
٣٣٣٧ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال: أمرني رسول الله ﷺ بصيام ثلاثة أيام، أو فرق من طعام بين ستة مساكين. (١)
٣٣٣٨ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، قال: قعدت إلى كعب وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فقال كعب: نزلت في كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال:"ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ " فقلت: لا فنزلت هذه الآية:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة. (٢)
(١) الحديث: ٣٣٣٧ -مؤمل: هو ابن إسماعيل. سفيان: هو الثوري.
* عبد الرحمن بن الأصبهاني: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني. وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
* والحديث رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤٣ (حلبي) عن مؤمل بن إسماعيل، بهذا الإسناد بلفظ أطول مما هنا.
* الفرق (بفتح الراء وسكونها) : مكيال لأهل المدينة يسع ستة عشر رطلا. وفي تقديره أيضًا اختلاف كاختلافهم في الصاع. وانظر ما سيأتي رقم: ٣٣٤٦.
(٢) الحديث: ٣٣٣٨ -رواه الطيالسي في مسنده: ١٠٦٢، عن شعبة بهذا الإسناد. ورواه أحمد في المسند ٤: ٢٤٢ (حلبي) عن محمد بن جعفر وعن عفان وعن بهز -ثلاثتهم عن شعبة.
* وكذلك رواه البخاري ٤: ١٤ (فتح) ومسلم ١: ٣٣٦- ٣٣٧، وابن ماجه: ٣٠٧٩- كلهم من طريق شعبة.
٣٣٣٩ - حدثني تميم، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت عبد الله بن معقل المزني، يقول: سمعت كعب بن عجرة يقول: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقمل رأسي ولحيتي وشاربي وحاجبي، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلي فقال: ما كنت أرى هذا أصابك"، ثم قال: ادعوا لي حلاقا! فدعوه، فحلقني. ثم قال: أعندك شيء تنسكه عنك؟ قال: قلت لا. قال:"فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من طعام. قال كعب: فنزلت هذه الآية في خاصة:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" ثم كانت للناس عامة. (١)
٣٣٤٠ - حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أتؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت نعم! قال: احلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو اذبح شاة. (٢)
(١) الحديث: ٣٣٣٩ -تميم: هو ابن المنتصر الواسطي، شيخ الطبري. مضت ترجمته: ٨٩١.
* إسحاق الأزرق: هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي. ثقة معروف من شيوخ أحمد وابن معين، وأخرج له أصحاب الكتب الستة. وشيوخه شريك: هو ابن عبد الله النخعي.
* عبد الله بن معقل المزني، كما بينا من قبل. ووقع هنا في المطبوعة"المرى" وهو تصحيف.
* وهذا الإسناد مما لم أجده -من طريق شريك- في موضع آخر.
* نسك ينسك (بضم السين) نسكا: ذبح، والمنسك الموضع الذي تذبح فيه النسك. والنسيكة الذبيحة.
(٢) الحديث: ٣٣٤٠ -رواه أحمد ٤: ٢٤٤ (حلبي) من طريق معمر. ورواه البخاري ٧: ٣٥١، ومسلم ١: ٣٣٦ من طريق حماد بن زيد- كلاهما عن أيوب بهذا الإسناد. وسيأتي عقب هذا، من رواية ابن علية عن أيوب وسيأتي: ٣٣٤٦، من رواية ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وأيوب.
٣٣٤١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب بإسناده عن النبي ﷺ مثله = إلا أنه قال: والقمل يتناثر علي- أو قال: على حاجبي. وقال أيضا: أو انسك نسيكة. قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ. (١)
٣٣٤٢ - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب، قال: في أنزلت هذه الآية، قال: فقال لي: ادنه. فدنوت، فقال:"أيؤذيك هوامك؟ قال: أظنه قال نعم! قال: فأمرني بصيام، أو صدقة، أو نسك، ما تيسر. (٢)
٣٣٤٣ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل عن مجاهد، عن كعب بن عجرة: أن النبي ﷺ أتى عليه زمن الحديبية وهو يوقد تحت قدر له وهوام رأسه تتناثر على وجهه، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم! قال: احلق رأسك، وعليك فدية من صيام أو صدقة أو نسك، تذبح ذبيحة، أو تصوم ثلاثة أيام، أو تطعم ستة مساكين. (٣)
(١) الحديث: ٣٣٤١ -رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤١ (حلبي) عن إسماعيل- وهو ابن عليه- بهذا الإسناد.
* ورواه مسلم ١: ٣٣٦، عن يعقوب بن إبراهيم -شيخ الطبري هنا- وعن علي بن حجر وزهير ابن حرب ثلاثتهم عن ابن علية.
(٢) الحديث: ٣٣٤٢- رواه مسلم ١: ٣٣٦ من طريق ابن أبي عدي عن ابن عون بهذا الإسناد.
(٣) الحديثان: ٣٣٤٣، ٣٣٤٤ -سعيد في الإسنادين: هو ابن أبي عروبة.
* صالح أبو الخليل -وفي الإسناد الثاني"عن أبي الخليل-: هو صالح بن أبي مريم وكنيته"أبو الخليل". مضت ترجمته: ١٨٩٩. ووقع في المطبوعة هنا في أولهما"عن صالح بن أبي الخليل" وفي ثانيهما"عن ابن أبي الخليل". وهو خطأ ناسخ أو طابع في زيادة كلمة"بن".
* وهذان الإسنادان من طريق صالح بن أبي مريم عن مجاهد - مما لم أجده في موضع آخر.
٣٣٤٤ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ أتى على كعب بن عجرة زمن الحديبية، ثم ذكر نحوه.
٣٣٤٥ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني سيف، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا بالحديبية، ورأسي يتهافت قملا فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال قلت: نعم! قال: فاحلق. قال: ففي نزلت هذه الآية:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك". (١)
٣٣٤٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وأيوب السختياني، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر بي رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتهافت علي، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: قلت: نعم! قال: فاحلق، وانسك نسيكة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقا بين ستة مساكين = قال أيوب: انسك نسيكة، وقال ابن أبي نجيح: اذبح شاة=
قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع. (٢)
(١) الحديث: ٣٣٤٥ -موسى بن عبد الرحمن المسروقي شيخ الطبري: مضت ترجمته في: ١٧٤.
* سيف: هو ابن سليمان -ويقال: ابن أبي سليمان- المخزومي المكي. وهو ثقة من شيوخ الثوري والقطان ووكيع، وأخرج له الشيخان وغيرهما.
* والحديث رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤٣ (حلبي) عن يحيى القطان عن سيف بهذا الإسناد وكذلك رواه البخاري ٤: ١٣- ١٤، ومسلم ١: ٢٣٦ كلاهما من طريق سيف، به.
(٢) الحديث: ٣٣٤٦- رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤٣ (حلبي) عن سفيان وهو ابن عيينة عن ابن أبي نجيح -وحده- عن مجاهد بهذا الإسناد مختصرا. ورواه أيضًا ٤: ٢٤٢ عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مطولا. وقد مضى في تخريج الحديثين: ٣٣٤٠، ٣٣٤١ رواية أحمد إياه من طريق أيوب. وأشرنا إلى هذا هناك.
ورواه مسلم ١: ٣٣٦ والترمذي ٢: ١٢٠- ١٢١ كلاهما عن ابن أبي عمر، عن سفيان ابن عيينة وابن أبي نجيح، وحميد الأعرج وعبد الكريم الأربعة عن مجاهد. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
٣٣٤٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ رآه وقمله يسقط على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم! فأمره أن يحلق وهو بالحديبية لم يتبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله أن يطعم فرقا بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام. (١)
٣٣٤٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع النبي ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون. قال: وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"أيؤذيك هوام رأسك؟ " قال: قلت نعم! قال ونزلت هذه الآية:" فمن كان من منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك". (٢)
(١) الحديث: ٣٣٤٧ -أبو عاصم: هو النبيل الضحاك بن مخلد عيسى: هو ابن ميمون المكي، مضت ترجمته في: ٢٧٨.
* والحديث رواه البخاري ٤: ١٦ (فتح) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح، ثم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح، به.
* ورواه البخاري أيضًا ٧: ٣٤٣ من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح.
* وقد مضى في الذي قبله أسانيد أخر عن ابن أبي نجيح.
(٢) الحديث: ٣٣٤٨ -يعقوب: هو ابن إبراهيم الدورقي الحافظ. هشيم: هو ابن بشير ابن القاسم أبو معاوية الواسطي.
* أبو بشر: هو جعفر بن إياس وهو ابن أبي وحشية اليشكري الواسطي ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
* والحديث رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤١ (حلبي) عن هشيم، بهذا الإسناد. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٠٦٥ عن هشيم وأبي عوانة كلاهما عن أبي بشر، به.
٣٣٤٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، عن كعب بن عجرة، قال: لفي نزلت، وإياي عنى بها:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: قال النبي ﷺ = وهو بالحديبية، وهو عند الشجرة، وأنا محرم =: أيؤذيك هوامه؟ قلت: نعم! - أو كلمة لا أحفظها عنى بها ذاك - فأنزل الله جل وعز:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، والنسك: شاة. (١)
٣٣٥٠ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد، قال: قال كعب بن عجرة، والذي نفسي بيده، لفي نزلت هذه الآية، وإياي عنى بها، ثم ذكر نحوه، قال: وأمره أن يحلق رأسه.
٣٣٥١ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وقال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة، أي ذلك فعلت أجزأك". (٢)
(١) الحديثان: ٣٣٤٩، ٣٣٥٠ -جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي.
* مغيرة: هو ابن مقسم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين- الضبي الفقيه، ثقة أخرج له الستة.
* وهذان الإسنادان، مما لم أجده في موضع آخر. ومن البين أن فيهما انقطاعا بين مجاهد وكعب بن عجرة بينهما عبد الرحمن بن أبي ليل، كما يتبين من الأسانيد السابقة واللاحقة.
(٢) الحديث: ٣٣٥١ -هو في الموطأ ص: ٤١٧ن ولكن حذف فيه"عن مجاهد"- بين عبد الكريم الجزري وابن أبي ليلى. وكذلك هو في الموطأ رواية سويد بن سعيد، ص: ١٨٥ (من مصورة عن مخطوطة عتيقة نفيسة منه، عندي) وقال ابن عبد البر في التقصي، رقم: ٣٣٢"هكذا هذا الحديث في الموطأ عند أكثر الرواة، ليس فيه ذكر مجاهد. وسقوط مجاهد منه خطأ، لأن عبد الكريم إنما رواه عن مجاهد عن ابن أبي ليلى: وقد رواه ابن وهب وابن القاسم في الموطأ -عن مالك عن عبد الكريم، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى، عن كعب وهو الصواب". وقد أشار الحافظ في الفتح ٤: ١١ إلى رواية الموطأ هذه، وقال: "قال الدارقطني: رواه أصحاب الموطأ: عن مالك عن عبد الكريم عن عبد الرحمن لم يذكروا مجاهدا، حتى قال الشافعي: إن مالكا وهم فيه" ثم أشار إلى روايات من رواه عن مالك على الصواب: ابن القاسم عند النسائي. وابن وهب عند الطبري - وهي هذه الرواية. وعبد الرحمن بن مهدي عند أحمد. ورواية ابن مهدي في المسند ٤: ٢٤١ (حلبي) ورواية ابن القاسم في النسائي ٢: ٢٨. وكلاهما على الصواب، كرواية الطبري -هذه- من طريق ابن وهب.
٣٣٥٢ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن حميد بن قيس، عن مجاهد، [عن ابن أبي ليلى]، عن كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ قال له: لعله آذاك هوامك؟ - يعني القمل - قال: فقلت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة. (١)
٣٣٥٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عطاء بن عبد الله الخراساني أنه قال: أخبرني شيخ بسوق البرم بالكوفة، عن كعب بن عجرة أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي، قد امتلأ رأسي ولحيتي قملا فأخذ بجبهتي، ثم قال: احلق هذا، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين! وقد كان رسول الله صلى الله
(١) الحديث: ٣٣٥٢ -حميد بن قيس المكي القارئ، قارئ أهل مكة: ثقة من شيوخ مالك والثوري وأخرج له الستة.
* وقد سقط من إسناد الحديث هنا"ابن أبي ليلى" بين مجاهد وكعب بن عجرة وليس هذا من خطأ الناسخ أو الطابع، بل هو من رواة الموطأ.
* فالحديث في الموطأ ص: ٤١٧، على الصواب"مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب"- في رواية يحيى بن يحيى المعروفة وكذلك هو على الصواب في رواية سويد بن سعيد عن مالك ص: ١٨٥.
* وقال ابن عبد البر في التقصي رقم: ٤٣"هذا هو الصحيح في إسناد هذا الحديث. ومن أسقط من إسناده عن مالك، "ابن أبي ليلى"- فقد أفسد إسناده. وممن رواه كما رواه يحيى مجودا: الق عنبي والشافعي وابن عبد الحكم وأبو مصعب وابن بكير والزبيري. وسقط لابن القاسم وابن وهب وابن عفير"ابن أبي ليلى" من إسناد هذا الحديث". ونحو ذلك قال الحافظ في الفتح ٤: ١١. وقد رواه البخاري ٤: ١٠- ١٢ عن عبد الله بن يوسف، عن مالك على الصواب.
عليه وسلم علم أنه ليس عندي ما أنسك به. (١)
٣٣٥٤ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن نافع، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة، قال كعب: أمرني رسول الله ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثم أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين; وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به. (٢)
٣٣٥٥ - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا روح، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب، قال: سمعت كعب بن عجرة يقول: أمرني - يعني رسول الله ﷺ - أن أحلق وأفتدي بشاة. (٣)
٣٣٥٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن الزبير بن عدي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: لقيت كعب بن عجرة في هذه السوق، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال: أحرمت فآذاني القمل. فبلغ ذلك
(١) الحديث: ٣٣٥٣ -عطاء بن عبد الله الخراساني: هو عطاء بن أي مسلم واسم أبي مسلم"عبد الله" وهو الراجح الثابت عند مالك والذي اقتصر عليه ابن أبي حاتم ٣/١/٣٣٤- ٣٣٥. وفي التهذيب قول آخر: أنه"ميسرة". وعطاء هذا: ثقة، تكلم فيه بعضهم بغير حجة.
* والحديث في الموطأ ص: ٤١٧- ٤١٨. وأشار إليه الحافظ في الفتح ولم ينسبه لغير الموطأ. ونقل عن ابن عبد البر لبيان الشيخ المبهم في الإسناد قال: "يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى، أو عبد الله بن معقل". أقول: ويحتمل أن يكون غيرهما. فالإسناد منقطع حتى نستيقن من هذا المبهم؟
(٢) الحديث: ٣٣٥٤ -يونس: هو ابن عبد الأعلى. ابن نافع: هو عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ المدني، من أصحاب مالك، وهو ثقة أخرج له مسلم وتكلم بعضهم في حفظه. أسامة بن زيد الليثي المدني: ثقة أخطأ في بعض أحاديث ولكن ذلك لا يدفعه عن الاحتجاج بروايته.
* محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي: تابعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
* والحديث رواه ابن ماجه: ٣٠٨٠، عن عبد الرحمن بن إبراهيم عن عبد الله بن نافع بهذا الإسناد.
(٣) الحديث: ٣٣٥٥ -إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري البغدادي الحافظ: ثقة ثبت روى عنه أصحاب الكتب الستة إلا البخاري مترجم في التهذيب. وتاريخ بغداد ٦: ٩٣- ٩٥ روح: هو ابن عبادة مضت ترجمته: ٣٠١٥.
* والحديث مختصر ما قبله، من هذا الوجه.
النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاني وأنا أطبخ قدرا لأصحابي، فحك بأصبعه رأسي فانتثر منه القمل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احلقه، وأطعم ستة مساكين. (١)
٣٣٥٧ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريح، قال: أخبرني عطاء أن النبي ﷺ كان بالحديبية عام حبسوا بها، وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له كعب بن عجرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتؤذيك هذه الهوام؟ قال: نعم. قال: فاحلق واجزز، ثم صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين. قال: قلت أسمى النبي ﷺ مدين مدين؟ قال: نعم، كذلك بلغنا أن النبي ﷺ سمى ذلك لكعب، ولم يسم النسك، قال: وأخبرني أن النبي ﷺ أخبر كعبا بذلك بالحديبية قبل أن يؤذن للنبي ﷺ وأصحابه بالحلق والنحر، لا يدري عطاءكم بين الحلق والنحر. (٢)
٣٣٥٨ - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الليث، عن ابن مسافر، عن ابن شهاب، عن فضالة بن محمد الأنصاري، أنه أخبره عمن لا يتهم من قومه: أن كعب بن عجرة أصابه أذى في رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدي محله، فأمره النبي ﷺ بصيام ثلاثة أيام. (٣)
(١) الحديث: ٣٣٥٦ -هارون بن المغيرة بن حكيم البجلي: ثقة وثقه ابن معين وغيره. عنبسة: هو ابن سعيد بن الضريس -بضم الضاد المعجمة- الأسدي: ثقة وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما. الزبير بن عدي الهمداني اليامي: ثقة وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
* والحديث رواه النسائي ٢: ٢٨، من طريق عمرو بن أبي قيس عن الزبير بن عدي، بهذا الإسناد.
(٢) الحديث: ٣٣٥٧ -عطاء: الظاهر أنه ابن أبي رباح. ويحتمل أن يكون"ابن عبد الله الخراساني"، الماضي في الإسناد: ٣٣٥٣، كما بينا في: ٣٣٣٣.
(٣) الحديث: ٣٣٥٨ -ابن مسافر: هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي المصرين كان واليا على مصر سنة ١١٨، وهو ثقة ثبت أخرج له الشيخان وغيرهما.
* فضالة بن محمد الأنصاري: ثقة ترجمه البخاري في الكبير ٤/١/١٢٦، قال: "بعد في أهل المدينة. عمن حدثه عن كعب بن عجرة. روى عنه الزهري". وبنحو ذلك ترجمه بن أبي حاتم ٣/٢/٧٧.
* والحديث لم أجده في موضع آخر، إلا إشارة البخاري وابن أبي حاتم إليه، بما ذكرنا.
* ولحديث كعب عجرة أسانيد أخر، وزيادة على الأسانيد الكثيرة التي هنا:
* فمنها: رواية شعبة عن الحكم عن أبي ليلى، عن كعب -عند أحمد في المسند ٤: ٢٤١- ٢٤٢، ٢٤٣ (حلبي).
* ومنها: رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن كعب -في المسند ٤: ٢٤٢.
* ومنها: رواية وهيب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى. في المسند ٤: ٢٤٢، وصحيح مسلم ١: ٣٣٦.
* ومنها: رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل المزني - في المسند ٤: ٢٤٣.
* ومنها: رواية الليث، عن نافع عن رجل من الأنصار عن كعب - عند أبي داود: ١٨٥٩.
* ومنها: رواية أبان، عن الحكم عن ابن أبي ليلى - عند أبي داود: ١٨٦٠.
* ومنها رواية ابن أبي زائدة، عن ابن الأصبهاني عن ابن معقل - عند مسلم ١: ٣٣٧.
* وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٥: ٥٤- ٥٥، ١٦٩- ١٧٠، ١٨٥، ١٨٧، ٢١٤، ٢٤٢. ومجمع الزوائد ٣: ٢٣٤- ٢٣٥.
٣٣٥٩ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبا يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله ﷺ لكعب بن عجرة: أيؤذيك دواب رأسك؟ قال: نعم، قال: فاحلقه وافتد إما بصوم ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين، أو نسك شاة" ففعل. (١)
* * *
(١) الحديث: ٣٣٥٩ - هذا إسناد صحيح. مخرمة هو ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني: وهو ثقة تكلموا في سماعه من أبيه فجزم بعضهم بأنه لم يسمع منه، وإنما يحدث عن كتاب أبيه. وحكى ابن أبي أويس أنه وجد في ظهر كتاب مالك: أنه سأل مخرمة عن ذلك فحلف له أنه سمع من أبيه الأحاديث التي يحدث بها عنه. انظر ترجمته في التهذيب. والكبير ٤/٢/١٦؛ وابن أبي حاتم ٤/١/٣٦٣- ٣٦٤، والمراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٨٠.
وهذا الحديث مما لم أجده في موضع آخر. إلا أن الحافظ أشار إليه في الفتح ٤: ١١، وذكر أنه رواه الطبري والطبراني. ولم أجده في مجمع الزوائد، مع أنه من شرطه، لروايته عند الطبراني.
قال أبو جعفر: وقد بينا قبل معنى" الفدية"، وأنها بمعنى الجزاء والبدل. (١)
* * *
قال أبو جعفر: واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام والطعام اللذين أوجبهما الله على من حلق شعره من المحرمين في حال مرضه أو من أذى برأسه.
فقال بعضهم: الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. واعتلوا بالأخبار التي ذكرناها قبل.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٦٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: الصيام: ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة.
٣٣٦١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، مثله.
٣٣٦٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، مثله.
٣٣٦٣ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما قالا في قوله:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قالا الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا.
٣٣٦٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال في قوله:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا = إلا أنه قال في إطعام المساكين: ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين. (٢)
(١) انظر ما سلف ٣: ٤٣٨ - ٤٣٩
(٢) الحديث: ٣٣٦٤- مضى: ٣٣٣٦، من رواية أسد بن عمرو عن أشعث وقد أشرنا هناك إلى أنه رواه أحمد في المسند ٤: ٢٤٣، عن هشيم. فهذه رواية هشيم.
٣٣٦٥ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" إن صنع واحدا فعليه فدية، وإن صنع اثنين فعليه فديتان، وهو مخير أن يصنع أي الثلاثة شاء. أما الصيام فثلاثة أيام. وأما الصدقة فستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأما النسك فشاة فما فوقها. نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري كان أحصر فقمل رأسه، فحلقه.
٣٣٦٦ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فمن كان مريضا أو اكتحل، أو ادهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه من قمل فحلق، ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة فرق بين ستة مساكين، أو نسك، والنسك: شاة.
٣٣٦٧ - حدثت عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله" قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق، ففدية من صيام أو صدقة، أو نسك. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة: إطعام ستة مساكين، بين كل مسكينين صاع. والنسك: شاة.
٣٣٦٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، قال: يصوم صاحب الفدية مكان كل مدين يوما، قال: مدا لطعامه، ومدا لإدامه.
٣٣٦٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة بإسناده مثله.
٣٣٧٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل علي رضي الله عنه عن قول الله:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة.
٣٣٧١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن حرب بن قيس مولى يحيى بن أبي طلحة أنه سمع محمد بن كعب، وهو يذكر الرجل الذي نزل فيه:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه"، قال: فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الصيام: فثلاثة أيام، وأما المساكين فستة، وأما النسك فشاة.
٣٣٧٢ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، شاة. فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله - حلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى- كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. والصيام: ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك: شاة.
٣٣٧٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد قوله:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قالا الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة.
* * *
وقال آخرون: الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذى، أو تطيب لعلة من مرض، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحته وهو محرم - من الصوم: صيام عشرة أيام، ومن الصدقة: إطعام عشرة مساكين.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٧٤ - حدثنا ابن أبي عمران، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء. فالصيام:
عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين، مكوكا من تمر، ومكوكا من بر، والنسك: شاة. (١)
٣٣٧٥ - حدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا بشر بن عمرو، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: إطعام عشرة مساكين.
* * *
وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب على محرم، أو صدقة جزاء = من نقص دخل في إحرامه، أو فعل ما لم يكن له فعله = بدلا من دم، على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي. وقالوا: جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده. قالوا: فكل صوم وجب مكان دم، فمثله.
قالوا: فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان. قالوا: فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره. فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق.
* * *
وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده. فإن
(١) الخبر: ٣٣٧٤- أشرنا إلى هذا الإسناد في الخبر: ٣٣٢٤، وذكرنا هناك أنا نشك في صحة ذلك الموضع، لما فيه من رواية الطبري عن عبيد الله بن معاذ العنبري سماعا دون واسطة.
وها هو ذا يروي عنه هنا بواسطة"ابن أبي عمران". وابن أبي عمران هذا: لم نعرف من هو بعد طول البحث والتتبع. فعسى أن نجد في موضع آخر ما يدل على من هو"ابن أبي عمران" وما يكشف عن سماع الطبري من عبيد الله أو عدم سماعه منه.
والإسنادان يحتاجان إلى تحقيق.
انظر التعليق على رقم ٣٣٢٤= ص ٥٥
المكوك (بفتح الميم وتشديد الكاف المضمومة) مكيال لأهل العراق قدره صاع ونصف صاع.
لم تكن عنده قومت الشاة دراهم والدراهم طعاما، فتصدق به، وإلا صام لكل نصف صاع يوما.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٧٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، فأجابه بقوله: يحكم عليه إطعام، فإن كان عنده اشترى شاة، فإن لم تكن قومت الشاة دراهم فجعل مكانه طعاما فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. فقال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لما قال لي سعيد بن جبير: هذا ما أظرفه! قال: قلت: هذا إبراهيم! قال: ما أظرفه! كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت"يجالسنا"، انتفض منها.
٣٣٧٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يحكم على الرجل في الصيد، فإن لم يجد جزاءه قوم طعاما، فإن لم يكن طعام صام مكان كل مدين يوما، وكذلك الفدية.
* * *
وقال آخرون: بل هو مخير بين الخلال الثلاث، يفتدي بأيها شاء.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٧٨ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن"أو"" أو"، فهو بالخيار، مثل الجراب فيه الخيط الأبيض والأسود، فأيهما خرج أخذته.
٣٣٧٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن"أو"" أو" فصاحبه بالخيار، يأخذ الأولى فالأولى.
٣٣٨٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: كل ما كان في القرآن:"كذا، فمن لم يجد فكذا"، فالأول فالأول. وكل ما كان في القرآن"أو كذا"" أو كذا"، فهو فيه بالخيار.
٣٣٨١ - حدثني نصير بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا المحاربي عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - وسئل عن قوله:" ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فقال مجاهد: إذا قال الله تبارك وتعالى لشيء" أو"" أو"، فإن شئت فخذ بالأول، وإن شئت فخذ بالآخر.
٣٣٨٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء وعمرو بن دينار- في قوله:" فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" - قالا له أيتهن شاء.
٣٣٨٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: كل شيء في القرآن"أو""أو"، فلصاحبه أن يختار أيّه شاء.
قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: كل شيء في القرآن" أو"" أو"، فلصاحبه أن يأخذ بما شاء.
٣٣٨٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ليث عن عطاء ومجاهد أنهما قالا ما كان في القرآن"أو كذا"،" أو كذا"، فصاحبه بالخيار، أي ذلك شاء فعل.
٣٣٨٥ - حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا يزيد، عن سفيان، عن ليث ومجاهد، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن"أو"" أو"، فهو مخير فيه، فإن كان"فمن"" فمن"، فالأول فالأول. (١)
٣٣٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا داود، عن عكرمة، قال: كل شيء في القرآن"أو"" أو"، فليتخير أي الكفارات
(١) قوله: "فمن، فمن" أي فمن لم يجد، كما سلف في الأثر: ٣٣٨٠، ٣٣٨٦
شاء، فإذا كان:"فمن لم يجد"، فالأول فالأول.
٣٣٨٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو النعمان عارم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال: حدثت عن عطاء، قال: كل شيء في القرآن"أو""أو" فهو خيار. (١)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه، ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع.
وللمفتدي الخيار بين أي ذلك شاء، لأن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها، بل جعل إليه فعل أي الثلاث شاء.
ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له: ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير -إذا كان موسرا- في أن يكفر بأي الكفارات الثلاث شاء؟ فإن قال:"لا"، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال:"بلى"، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به. ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفارة للمتمتع قبل التمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم: وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز.
قيل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة
(١) الأثر: ٣٣٨٧: أبو النعمان عارم هو محمد بن الفضل السدوسي عارم لقب له.
الحلق قبل الحلق، وهدي المتعة قبل التمتع، ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك - فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق - فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإن اعتل في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأمة. قيل له: فرد الأخرى قياسا عليها، إذ كان فيها اختلاف. (١)
وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى: من الصيام عشرة أيام، ومن الإطعام عشرة مساكين، فمخالفون نص الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقال لهم: أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإطعام أو الصيام، أتسوون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام، أم تفرقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سووا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية، وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية - من الإطعام والصيام. وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف.
وإن قالوا: بل نخالف بين ذلك، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام.
قيل: فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة، وإنما هو تارك عملا من الأعمال، وتركتم رد الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه، ومخير بين الكفارات الثلاث، نظير مصيب الصيد، الذي هو بإصابته إياه له متلف،
(١) في المطبوعة: "إن كان فيها اختلاف"، والصواب ما أثبت.
ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك = وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك، لاختلاف أمرهما فيما وصفنا = فرق من أصل أو نظير؟
فلن يقولوا في ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس عليه بالفساد شاهد؟
* * *
واختلف أهل العلم في الموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته.
فقال بعضهم: النسك والإطعام بمكة لا يجزئ بغيرها من البلدان.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٨٨ - حدثني يحيى بن طلحة، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: ما كان من دم أو صدقة فبمكة، وما سوى ذلك حيث شاء.
٣٣٨٩ - حدثني يحيى بن طلحة، حدثنا فضيل، عن ليث، عن طاوس، قال: كل شيء من الحج فبمكة، إلا الصوم.
٣٣٩٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سألت عطاء عن النسك، قال: النسك بمكة لا بد.
٣٣٩١ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: الصدقة والنسك في الفدية بمكة، والصيام حيث شئت.
٣٣٩٢ - حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا ليث، عن طاوس
أنه كان يقول: ما كان من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء.
٣٣٩٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا شبل، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى.
٣٣٩٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى، والطعام بمكة.
* * *
وقال آخرون: النسك في الحلق والإطعام والصوم حيث شاء المفتدي.
* ذكر من قال ذلك:
٣٣٩٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، قال: أخبرني أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان ومعه علي والحسين بن علي رضوان الله عليهم، فارتحل عثمان = قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر = قال: فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلنا له: أيها النائم! فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي. قال: فحمله ابن جعفر حتى أتى به السقيا. قال: فأرسل إلى علي، فجاء ومعه أسماء بنت عميس. قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة. قال: فقال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ إلى رأسه. قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها. (١)
(١) الخبر: ٣٣٩٥ - يحيى بن سعيد: هو الأنصاري النجاري مضت ترجمته: ٢١٥٤.
يعقوب بن خالد: ترجم في الكبير ٤/٢/٣٩٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٠٧. والتعجيل ص: ٤٥٦ باسم"يعقوب بن خالد بن المسيب المخزومي"، ولكن سيأتي في الإسناد التالي، أنه: "يعقوب بن خالد بن عبد الله بن المسيب"، فيستفاد منه رفع نسبه، ويكون في تلك الكتب منسوبا لجده الأعلى. وهو ثقة، لم يذكر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم جرحا.
أبو أسماء مولى عبد الله بن جعفر: تابعي ثقة. مترجم في الكنى للبخاري، رقم: ٢٢، وابن أبي حاتم ٤/٢/٣٣٣، والتعجيل.
وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٤٤٩.
٣٣٩٦ - حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد بن عبد الله بن المسيب المخزومي أخبره أنه سمع أبا أسماء مولى عبد الله بن جعفر، يحدث: أنه خرج مع عبد الله بن جعفر يريد مكة مع عثمان، حتى إذا كنا بين السقيا والعرج اشتكى الحسين بن علي، فأصبح في مقيله الذي قال فيه بالأمس. قال أبو أسماء: فصحبته أنا وعبد الله بن جعفر، فإذا راحلة حسين قائمة وحسين مضطجع، فقال عبد الله بن جعفر: إن هذه لراحلة حسين. فلما دنا منه قال له: أيها النائم! وهو يظن أنه نائم; فلما دنا منه وجده يشتكي، فحمله إلى السقيا، ثم كتب إلى علي فقدم إليه إلى السقيا فمرضه قريبا من أربعين ليلة. ثم إن عليا قيل له: هذا حسين يشير إلى رأسه، فدعا علي بجزور فنحرها، ثم حلق رأسه. (١)
٣٣٩٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أقبل حسين بن علي مع عثمان حراما - حسبت أنه اشتكى بالسقيا = فذكر ذلك لعلي: فجاء هو وأسماء بنت عميس، فمرضوه عشرين ليلة، فأشار حسين إلى رأسه، فحلقه ونحر عنه جزورا. قلت: فرجع به؟ قال: لا أدري.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الخبر يحتمل أن يكون ما ذكر فيه من نحر علي عن الحسين الناقة قبل حلقه رأسه، ثم حلقه رأسه بعد النحر- إن كان على ما رواه مجاهد عن يزيد، كان على وجه الإحلال من الحسين من إحرامه للإحصار عن
(١) الخبر: ٣٣٩٦ -مجاهد بن موسى بن فروخ، شيخ الطبري: مضت ترجمته: ٥١٠ ووقع في المطبوعة هنا"مجاهد بن يونس" وهو خطأ يقينا، فليس في التراجم من يسمى بهذا. وشيخه"يزيد": هو يزيد بن هارون.
والخبر مكرر ما قبله، بنحوه.
الحج بالمرض الذي أصابه - وإن كان على ما رواه يعقوب، عن هشيم: من نحر علي عنه الناقة بعد حلقه رأسه: أن يكون على وجه الافتداء من الحلق، وأن يكون كان يرى أن نسك الفدية يجزئ نحره دون مكة والحرم.
٣٣٩٨ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الفدية حيث شئت.
٣٣٩٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن إبراهيم - في الفدية، في الصدقة والصوم والدم-: حيث شاء.
٣٤٠٠ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم أنه كان يقول، فذكر مثله.
* * *
وقال آخرون: ما كان من دم نسك فبمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء المفتدي.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٠١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، وعبد الملك، وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.
* * *
قال أبو جعفر: وعلة من قال:" الدم والإطعام بمكة"، القياس على هدي جزاء الصيد. وذلك أن الله شرط في هديه بلوغ الكعبة، فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة: ٩٥]. قالوا: فكل هدي وجب من جزاء أو فدية في إحرام، فسبيله سبيل جزاء الصيد في وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله، لأنها واجبة
لمن وجب عليه الهدي، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم، فحكمهما واحد.
وأما علة من زعم أن للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدق ويصوم أن الله لم يشترط على الحالق رأسه من أذى هديا، وإنما أوجب عليه نسكا أو إطعاما أو صياما، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم، وإذا دخل في عداد من يستحق ذلك الاسم كان مؤديا ما كلفه الله. لأن الله لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة، لشرط ذلك عليه، كما شرط في جزاء الصيد، وفي ترك اشتراط ذلك عليه، دليل واضح، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ.
وأما علة من قال:" النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء"، فالنسك دم كدم الهدي، فسبيله سبيل هدي قاتل الصيد.
وأما الإطعام فلم يشترط الله فيه أن يصرف إلى أهل مسكنة مكان، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة. فليس لأحد أن يدعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان، إذ لم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه؛ كما ليس لأحد أن يدعي أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم، إذ كان الله قد خص أن ذلك لمن به من أهل المسكنة.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين، فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام، فيجزي عن المفتدي. وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يحب أن يكن مردودات الأحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها.
فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز رد حكمها على المفسرة قياسا.
ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنزيل، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله.
* * *
وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد.
* * *
واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟
فقال بعضهم ليس للمفتدي أن يأكل منه، ولكن عليه أن يتصدق بجميعه.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٠٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك، عن عطاء، قال: ثلاث لا يؤكل منهن: جزاء الصيد، وجزاء النسك، ونذر المساكين.
٣٤٠٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالم، عن عطاء قال: لا تأكل من فدية ولا من جزاء، ولا من نذر، وكل من المتعة، ومن الهدي والتطوع.
٣٤٠٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن سالم، عن مجاهد، قال: جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها، ويأكل من التطوع والتمتع.
٣٤٠٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عمرو، عن الحجاج، عن عطاء، قال: لا تأكل من جزاء، ولا من فدية، وتصدق به.
٣٤٠٦ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراما والكفارات كذلك.
٣٤٠٧ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا عبد الملك والحجاج وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: لا يؤكل من جزاء الصيد، ولا من النذر، ولا من الفدية، ويؤكل مما سوى ذلك.
٣٤٠٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: لا يؤكل من الفدية = وقال مرة: من هدي الكفارة، ولا من جزاء الصيد.
* * *
وقال بعضهم: له أن يأكل منه.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٠٩ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك.
٣٤١٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، قال: من الفدية وجزاء الصيد والنذر. (١)
٣٤١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، قال: الشاة بين ستة مساكين يأكل منه إن شاء، ويتصدق على ستة مساكين.
٣٤١٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرني عبد الملك، قال: حدثني من سمع الحسن، يقول: كل من ذلك كله - يعني من جزاء الصيد والنذر والفدية.
٣٤١٣ - حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا الأشعث عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسا بالأكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.
* * *
(١) يعني: يأكل من الفدية وجزاء الصيد والنذر، كما سيأتي قول الحسن في رقم: ٣٤١٢، ٣٤١٣.
قال أبو جعفر: وعلة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم، فدية من صيام أو صدقة أو نسك، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإطعام والنسك من أحد أمرين: إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره.
فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له.
= أو يكون له وحده، وما وجب له فليس عليه. لأنه غير مفهوم في لغة أن يقال:" وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة"، وإنما يجب له على غيره، فأما على نفسه فغير مفهوم وجوبه.
= أو يكون وجب عليه له ولغيره، فنصيبه الذي وجب له من ذلك، غير جائز أن يكون عليه، لما وصفنا.
وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله.
قالوا: وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول.
* * *
وعلة من قال:" له أن يأكل من ذلك"، أن الله أوجب على المفتدي نسكا، والنسك في معاني الأضاحي، وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحي من الأزواج الثمانية. قالوا: ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين. قالوا: فإذا ذبح فقد نسك، وفعل ما أمره الله، وله حينئذ الأكل منه، والصدقة منه بما شاء، وإطعام ما أحب منه من أحب، كما له ذلك في أضحيته.
* * *
قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه
دون غيره، أو ذبحه والتصدق به. فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكا فقد أدى ما عليه، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينا منه شيئا، وذلك ما لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصدقة به. فإن كان ذلك عليه، فغير جائز له أكل ما عليه أن يتصدق به، كما لو لزمته زكاة في ماله، لم يكن له أن يأكل منها، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم. ففي إجماعهم - على أن ما ألزمه الله من ذلك فإنما ألزمه لغيره - دلالة واضحة على حكم ما اختلفوا فيه من غيره.
* * *
ومعنى" النسك"، الذبح لله، في لغة العرب، يقال:" نسك فلان لله نسيكة" = بمعنى: ذبح لله ذبيحة =" ينسكها نسكا"، (١) كما:-
٣٤١٤ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: النسك: أن يذبح شاة.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: معناه: فإذا برأتم من مرضكم الذي أحصركم عن حجكم أو عمرتكم.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤١٥ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة:" فإذا أمنتم" فإذا برأتم.
(١) وانظر أيضًا ما سلف في الجزء ٣: ٧٥- ٨٠، في معنى"المناسك".
٣٤١٦ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله:" فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" يقول: فإذا أمنت حين تحصر، إذا أمنت من كسرك، ومن وجعك، فعليك أن تأتي البيت، فيكون لك متعة، فلا تحل حتى تأتي البيت.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنتم من خوفكم. (١)
* ذكر من قال ذلك:
٣٤١٧ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" فإذا أمنتم" لتعلموا أن القوم كانوا خائفين يومئذ.
٣٤١٨ - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" فإذا أمنتم" قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول أشبه بتأويل الآية. لأن" الأمن" هو خلاف" الخوف"، لا خلاف" المرض"، (٢) إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد.
وإنما قلنا: إن معناه: الخوف من العدو، لأن هذه الآيات نزلت على رسول الله ﷺ أيام الحديبية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم.
* * *
(١) في المطبوعة: "فإذا أمنتم من وجع خوفكم" ولفظ"وجع" مقحمة ولا شك، وهي تفسد الكلام والتقسيم معا، فذلك طرحتها.
(٢) انظر ما سلف في الجزء ٣: ٢٩- ٣٠، تفسير معنى"الأمن".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتم أيها المؤمنون، فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتمتعتم بعمرتكم إلى حجكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة" التمتع" الذي عنى الله بهذه الآية.
فقال بعضهم: هو أن يحصره خوف العدو، وهو محرم بالحج، أو مرض، أو عائق من العلل، حتى يفوته الحج، فيقدم مكة، فيخرج من إحرامه بعمل عمرة، ثم يحل فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السنة المستقبلة، ثم يحج ويهدي، فيكون متمتعا بالإحلال من لدن يحل من إحرامه الأول إلى إحرامه الثاني من القابل.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤١٩ - حدثنا عمران بن موسى البصري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا إسحاق بن سويد، قال: سمعت ابن الزبير وهو يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدو أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتى تذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة، فيتمتع بحله إلى العام القابل ثم يحج ويهدي هديا، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج.
٣٤٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: المتعة لمن أحصر، قال: وقال ابن عباس: هي لمن أحصر ومن خليت سبيله.
٣٤٢١ - حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج قال: قال عطاء: كان ابن الزبير يقول: إنما المتعة للمحصر وليست لمن خلي سبيله.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإن أحصرتم في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم = وقد حللتم من إحرامكم، ولم تقضوا عمرة تخرجون بها من إحرامكم بحجكم ولكن حللتم حين أحصرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج، ثم حللتم، فاستمتعتم بإحلالكم إلى حجكم = فعليكم ما استيسر من الهدي.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٢٢ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة: (١) " فإن أحصرتم"، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، قال: يبعث بما استيسر من الهدي، شاة. قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله وحلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك =" فإذا أمنتم"، فإذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتى أتى البيت، حل من حجه بعمرة وكان عليه الحج من قابل. وإن هو رجع ولم يتم إلى البيت من وجهه ذلك، فإن عليه حجة وعمرة ودما لتأخيره العمرة. فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج، فإن عليه ما استيسر من الهدي، شاة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس في ذلك كله.
٣٤٢٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي"، قال: هذا رجل أصابه خوف
(١) في المطبوعة: "عن إبراهيم بن علقمة" وهو خطأ والصواب ما أثبت وانظر ما سلف قريبا رقم: ٣٤١٥.
أو مرض أو حابس حبسه حتى يبعث بهديه، (١) فإذا بلغت محلها صار حلالا فإن أمن أو برأ ووصل إلى البيت فهي له عمرة، وأحل، وعليه الحج عاما قابلا. وإن هو لم يصل إلى البيت حتى يرجع إلى أهله، فعليه عمرة وحجة وهدي. قال قتادة: [وهي] والمتعة التي لا يتعاجم الناس فيها أن أصلها كان هكذا. (٢)
٣٤٢٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله:" فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" إلى:" تلك عشرة كاملة"، قال: هذا المحصر إذا أمن، فعليه المتعة في الحج وهدي المتمتع، فإن لم يجد فالصيام، فإن عجل العمرة قبل أشهر الحج، فعليه فيها هدي.
٣٤٢٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي:" فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج، فعليه الهدي.
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك المحصر وغير المحصر.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٢٦ - حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس كان يقول:
(١) مضى برقم: ٣٢٣١، بهذا الإسناد، وفي لفظه خلاف، وهو مختصر هذا وفيه: ".. أو حابس حبسه عن البيت، يبعث بهديه".
(٢) الزيادة التي بين القوسين، لا بد منها. وقوله: "لا يتعاجم الناس... " أي لا يشك الناس ولا يتنازعون ولا يختلفون في بيانها وفي حديث ابن مسعود: "ما كنا نتعاجم أن ملكا ينطق على لسان عمر"، أي كنا نفصح بذلك إفصاحا، فلا نكنى ولا نورى وجاء في حديث على ما يفسره وهو قوله: "كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر". وأصل هذا الحرف من قولهم: "استعجم عليه الأمر" أي: استبهم والتبس، فإذا التبس الأمر صار موضعا للشك والتنازع.
المتعة لمن أحصر، ولمن خُلِّي سبيله. وكان ابن عباس يقول: أصابت هذه الآية المحصر ومن خليت سبيله.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فسخ حجه بعمرة، فجعله عمرة، واستمتع بعمرته إلى حجه، فعليه ما استيسر من الهدي.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٢٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي"، أما المتعة فالرجل يحرم بحجة، ثم يهدمها بعمرة. وقد خرج رسول الله ﷺ في المسلمين حاجا، حتى إذا أتوا مكة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب منكم أن يحل فليحل، قالوا: فما لك يا رسول الله! قال: أنا معي هدي.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك: الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج، فإذا قضى عمرته أقام حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحج، فيحج من عامه ذلك، فيكون مستمتعا بإحلاله إلى إحرامه بالحج.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٢٨ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج"، من يوم الفطر إلى يوم عرفة، فعليه ما استيسر من الهدي.
٣٤٢٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٣٤٣٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب = وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب = عن نافع، قال: قدم ابن عمر مرة في شوال، فأقمنا حتى حججنا، فقال: إنكم قد
استمتعتم إلى حجكم بعمرة، فمن وجد منكم أن يهدي فليهد، ومن لا فليصم ثلاثة أيام، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
٣٤٣١ - حدثنا ابن بشار، وعبد الحميد بن بيان = قال ابن بشار: حدثنا، وقال عبد الحميد: أخبرنا = يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن نافع، أنه أخبره أنه خرج مع ابن عمر معتمرين في شوال، فأدركهما الحج وهما بمكة، فقال ابن عمر: من اعتمر معنا في شوال ثم حج، فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
٣٤٣٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن عطاء في رجل اعتمر في غير أشهر الحج، فساق هديا تطوعا، فقدم مكة في أشهر الحج، قال: إن لم يكن يريد الحج، فلينحر هديه، ثم ليرجع إن شاء، فإن هو نحر الهدي وحل، ثم بدا له أن يقيم حتى يحج، فلينحر هديا آخر لتمتعه، فإن لم يجد فليصم.
٣٤٣٣ - حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، مثل ذلك.
٣٤٣٤ - حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب بأنه كان يقول: من اعتمر في شوال أو في ذي القعدة ثم أقام بمكة حتى يحج، فهو متمتع، عليه ما على المتمتع.
٣٤٣٥ - حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، عن عطاء مثل ذلك.
٣٤٣٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج، فما استيسر من الهدي.
٣٤٣٧ - حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع، قال:
أخبرني ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: المتعة لخلق الله أجمعين، الرجل، والمرأة، والحر، والعبد، هي لكل إنسان اعتمر في أشهر الحج ثم أقام ولم يبرح حتى يحج، ساق هديا مقلدا أو لم يسق إنما سميت" المتعة"، من أجل أنه اعتمر في شهور الحج، فتمتع بعمرة إلى الحج، ولم تسم" المتعة" من أجل أنه يحل بتمتع النساء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها: فإن أحصرتم أيها المؤمنون في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فمن تمتع ممن حل من إحرامه بالحج - بسبب الإحصار، بعمرة اعتمرها لفوته الحج في السنة القابلة في أشهر الحج - إلى قضاء الحجة التي فاتته حين أحصر عنها ثم دخل في عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحج = فعليه ما استيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متمتعا من أنشأ عمرة في أشهر الحج وقضاها ثم حل من عمرته وأقام حلالا حتى يحج من عامه غير أن الذي هو أولى بالذي ذكره الله في قوله:" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" هو ما وصفنا، من أجل أن الله جل وعز أخبر عما على المحصر عن الحج والعمرة من الأحكام في إحصاره. فكان مما أخبر تعالى ذكره: أنه عليه - إذا أمن من إحصاره فتمتع بالعمرة إلى الحج - ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وكان معلوما (١) بذلك أنه معني به اللازم له - عند أمنه من إحصاره - من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه في حجه الذي أحصر فيه، دون المتمتع الذي لم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف.
* * *
(١) في المطبوعة: "كان معلومًا بذلك" وزيادة الواو واجبة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فما استيسر من الهدي، فهديه جزاء لاستمتاعه بإحلاله من إحرامه الذي حل منه حين عاد لقضاء حجته التي أحصر فيها، وعمرته التي كانت لزمته بفوت حجته، فإن لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج في حجه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهن في الحج: أي في أيام الحج هن.
فقال بعضهم: هن ثلاثة أيام من أيام حجه، أي أيام شاء، بعد أن لا يتجاوز بآخرهن يوم عرفة.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٣٨ - حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: حدثنا حميد بن الأسود، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي رضي الله عنه:" فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.
٣٤٣٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة. (١)
(١) الخبر: ٣٤٣٩ -إبراهيم بن إسماعيل بن نصر: هو التبان. ترجمه ابن أبي حاتم ١/١/٨٥، وذكر أنه يروي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة. وستأتي رواية أخرى له، بهذا الإسناد: ٣٤٨٤. ورواية ثالثة: ٣٥٢١، وزاد في نسبته هناك"السلمي" ولم تذكر هذه في ابن أبي حاتم ولم أجد له ترجمة عند غيره.
ابن أبي حبيبة: هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري وهو ثقة تكلم فيه البخاري وغيره، ووثقه أحمد وغيره. ورجحنا في شرح المسند: ٢٧٢٧ أن حديثه حسن على الأقل.
٣٤٤٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر في قوله:" فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صامها أيام منى.
٣٤٤١ - حدثنا الحسين بن محمد الذارع، قال: حدثنا حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: المتمتع يصوم قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.
٣٤٤٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: آخرهن يوم عرفة.
٣٤٤٣ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سألت الحكم عن صوم ثلاثة أيام في الحج، قال: يصوم قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.
٣٤٤٤ - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" أنه قال: آخرها يوم عرفة.
٣٤٤٥ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا هُشيم، قال: حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي: صام يوما قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة.
٣٤٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، وهارون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: يصوم المتمتع الثلاثة الأيام لمتعته في العشر
إلى يوم عرفة.
قال: وسمعت مجاهدا وطاوسا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه.
٣٤٤٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: صوم ثلاثة أيام للمتمتع، إذا لم يجد ما يهدي، يصوم في العشر إلى يوم عرفة متى صام أجزأه، فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه.
٣٤٤٨ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يعقوب بن عطاء، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة فليصم.
٣٤٤٩ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن في قوله:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: آخرها يوم عرفة.
٣٤٥٠ - حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود = وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود = عن عامر في هذه الآية:" فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.
٣٤٥١ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج" آخرهن يوم عرفة من ذي الحجة.
٣٤٥٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٣٤٥٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: كان يقال عرفة وما قبلها يومين من العشر.
٣٤٥٤ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: فآخرها يوم عرفة.
٣٤٥٥ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: آخرها يوم عرفة.
٣٤٥٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا فطر، عن عطاء:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: آخرها يوم عرفة.
٣٤٥٧ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: عرفة وما قبلها من العشر.
٣٤٥٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم، قالا" صيام ثلاثة أيام في الحج"، في العشر، آخرهن عرفة.
٣٤٥٩ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سألت طاوسا عن صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: آخرهن يوم عرفة.
٣٤٦٠ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:" فمن تمتع بالعمرة إلى الحج" إلى:" وسبعة إذا رجعتم"، وهذا على المتمتع بالعمرة إذا لم يجد هديا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله.
٣٤٦١ - حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا زياد بن المنذر، عن أبي جعفر:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: آخرها يوم عرفة.
* * *
وقال آخرون: بل آخرهن انقضاء يوم منى.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٦٢ - حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق.
٣٤٦٣ - حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني يونس عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: يصوم المتمتع الذي يفوته الصيام أيام منى.
٣٤٦٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج، فليصم أيام التشريق فإنهن من الحج.
٣٤٦٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن محمد أن نافعا حدثه: أن عبد الله بن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحج فلم يكن معه هدي ولم يصم الثلاثة الأيام قبل أيام التشريق، فليصم أيام منى.
٣٤٦٦ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة = وعن سالم، عن عبد الله بن عمر = أنهما قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصوم إلا لمن يجد هديا.
٣٤٦٧ - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا هشام، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قيل النحر صام أيام التشريق، فإنها من أيام الحج.
وذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال:
٣٤٦٨ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد عن هشام
بن عروة، عن أبيه في هذه الآية:" فصيام ثلاثة أيام في الحج" قال: هي أيام التشريق.
٣٤٦٩ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن وبرة، عن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة =. قال: وقال عبيد بن عمير: يصوم أيام التشريق.
* * *
قال أبو جعفر: وعلة من قال:" آخر الثلاثة الأيام التي أوجب الله صومهن في الحج على من لم يجد الهدي من المتمتعين - يوم عرفة"، أن الله جل ثناؤه أوجب صومهن في الحج بقوله:" فصيام ثلاثة أيام في الحج". قالوا: وإذا انقضى يوم عرفة، فقد انقضى الحج، لأن يوم النحر يوم إحلال من الإحرام. قالوا: وقد أجمع الجميع أنه غير جائز له صوم يوم النحر. قالوا: فإن يكن إجماعهم على أن ذلك له غير جائز، من أجل أنه ليس من أيام الحج، فأيام التشريق بعده أحرى أن لا تكون من أيام الحج، لأن أيام الحج متى انقضت من سنة، فلن تعود إلى سنة أخرى بعدها. أو يكون إجماعهم على أن ذلك له غير جائز، من أجل أنه يوم عيد، فأيام التشريق التي بعده في معناه، لأنها أيام عيد، وأن النبي ﷺ قد نهى عن صومهن، كما نهى عن صوم يوم النحر.
قالوا: وإذا كان يفوت صومهن بمضي يوم عرفة، لم يكن إلى صيامهن في الحج سبيل; لأن الله شرط صومهن في الحج، فلم يجز عنه إلا الهدي الذي فرضه الله عليه لمتعته.
* * *
وعلة من قال:" آخر الأيام الثلاثة التي ذكرها الله في كتابه انقضاء آخر أيام منى"، أن الله أوجب على المتمتع ما استيسر من الهدي، ثم الصيام إن لم يجد إلى الهدي سبيلا. قالوا: وإنما يجب عليه نحر هدي المتعة يوم النحر، ولو كان له واجدا قبل ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك فإنما رخص له في الصوم يوم يلزمه نحر الهدي فلا يجد إليه سبيلا. قالوا: والوقت الذي يلزمه
فيه نحر الهدي يوم النحر والأيام التي بعده من أيام النحر، فأما قبل ذلك فلم يمكن نحره. قالوا: فإذا كان النحر لم يكن له لازما قبل ذلك، وإنما لزمه يوم النحر، فإنما لزمه الصوم يوم النحر، وذلك حين عدم الهدي فلم يجده، فوجب عليه الصوم. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فالصوم إنما يلزمه أوله في اليوم الذي يلي يوم النحر. وذلك أن النحر إنما كان لزمه من بعد طلوع الفجر. ومن ذلك الوقت إذا لم يجده، يكون له الصوم. قالوا: وإذا طلع فجر يوم لم يلزمه صومه قبل ذلك، إذا كان الصوم لا يكون في بعض نهار يوم في واجب، علم أن الواجب عليه الصوم من اليوم الذي يليه إلى انقضاء الأيام الثلاثة بعد يوم النحر من أيام التشريق.
قالوا: ولا معنى لقول القائل: إن أيام منى ليست من أيام الحج; لأنهن ينسك فيهن بالرمي والعكوف على عمل الحج، كما ينسك غير ذلك من أعمال الحج في الأيام قبلها. قالوا: هذا مع شهادة الخبر الذي:-
٣٤٧٠ - حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها. (١)
(١) الحديث: ٣٤٧٠ - يحيى بن سلام البصري نزيل مصر: ثقة، قال ابن أبي حاتم ٤/٢/١٥٥: "سألت أبي عنه؟ فقال: كان شيخا بصريا وقع إلى مصر، وهو صدوق". وله ترجمة جيدة في طبقات علماء إفريقية لأبي العرب، ص: ٣٧- ٣٩ وقال أبو العرب: "كان ثقة ثبتا، لقى غير واحد من التابعين وأكثر من لقى الرجال والحمل عنهم. وله مصنفات كثيرة في فنون العلم، وكان من الحفاظ". وذكر أنه مات بمصر سنة ٢٠٠. وفي لسان الميزان أنه ضعفه الدارقطني. ولكن أهل المغرب أعلم بحال رواتهم وكانت مصر تعتبر من بلاد المغرب.
ابن أبي ليلى: هو عبد الله بن أبي ليلى، وهو ثقة ثبت أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث رواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ٤٢٧، بهذا الإسناد نفسه: عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم مع شيء من الاختصار في اللفظ.
وأصل معناه ثابت في البخاري ٤: ٢١١، موقوفا. فرواه عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة: "سمعت عبد الله بن عيسى عن الزهري عن عروة عن عائشة - وعن سالم عن ابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي". وروى مالك في الموطأ ص: ٤٢٦ نحو معناه عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة - وعن ابن شهاب عن سالم عن أبيه.
وقول عائشة وابن عمر"لم يرخص": هو بضم الياء، كما رواه الحافظ من أصحاب شعبة - فيما ذكر الحافظ في الفتح: وهو عندنا مرفوع حكما، إن لم يكن مرفوعا لفظا. لأن الصحابي إذا قال ذلك فإنما يريد به من له حق الترخيص والمنع، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بحث الحافظ في هذا الموضع بحثا جيدا في ذلك.
وذكر الحافظ رواية يحيى بن سلام هذه، نقلا عن الدارقطني والطحاوي.
= لصحة ما قلنا في ذلك من القول وخطأ قول من خالف قولنا فيه.
٣٤٧١ - حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكرٍ لله، إلا من كان عليه صوم من هدي. (١)
* * *
واختلف أهل العلم في أول الوقت الذي يجب على المتمتع الابتداء في صوم الأيام الثلاثة التي قال الله عز وجل:" فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج"، والوقت الذي يجوز له فيه صومهن، وإن لم يكن واجبا عليه فيه صومهن.
فقال بعضهم: له أن يصومهن من أول أشهر الحج.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٧٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس: أنهما كانا يقولان: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه. قال: وقال مجاهد: إذا لم يجد المتمتع ما يهدي، فإنه يصوم في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه. فإن صام الرجل في شوال أو ذي القعدة أجزأه.
(١) الحديث: ٣٤٧١ - سفيان بن حسين الواسطي: ثقة، تكلموا في روايته عن الزهري خاصة"فإن فيها تخاليط يجب أن يجانب، وهو ثقة في غير الزهري"- كما قال ابن حبان.
وهذا الحديث مرسل، لم يذكر الزهري من رواه عنه.
٣٤٧٣ - حدثني أحمد بن المغيرة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: من صام يوما في شوال ويوما في ذي القعدة ويوما في ذي الحجة، أجزأه عنه من صوم التمتع. (١)
٣٤٧٤حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، قال: إن شاء صام أول يوم من شوال.
٣٤٧٥ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قول الله جل وعز:" فصيام ثلاثة أيام في الحج"، قال: إن شاء صامها في العشر، وإن شاء في ذي القعدة، وإن شاء في شوال.
* * *
وقال آخرون: يصومهن في عشر ذي الحجة دون غيرها.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٧٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام وهرون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء: يصوم الثلاثة الأيام للمتعة في العشر إلى يوم عرفة.
٣٤٧٧ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يعقوب أن عطاء بن أبي رباح كان يقول: من استطاع أن يصومهن فيما بين أول يوم من ذي الحجة إلى يوم عرفة، فليصم.
٣٤٧٨ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: ولا بأس أن يصوم المتمتع في العشر وهو حلال.
٣٤٧٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو شهاب، عن الحجاج، عن أبي جعفر، قال: لا يصام إلا في العشر.
(١) الخبر: ٣٤٧٣ - أحمد بن المغيرة، شيخ الطبري: لم أعرف من هو، ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا.
٣٤٨٠ - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الربيع، عن عطاء أنه كان يقول في صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: في تسع من ذي الحجة أيها شئت، فمن صام قبل ذلك في شوال وفي ذي القعدة، فهو بمنزلة من لم يصم.
* * *
وقال آخرون: له أن يصومهن قبل الإحرام بالحج.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٨١ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: إذا خشي أن لا يدرك الصوم بمكة صام بالطريق يوما أو يومين.
٣٤٨٢ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: لا بأس أن تصوم الثلاثة الأيام في المتعة وأنت حلال.
* * *
وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهن إلا بعد ما يحرم بالحج.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٨٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يصومهن إلا وهو حرام.
٣٤٨٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة. (١)
٣٤٨٥ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يجزيه صوم ثلاثة أيام وهو
(١) الأثر: ٣٤٨٤: انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ٣٤٣٩.
متمتع إلا أن يحرم. وقال مجاهد: يجزيه إذا صام في ذي القعدة.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهن لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي، من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه، إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله، أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة.
وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قبل، (١) فإن صامهن قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزئ صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته. وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم" متمتع" بعمرته إلى حجه. وإنما يقال له قبل إحرامه" معتمر"، حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة. فإذا دخل في الحج محرما به - بعد قضاء عمرته في أشهر الحج، ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالا حتى حج من عامه - سمي"متمتعا". فإذا استحق اسم"متمتع" لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده.
فأما إن صامه قبل دخوله في الحج - وإن كان من نيته الحج- فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين، ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.
(١) في المطبوعة: "قيل" مكان"قبل" وهو خطأ وتصحيف بلا معنى.
فإن ظن ظان أن صوم المعتمر- بعد إحلاله من عمرته، أو قبله، وقبل دخوله في الحج - مجزئ عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ. لأن الله جل ثناؤه جعل لليمين تحليلا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها، محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم، تكفيرا لما يظن أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه.
ومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟
فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم، أو في فعله، كفارة، فإن سوى بين جميع ذلك قاد قوله، (١)
وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح، إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسأل: عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن قاد قوله في ذلك، (٢) خرج من قول جميع الأمة.
(١) في المطبوعة في الموضعين: "قاد قوله" بالفاء وهو تصحيف غث جدا، وجاء بعض من علق على تفسير الطبري فقال: "لعله يريد اضطراب قولهن قال في اللسان: فاد يفيد فيدا: تبختر، وقيل: هو أن يحذر شيئا فيعدل عنه جانبا"!! فصار معنى الكلام أعرق في الغثاثة من تصحيف لفظه!
(٢) والصواب ما أثبت، يقال: "قاد قوله" أي استقام به على نهجه الذي نهجه، ولم يخالف منطقته فيه ولا سياقه. وذلك من قولهم: قاد الفرس قودا. وهذا المجاز قد استعمله قدماء الفقهاء والمتكلمين والمناطقة يقولون: "هذا لا يستقيم على قود كلامك" أي: على سياقه ونهجه.
وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فمن لم يجد ما استيسر من الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره.
فإن قال لنا قائل: أو ما يجب عليه صوم السبعة الأيام بعد الأيام الثلاثة التي يصومهن في الحج إلا بعد رجوعه إلى مصره وأهله؟
قيل: بل قد أوجب الله عليه صوم الأيام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، ولكن الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخص لمن أوجب ذلك عليه، كما رخص للمسافر والمريض في شهر رمضان الإفطار وقضاء عدة ما أفطر من الأيام من أيام أخر. ولو تحمل المتمتع فصام الأيام السبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أو صامهن بمكة، كان مؤديا ما عليه من فرض الصوم في ذلك، وكان بمنزلة الصائم شهر رمضان في سفره أو مرضه، مختارا للعسر على اليسر.
وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأمة.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٨٦ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد:" وسبعة إذا رجعتم"، قال: هي رخصة إن شاء صامها في الطريق.
٣٤٨٧ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان،
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" وسبعة إذا رجعتم"، قال: هي رخصة إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء صامها بعد ما يرجع إلى أهله.
٣٤٨٨ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد، نحوه.
٣٤٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور:" وسبعة إذا رجعتم"، قال: إن شاء صامها في الطريق، وإنما هي رخصة.
٣٤٩٠ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، قال: إن شئت صم السبعة في الطريق، وإن شئت إذا رجعت إلى أهلك.
٣٤٩١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن فطر، عن عطاء، قال: يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله أحب إلي.
٣٤٩٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:" وسبعة إذا رجعتم"، قال: إن شئت في الطريق، وإن شئت بعد ما تقدم إلى أهلك.
* * *
فإن قال: وما برهانك على أن معنى قوله:" وسبعة إذا رجعتم" إذا رجعتم إلى أهليكم وأمصاركم = دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منى إلى مكة؟
قيل: إجماع جميع أهل العلم على أن معناه ما قلنا دون غيره.
* ذكر بعض من قال ذلك:
٣٤٩٣ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله:" وسبعة إذا رجعتم"، قال: إذا رجعت إلى أهلك.
٣٤٩٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:" وسبعة إذا رجعتم" إذا رجعتم إلى أمصاركم.
٣٤٩٦ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
٣٤٩٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير:" وسبعة إذا رجعتم" قال: إلى أهلك.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾


قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:" كاملة".
فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة الأيام بعد ما يرجع إلى أهله عشرة كاملة من الهدي.
* ذكر من قال ذلك:
٣٤٩٨ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن في قوله:" تلك عشرة كاملة"، قال: كاملة من الهدي.
٣٤٩٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن عباد، عن الحسن، مثله.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام على إحرامه، ولم يحل ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: الأمر، وإن كان مخرجه مخرج الخبر، وإنما عنى بقوله:" تلك عشرة كاملة" تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنه فرض عليكم صومها.
* * *
وقال آخرون: بل قوله:" كاملة"، توكيد للكلام، كما يقول القائل:" سمعته بأذني، ورأيته بعيني"، وكما قال: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) [النحل: ٢٦] ولا يكون" الخر" إلا من فوق، فأما من موضع آخر، فإنما يجوز على سعة الكلام.
* * *
وقال آخرون: إنما قال:" تلك عشرة كاملة"، وقد ذكر"سبعة" و"ثلاثة"، لأنه إنما أخبر أنها مجزئة، وليس يخبر عن عدتها، وقالوا: ألا ترى أن قوله:"كاملة" إنما هو وافية؟.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي [بالصواب] قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله" ذلك"، أي التمتع بالعمرة إلى الحج، لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما:-
٣٥٠٠ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، يعني المتعة أنها لأهل الآفاق، ولا تصلح لأهل مكة.
٣٥٠١ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أن هذا لأهل الأمصار ليكون عليهم أيسر من أن يحج أحدهم مرة ويعتمر أخرى، فتجمع حجته وعمرته في سنة واحدة.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم.
فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.
* ذكر من قال ذلك:
٣٥٠٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، قال: قال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم.
٣٥٠٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن عبد الكريم، عن مجاهد:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: أهل الحرم.
٣٥٠٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: بلغنا عن ابن عباس في قوله:" حاضري المسجد الحرام"، قال: هم أهل الحرم، والجماعة عليه.
٣٥٠٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، إنه لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا = أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا = ثم يهل بعمرة.
٣٥٠٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري: أن أهل مكة كانوا يغزون ويتجرون، فيقدمون
في أشهر الحج ثم يحجون، ولا يكون عليهم الهدي ولا الصيام، أرخص لهم في ذلك، لقول الله عز وجل:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام".
٣٥٠٧ - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أهل الحرم.
٣٥٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس، إلا لأهل مكة ممن لم يكن أهله من الحرم، وذلك قول الله عز وجل:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس. (١) بالكلام
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك أهل الحرم ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكة.
* ذكر من قال ذلك:
٣٥٠٩ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: من كان دون المواقيت.
٣٥١٠ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك بإسناده مثله = إلا أنه قال: ما كان دون المواقيت إلى مكة.
٣٥١١ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله من دون المواقيت، فهو كأهل مكة لا يتمتع.
* * *
(١) الأثر: ٣٥٠٨ - في تفسير ابن كثير ١: ٤٥٣: "المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم" وفي الدر المنثور ١: ٢١٧: "المتعة للناس، إلا لأهل مكة هي لمن لم يكن أهله في الحرم". والصواب ما في نص الطبري.
وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الحرم، ومن قرب منزله منه.
* ذكر من قال ذلك:
٣٥١٢ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: عرفة، ومر، وعرنة، وضجنان، والرجيع، ونخلتان.
٣٥١٣ - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري والمثنى قالا حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: عرفة ومر، وعرنة، وضجنان، والرجيع.
٣٥١٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري في هذه الآية قال: اليوم واليومين.
٣٥١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، قال: سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع.
٣٥١٦ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء: أنه جعل أهل عرفة من أهل مكة في قوله:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام".
٣٥١٧ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:" ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام"، قال: أهل مكة وفج وذي طوي، وما يلي ذلك فهو من مكة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري المسجد الحرام من هو حوله ممن بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر إليه الصلوات. لأن"حاضر الشيء"، في كلام العرب، هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك = وكان لا يستحق أن يسمى"غائبا"، إلا من كان مسافرا
شاخصا عن وطنه، وكان المسافر لا يكون مسافرا إلا بشخوصه عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصلاة، وكان من لم يكن كذلك لا يستحق اسم"غائب" عن وطنه ومنزله = كان كذلك من لم يكن من المسجد الحرام على ما تقصر إليه الصلاة، غير مستحق أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.
وإنما لم تكن المتعة لمن كان من حاضري المسجد الحرام، من أجل أن"التمتع" إنما هو الاستمتاع بالإحلال من الإحرام بالعمرة إلى الحج، مرتفقا في ترك العود إلى المنزل والوطن بالمقام بالحرم حتى ينشئ منه الإحرام بالحج. وكان المعتمر متى قضى عمرته في أشهر الحج، ثم انصرف إلى وطنه، أو شخص عن الحرم إلى ما تقصر فيه الصلاة، ثم حج من عامه ذلك، بطل أن يكون مستمتعا. لأنه لم يستمتع بالمرفق الذي جعل للمستمتع، من ترك العود إلى الميقات، والرجوع إلى الوطن بالمقام في الحرم. وكان المكي من حاضري المسجد الحرام لا يرتفق بذلك، من أجل أنه متى قضى عمرته أقام في وطنه بالحرم، فهو غير مرتفق بشيء مما يرتفق به من لم يكن أهله من حاضري المسجد الحرام فيكون متمتعا بالإحلال من عمرته إلى حجه.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل اسمه:" واتقوا الله"، بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بين لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرم فيها عليكم."واعلموا": تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد عقابه لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعَطَفَ بذكر الجِهَاد، شرَعَ في بيان المناسك، فأمرَ بإتمام الحجّ والعُمْرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما(١) ؛ ولهذا قال بعده :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي : صُدِدْتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة مُلْزِمٌ، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء. وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا " الأحكام " مستقصى(٢) ولله الحمد والمن وقال شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الله بن سَلَمة، عن علي : أنه قال في هذه الآية :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال : أن تُحْرِم من دُوَيرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس. وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية : إتمامهما(٣) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة، وتُهِلّ من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول : إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر عن الزهري قال : بلغنا أنّ عمر قال في قول الله(٤) :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [ قال ](٥) : من تمامهما أن تُفْرد كُلَّ واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج ؛ إن الله تعالى يقول :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وقال هُشَيْم عن ابن عون قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة(٦) فقيل له : العمرة في المحرم ؟ قال : كانوا يرونها تامة. وكذا روي عن قتادة بن دعامة، رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر ؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ كلها في ذي القعدة : عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجِعرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قَطّ في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ(٧) " عُمْرة في رمضان تعدل حجة معي " (٨). وما ذاك إلا لأنها [ كانت ](٩) قد عزمت على الحج معه، عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونَصّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.
وقال السدي في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي : أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي طلحة(١٠) عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقول : من أحرم بالحج أو بالعمرة (١١) فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف(١٢) بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل.
وقال قتادة، عن زُرَارة، عن ابن عباس أنه قال : الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة في قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال : هي [ في ](١٣) قراءة عبد الله :" وأقيموا(١٤) الحج والعمرة إلى البيت " لا تُجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد ابن جبير، فقال : كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ :" وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ".
وقرأ الشعبي :" وأتموا(١٥) الحج والعمرةُ لله " برفع العمرة، وقال : ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة : أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه :" من كان معه هَدْي فليهل بحج وعمرة " (١٦).
وقال في الصحيح أيضًا :" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟ قال : فأنزل الله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسولُ الله ﷺ :" أين السائل عن العُمْرة ؟ " فقال : ها أنا ذا. فقال له :" ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعًا في حَجّك فاصنعه في عمرتك " (١٧) هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين، عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال : كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبة وخَلُوق ؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال :" أين السائل ؟ " فقال : ها أنا ذا، فقال :" أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عُمْرتك " (١٨). ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق(١٩) ولا ذكر نزول الآية(٢٠)، وهو عن يعلى بن أمية، لا [ عن ](٢١) صفوان بن أمية، والله أعلم.
وقوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست، أيْ عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسُول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورةَ الفتح بكمالها، وأنزل لهم رُخْصَةً : أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن يَتَحَللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا. فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس وكان منهم من قَصّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ :" رَحِم الله المُحَلِّقين ". قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة :" والمقصرين " (٢٢). وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك، كُلُّ سبعة في بَدَنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل : بل كانوا على طَرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عَدُو، لا مرض ولا غيره ؟ على قولين :
فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عَنْ عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وابن أبي نَجِيح [ ومجاهد ](٢٣) عن ابن عباس، أنه قال : لا حَصْرَ إلا حصرُ العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرًا.
قال : وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والقول الثاني : أن الحصر أعمّ من أن يكون بعدُوّ أو مرض أو ضلال - وهو التَّوَهان عن الطريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حَجَّاج بن الصوّافُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو(٢٤) الأنصاري، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" من كُسِر أو عَرِج فقد حل، وعليه حجة أخرى ".
قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق.
وأخرجه(٢٥) أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به(٢٦). وفي رواية لأبي داود وابن ماجة : من عرج أو كُسر أو مَرض - فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به. ثم قال : وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا : الإحصار من عدو، أو مرض، أو كسر.
وقال الثوري : الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله ﷺ دَخَل على ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت : يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال :" حُجِّي واشترطي : أنَّ مَحِلِّي حيثُ حبَسْتَني " (٢٧). ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله(٢٨). فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث. وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القولَ بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث. قال البيهقي وغيره من الحفاظ : فقد صح، ولله الحمد.
وقوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالب أنه كان يقول :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة. وقال ابن عباس : الهَدْي من الأزواج الثمانية : من الإبل والبقر والمعز والضأن.
وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنّخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثلَ ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر : أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر.
قال : ورُوِي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير - نحوُ ذلك.
قلت : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية(٢٩) الحديبية، فإنه لم يُنْقَل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة(٣٠).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : بقدر يَسَارته(٣١).
وقال العوفي، عن ابن عباس : إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة، عن أبيه :﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال : إنما ذلك فيما بين الرّخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجْزَاء ذبح الشاة في الإحصار : أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي : مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهَدْي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر(٣٢) ترجمان القرآن وابن عم الرسول ﷺ. وقد ثَبتَ في الصحيحين عن عائشة أمّ المؤمنين، رضي الله عنها، قالت : أهْدَى النبي ﷺ مَرة غنمًا(٣٣).
وقوله :﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير، رحمه الله ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحد
١ في ط: "فيها"..
٢ في جـ: "المستقصى"..
٣ في جـ: "تمامهما"..
٤ في جـ: "في قوله"..
٥ زيادة من جـ..
٦ في جـ: "تامة"، وفي أ: "بتمامها"..
٧ في جـ، ط، أ: "ولكن قال لتلك المرأة"..
٨ كذا وقع هنا أم هانئ وهو وهم، والصواب: أم سنان، والحديث في صحيح البخاري برقم (١٨٦٣)..
٩ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٠ في أ: "ابن أبي صالح"..
١١ في جـ، ط: "بحج أو عمرة"..
١٢ في جـ، ط، و: "وزار"..
١٣ زيادة من أ..
١٤ في أ، و: "وأتموا"..
١٥ في جـ: "وأقيموا"..
١٦ صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء رضي الله عنها..
١٧ صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه..
١٨ ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به..
١٩ في جـ: "ولا الاستنشاق"..
٢٠ في ط: "نزول الحق"..
٢١ زيادة من جـ، ط..
٢٢ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه..
٢٣ زيادة من جـ، ط..
٢٤ في أ: "بن عمر"..
٢٥ في جـ: "وقد أخرجه"..
٢٦ المسند (٣/٤٥٠) وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢) وسنن الترمذي برقم (٩٤٠) وسنن النسائي (٥/ ١٩٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨)..
٢٧ صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٠٧)..
٢٨ صحيح مسلم برقم (١٢٠٨)..
٢٩ في جـ، أ: "قصة"..
٣٠ صحيح مسلم برقم (١٣١٨)..
٣١ في أ: "يساره"..
٣٢ في ط: "البحر الحبر"..
٣٣ صحيح البخاري برقم (١٧٠١) وصحيح مسلم برقم (١٣٢١)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
التَّهْلُكَةُ: عَذَابُ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنِ القُرَظي: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: كَانَ الْقَوْمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَتَزَوَّدُ الرَّجُلُ. فَكَانَ أَفْضَلَ زَادًا مِنَ الْآخَرِ، أَنْفَقَ الْبَائِسُ (١) مِنْ زَادِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ زَادِهِ شَيْءٌ، أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِيَ صَاحِبَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢).
وقال (٣) ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ (٤) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي بُعُوثٍ يَبْعَثُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَإِمَّا يُقْطَعُ بِهِمْ، وَإِمَّا كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وَلَا يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَالتَّهْلُكَةُ أَنْ يَهْلَكَ رِجَالٌ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْمَشْيِ. وَقَالَ لِمَنْ بِيَدِهِ فَضْلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
وَمَضْمُونُ الْآيَةِ: الأمرُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي سَائِرِ وُجُوهِ القُرُبات وَوُجُوهِ الطَّاعَاتِ، وَخَاصَّةً (٥) صرفَ الْأَمْوَالِ فِي قِتَالِ الْأَعْدَاءِ وبذلهَا فِيمَا يَقْوَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ تَرْكِ فِعْلِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ هَلَاكٌ وَدَمَارٌ إِنْ (٦) لَزِمَهُ وَاعْتَادَهُ. ثُمَّ عَطَفَ بِالْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ، وَهُوَ أَعْلَى مَقَامَاتِ الطَّاعَةِ، فَقَالَ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَحْكَامَ الصِّيَامِ وعَطَفَ بِذِكْرِ الجِهَاد، شرَعَ فِي بَيَانِ الْمَنَاسِكِ، فأمرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ والعُمْرة، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ إِكْمَالُ أَفْعَالِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا (٧) ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أَيْ: صُدِدْتم عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ وَمُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامِهِمَا. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُلْزِمٌ، سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا، كَمَا هُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وقد ذكرناهما
(١) في جـ، ط، و: "أنفقوا الباقين".
(٢) تفسير الطبري (٣/٥٨٤).
(٣) في جـ، ط، أ: "وبه قال".
(٤) في أ: "بن عباس".
(٥) في جـ: "وحاصله".
(٦) في جـ: "كمن"، وفي ط، أ: "لمن".
(٧) في ط: "فيها".
بِدَلَائِلِهِمَا فِي كِتَابِنَا "الْأَحْكَامُ" مُسْتَقْصًى (١) وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمة، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قَالَ: أَنْ تُحْرِم مِنْ دُوَيرة أَهْلِكَ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِتْمَامُهُمَا (٢) أَنْ تُحْرِمَ مِنْ أَهْلِكَ، لَا تُرِيدُ إِلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وتُهِلّ مِنَ الْمِيقَاتِ لَيْسَ أَنْ تَخْرُجَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنْتَ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ قُلْتَ: لَوْ حَجَجْتُ أَوِ اعْتَمَرْتُ، وَذَلِكَ يُجْزِئُ، وَلَكِنَّ التَّمَامَ أَنْ تَخْرُجَ لَهُ، وَلَا تَخْرُجَ لِغَيْرِهِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: إِتْمَامُهُمَا إِنْشَاؤُهُمَا جَمِيعًا مِنَ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ (٣) :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [قَالَ] (٤) : مِنْ تَمَامِهِمَا أَنْ تُفْرد كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وَقَالَ هُشَيْم عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنِ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ (٥) فَقِيلَ لَهُ: الْعُمْرَةُ فِي الْمُحَرَّمِ؟ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَهَا تَامَّةً. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَعُمْرَةُ الجِعرّانة فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَعُمْرَتُهُ التِي مَعَ حَجَّتِهِ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَلَا اعْتَمَرَ قَطّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ، وَلَكِنْ قَالَ لِأُمِّ هَانِئٍّ (٦) "عُمْرة فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي" (٧). وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا [كَانَتْ] (٨) قَدْ عَزَمَتْ عَلَى الْحَجِّ مَعَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فاعتاقَتْ عَنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطُّهْرِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، ونَصّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: أَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ (٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ (١٠) فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُلَّ حَتَّى يُتِمَّهُمَا، تَمَامُ الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ، إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَطَافَ (١١) بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، وَالْعُمْرَةُ الطَّوَافُ. وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قَالَ: هِيَ [فِي] (١٢) قِرَاءَةِ عبد الله:
(١) في جـ: "المستقصى".
(٢) في جـ: "تمامهما".
(٣) في جـ: "في قوله".
(٤) زيادة من جـ.
(٥) في جـ: "تامة"، وفي أ: "بتمامها".
(٦) في جـ، ط، أ: "ولكن قال لتلك المرأة".
(٧) كذا وقع هنا أم هانئ وهو وهم، والصواب: أم سنان، والحديث في صحيح البخاري برقم (١٨٦٣).
(٨) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٩) في أ: "ابن أبي صالح".
(١٠) في جـ، ط: "بحج أو عمرة".
(١١) في جـ، ط، و: "وزار".
(١٢) زيادة من أ.
"وَأَقِيمُوا (١) الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ" لَا تُجاوز بِالْعُمْرَةِ الْبَيْتَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ ابن جُبَيْرٍ، فَقَالَ: كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: "وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ" وَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ".
وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ: "وَأَتَمُّوا (٢) الْحَجَّ والعمرةُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنْ أَنَسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ" (٣).
وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَضَمِّخٌ بِالزَّعْفَرَانِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرة؟ " فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا. فَقَالَ لَهُ: "أَلْقِ عَنْكَ ثِيَابَكَ، ثُمَّ اغْتَسِلْ، وَاسْتَنْشِقْ مَا اسْتَطَعْتَ، ثُمَّ مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجّك فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ" (٤) هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ، وَالذِي وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعِرَّانَةِ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ جُبة وخَلُوق؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَهُ الْوَحْيُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا، فَقَالَ: "أَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزَعْهَا، وَأَمَّا الطِّيبُ الذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرتك" (٥). وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغُسْلَ وَالِاسْتِنْشَاقَ (٦) وَلَا ذَكَرَ نُزُولَ الْآيَةِ (٧)، وَهُوَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، لَا [عَنْ] (٨) صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أيْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ رسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ سورةَ الْفَتْحِ بِكَمَالِهَا، وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَةً: أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ وَكَانَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَأَنْ يَتَحَللوا من
(١) في أ، و: "وأتموا".
(٢) في جـ: "وأقيموا".
(٣) صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء رضي الله عنها.
(٤) صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر رضي الله عنه.
(٥) ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به.
(٦) في جـ: "ولا الاستنشاق".
(٧) في ط: "نزول الحق".
(٨) زيادة من جـ، ط.
إِحْرَامِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ وَيَتَحَلَّلُوا. فَلَمْ يَفْعَلُوا انْتِظَارًا لِلنَّسْخِ حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَفَعَلَ النَّاسُ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصّر رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْلِقْهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَحِم اللَّهُ المُحَلِّقين". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (١). وَقَدْ كَانُوا اشْتَرَكُوا فِي هَدْيِهِمْ ذَلِكَ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنة، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا عَلَى طَرف الْحَرَمِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُخْتَصُّ الْحَصْرُ بِالْعَدُوِّ، فَلَا يَتَحَلَّلُ إِلَّا مَنْ حَصَرَهُ عَدُو، لَا مَرَضٌ وَلَا غَيْرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن يزيد المقري، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيح [وَمُجَاهِدٍ] (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حصرُ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ وَجَعٌ أَوْ ضَلَالٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فَلَيْسَ الْأَمْنُ حَصْرًا.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَصْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بعدُوّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضَلَالٍ -وَهُوَ التَّوَهان عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاج بْنُ الصوّافُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو (٣) الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "من كُسِر أَوْ عَرِج فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى".
قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا صَدَقَ.
وَأَخْرَجَهُ (٤) أَصْحَابُ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهِ (٥). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ: مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسر أَوْ مَرض -فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّافِ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِحْصَارُ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ كَسْرٍ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ آذَاهُ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَل عَلَى ضُبَاعة بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ. فَقَالَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أنَّ مَحِلِّي حيثُ حبَسْتَني" (٦). وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ (٧). فَذَهَبَ مِنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى صِحَّةِ الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ عَلَّقَ الإمام محمد بن إدريس
(١) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.
(٢) زيادة من جـ، ط.
(٣) في أ: "بن عمر".
(٤) في جـ: "وقد أخرجه".
(٥) المسند (٣/٤٥٠) وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢) وسنن الترمذي برقم (٩٤٠) وسنن النسائي (٥/ ١٩٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨).
(٦) صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٠٧).
(٧) صحيح مسلم برقم (١٢٠٨).
الشَّافِعِيُّ القولَ بِصِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ: فَقَدْ صَحَّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي ابن أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شَاةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الهَدْي مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ: مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ وَالضَّأْنِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: شَاةٌ. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ مثلَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
قَالَ: ورُوِي عَنْ سَالِمٍ، وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -نحوُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدَ هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قَضِيَّةُ (١) الْحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ ذَبَحَ فِي تَحَلِلَّهِ ذَاكَ شَاةً، وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَقَرَةٍ (٢).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: بِقَدْرِ يَسَارته (٣).
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمِنَ الْإِبِلِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْبَقَرِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْغَنَمِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الرِّخَصِ وَالْغَلَاءِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إجْزَاء ذَبْحِ الشَّاةِ فِي الْإِحْصَارِ: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ ذَبْحَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَيْ: مَهْمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يُسَمَّى هَدْيًا، والهَدْي مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا قَالَهُ الحَبْر الْبَحْرُ (٤) تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَابْنُ عَمِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ ثَبتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أهْدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرة غَنَمًا (٥).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا حَصَرَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ، حَلَقُوا وَذَبَحُوا هَدْيَهُمْ خَارِجَ الْحَرَمِ، فَأَمَّا فِي حَالِ الْأَمْنِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ الْحَلْقُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾
(١) في جـ، أ: "قصة".
(٢) صحيح مسلم برقم (١٣١٨).
(٣) في أ: "يساره".
(٤) في ط: "البحر الحبر".
(٥) صحيح البخاري برقم (١٧٠١) وصحيح مسلم برقم (١٣٢١).
وَيَفْرَغُ النَّاسِكُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ قَارِنًا، أَوْ مِنْ فعْل أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ مُفْردًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ (١) النَّاسِ حَلّوا مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ تَحِلّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وقلَّدت هَدْيي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقل، قَالَ: فَعُدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ -فَسَأَلْتُهُ عَنْ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ فَقَالَ: حُملْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقملُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: "مَا كنتُ أرَى أَنَّ الجَهد بَلَغَ بِكَ هَذَا! أَمَا تَجِدُ شَاةً؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ". فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً (٣).
وَقَالَ الْإِمَامُ أحمدُ: حَدَّثَنَا إسماعيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة قَالَ: أَتَى عَلَيّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، والقَمْلُ يتناثَرُ عَلَى وَجْهِي -أَوْ قَالَ: حَاجِبِي -فَقَالَ: "يُؤْذيك (٤) هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْهُ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسَكْ نَسِيكَةً". قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ (٥).
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ (٦) عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَقَدْ حَصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ (٧) وَكَانَتْ لِي وَفْرة، فَجَعَلَتِ الْهَوَامُّ تَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ (٨) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ. قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٩).
وَكَذَا رَوَاهُ عَفَّانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، بِهِ. وَعَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، بِهِ (١٠). وَعَنْ شُعْبَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعب ابن عُجْرَةَ -فَذَكَرَ نَحْوَهُ (١١).
وَقَالَ سَعْدُ (١٢) بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صالح، عن الحسن البصري: أنه
(١) في جـ: "ما بال".
(٢) صحيح البخاري برقم (١٧٢٥) وصحيح مسلم برقم (١٢٢٩).
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٥١٧).
(٤) في جـ: "أيؤذيك".
(٥) المسند (٤/٢٤١).
(٦) في جـ: "حدثنا يونس".
(٧) في جـ: "العدو".
(٨) في جـ، ط، أ: "فمر بي النبي".
(٩) المسند (٤/٢٤١).
(١٠) رواه أحمد في المسند كما في أطرافه لابن حجر (٥/٢١٩).
(١١) الموطأ (١/٤١٧).
(١٢) في طـ، أ: "وقال سعيد".
سَمِعَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَة يَقُولُ: فَذَبَحْتُ شَاةً. رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، سَنْدَلٌ -وَهُوَ ضَعِيفٌ (١) -عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "النُّسُكُ شَاةٌ، وَالصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ، وَالطَّعَامُ (٢) فَرَق، بَيْنَ سِتَّةٍ" (٣).
وَكَذَا رُوي عَنْ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَعِكْرِمَةَ (٤) وَإِبْرَاهِيمَ [النَّخَعِيِّ] (٥) وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ حَدَّثَهُ (٦) عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الجَزَري، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كعب ابن عُجْرة: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَآذَاهُ القَمْل فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدّين مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انسُك شَاةً، أيَّ ذَلِكَ فعلتَ أَجْزَأَ عَنْكَ" (٧).
وَهَكَذَا رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ "أَوْ" فَأَيُّهَ أخذتَ أَجْزَأَ عَنْكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وحُميد الْأَعْرَجِ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي، وَالضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُخَيَّر (٨) فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقُ بفَرق، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ آصُعٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نصفُ صَاعٍ، وَهُوَ مُدّان، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ. وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ الرُّخْصَةِ جاءَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَلَمَّا أمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعبَ بْنَ عُجْرَةَ بِذَلِكَ، أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَفْضَلِ، فَالْأَفْضَلِ فَقَالَ: انْسُكْ شَاةً، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَكُلٌّ حَسَنٌ فِي مَقَامِهِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: ذَكَرَ الأعمشُ قَالَ: سَأَلَ إبراهيمُ سعيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فَأَجَابَهُ يَقُولُ: يُحْكَم عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ اشْتَرَى شَاةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوِّمَتِ الشَّاةُ دَرَاهِمَ، وَجُعِلَ مَكَانَهَا طَعَامٌ فَتَصَدَّقَ، وَإِلَّا صَامَ بِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَذَلِكَ سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَذْكُرُ. قَالَ: لَمَّا قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَنْ هَذَا؟ مَا أَظْرَفَهُ! قَالَ: قُلْتُ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ. فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ! كَانَ يُجَالِسُنَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، قال: فلما قلت: "يجالسنا" انتفض منها (٩).
(١) في جـ: "سنده عنه ضعيف".
(٢) في جـ: "والإطعام".
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٥١٥) وعزاه لابن مردويه والواحدي.
(٤) في جـ، ط، أ: "وعلقمة".
(٥) زيادة من جـ، ط.
(٦) في جـ: "حدثهم".
(٧) الحديث في الموطأ (١/٤١٧).
(٨) في جـ، ط: "مخيرا"، وفي و: "محير".
(٩) تفسير الطبري (٤/٧٤).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا عبُيَد اللَّهِ (١) بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ بالمُحْرِم أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، حَلَق وَافْتَدَى بِأَيِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ، وَالصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كُلُّ مِسْكِينٍ مَكُّوكين: مَكُّوكًا مِنْ تَمْرٍ، وَمَكُّوكًا مِنْ بُر، وَالنُّسُكُ شَاةٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ.
وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ قَوْلَانِ غَرِيبَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتت السنةُ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرة بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [لَا عَشْرَةَ وَ] (٢) لَا سِتَّةَ، أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ نُسُكُ شَاةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا دَلّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا هَذَا الترتيبُ فَإِنَّمَا هُوَ معروفٌ فِي قَتْل الصَّيْدِ، كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ هُنَاكَ، بِخِلَافِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ هُشَيم: أَخْبَرَنَا لَيْثٌ، عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ (٣) فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ صِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ.
وَقَالَ هُشَيم: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَسْمَاءَ مَوْلَى ابْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَجَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ (٤) بْنُ عَلِيٍّ، فَارْتَحَلَ عُثْمَانُ. قَالَ أَبُو أَسْمَاءَ: وَكُنْتُ مَعَ ابْنِ جَعْفَرٍ، فَإِذَا نَحْنُ بَرْجَلٍ نَائِمٍ وَنَاقَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّؤُومُ (٥). فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا الْحُسَيْنُ (٦) بْنُ عَلِيٍّ. قَالَ: فَحَمَلَهُ ابنُ جَعْفَرٍ حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ السُّقْيا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ. قَالَ: فَمَرَّضْنَاهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً. قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِلْحُسَيْنِ: مَا الذِي تَجِدُ؟ قَالَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِهِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ عَليّ فَحَلَق رَأْسُهُ، ثُمَّ دَعَا ببدنَةٍ فَنَحَرَهَا. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عَنِ الْحَلْقِ فَفِيهِ أَنَّهُ نَحَرَهَا دُونَ مَكَّةَ. وَإِنْ كَانَتْ عَنِ (٧) التَّحَلُّلِ فَوَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أَيْ: إِذَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَمتِّعًا بالعُمرة إِلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يَشْمَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ. وَالتَّمَتُّعُ الْعَامُّ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحاديثُ الصِّحَاحُ، فَإِنَّ مِنَ الرُواة مَنْ يقولُ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَآخَرُ يَقُولُ: قَرَن. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ (٨).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أَيْ: فَلْيَذْبَحْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَدْيِ، وَأَقَلُّهُ شَاةٌ، وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَ الْبَقَرَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ،
(١) في جـ، أ: "عبد الله".
(٢) زيادة من جـ، أ.
(٣) في جـ: "أو إطعام".
(٤) في جـ: "الحسن".
(٥) في أ: "أيها النائم".
(٦) في جـ: "الحسن".
(٧) في أ: "من".
(٨) في أ، و: "أنه ساق هديا".
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ بَقَرَةً عَنْ نِسَائِهِ، وَكُنْ مُتَمَتِّعَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه (٢).
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ (٣) التَّمَتُّعِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عمْران بْنِ حُصين قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ (٤) فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ لَمْ يُنزل قُرْآنٌ يُحَرّمه، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهَا، حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأيه مَا شَاءَ (٥). قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُمَر. وَهَذَا الذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَيَقُولُ: إِنْ (٦) نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالتَّمَامِ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَنْهَى عَنْهَا محَرِّمًا لَهَا، إِنَّمَا كَانَ يَنْهَى عَنْهَا لِيَكْثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ، كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيصمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أَيْ: فِي أَيَّامِ الْمَنَاسِكِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفة فِي الْعَشْرِ (٧)، قَالَهُ عَطَاءٌ. أَوْ مِنْ حِينِ يَحْرِمُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يجوِّز صِيَامَهَا مَنْ أَوَّلِ شَوَّالَ، قَالَهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَجَوَّزَ الشَّعْبِيُّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَقَبْلَهُ يَوْمَيْنِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَكَمُ، وَالْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَالرَّبِيعُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيّان. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا كَانَ يومُ عَرَفَةَ الثَّالِثُ فَقَدْ تَمَّ صَوْمُهُ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَكَذَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ وَبَرَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَكَذَا رَوَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا.
فَلَوْ لَمْ يَصُمْها أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ [يَوْمِ] (٨) الْعِيدِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، الْقَدِيمُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يجوزُ لَهُ صِيَامُهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: لَمْ يرَخّص فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمن (٩) إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ الهَدي (١٠). وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ﴾ ] (١١). (١٢) وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُمَا. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ صَامَهُنَّ أيام
(١) في هـ: "أبي مسلم"، والصواب ما أثبتناه من جـ، أ.
(٢) ورواه أبو داود في السنن برقم (١٧٥١) من طريق الوليد عن الأوزاعي به.
(٣) في جـ: "على مشروعية".
(٤) في أ: "آية التمتع".
(٥) صحيح البخاري برقم (٤٥١٨) وصحيح مسلم برقم (١٢٢٦).
(٦) في أ: "إنا".
(٧) في أ: "في العشرة".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في أ: "أن يصوم".
(١٠) صحيح البخاري برقم (١٩٩٧).
(١١) زيادة من جـ، أ.
(١٢) الموطأ: (١/٤٢٦).
التَّشْرِيقِ. وَبِهَذَا يَقُولُ عُبَيد بْنُ عُمَير اللَّيْثِيُّ (١) وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وَالْجَدِيدُ مِنَ الْقَوْلِيْنِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ نبَيْشَة (٢) الْهُذَلِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ" (٣).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِذَا رَجَعْتُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ رُخْصَةٌ إِذَا شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ. وَكَذَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَوْطَانِكُمْ؛ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قَالَ: إِذَا رَجَع إِلَى أَهْلِهِ (٤)، وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْي مِنْ ذِي الحُلَيفة، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الهَدْي، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْد. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحل لِشَيْءٍ حَرُم مِنْهُ حتَى يَقْضِيَ حَجّه، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّر وليَحللْ (٥) ثُمَّ ليُهِلّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فليصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (٦).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ وَالْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ (٧).
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قِيلَ: تَأْكِيدٌ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي وَكَتَبْتُ بِيَدِي. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] وَقَالَ: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٨]، وَقَالَ: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢].
وَقِيلَ: مَعْنَى ﴿كَامِلَةٌ﴾ الأمْرُ بِإِكْمَالِهَا وَإِتْمَامِهَا، اخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى ﴿كَامِلَةٌ﴾ أَيْ: مُجْزئة عَنِ الهَدْي. قَالَ (٨) هُشَيْم، عَنْ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: مِنَ الهَدْي.
(١) في جـ: "المكثي".
(٢) في جـ: "عن ابن نبيشة".
(٣) صحيح مسلم برقم (١١٤١).
(٤) تفسير عبد الرزاق (١/٩٣).
(٥) في جـ: "وليتحلل".
(٦) صحيح البخاري برقم (١٦٩١).
(٧) صحيح البخاري برقم (١٦٩٢) وصحيح مسلم برقم (١٢٢٨).
(٨) في أ: "قاله".
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أهلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُني بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ مَعْنِيُّون بِهِ، وَأَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحَرَمِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ -قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هُمْ أَهْلُ الحَرَم. وَكَذَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَزَادَ: الْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكر لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا مُتْعَةَ لَكُمْ، أُحِلَّتْ لِأَهْلِ الْآفَاقِ وحُرِّمت عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا يَقْطَعُ أَحَدُكُمْ وَادِيًا -أَوْ قَالَ: يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ وَادِيًا (١) -ثُمَّ يُهِلّ بِعُمْرَةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا (٢) مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: المتعةُ لِلنَّاسِ -لَا لِأَهْلِ مَكَّةَ -مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مِنَ الْحَرَمِ. وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مثلُ قَوْلِ طَاوُسٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنه وَبَيْنَ الْمَوَاقِيتِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ، فَهُوَ كَأَهْلِ مَكَّةَ، لَا يَتَمَتَّعُ (٣).
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ: مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنْ عَطَاءٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ: عَرَفَةُ، ومَرّ، وعُرَنة، وضَجْنان، وَالرَّجِيعُ (٤).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ عَلَى يَوْمٍ أَوْ نَحْوه تَمتَّع. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَر مِنْهَا (٥) الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُعَدُّ حَاضِرًا لَا مُسَافِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ (٦) وَمَا نَهَاكُمْ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَيْ: لِمَنْ خالف (٧) أمره، وارتكب ما عنه زجره.
(١) في ط: "واديا واديا".
(٢) في ط: "أخبرنا".
(٣) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٣).
(٤) في و: "الضجيع".
(٥) في جـ، ط، أ، و: "فيها".
(٦) في ط: "فيما أمركم به".
(٧) في ط: "لمن خاف".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ولما فرغ تعالى من [ ذكر ] أحكام الصيام فالجهاد، ذكر أحكام الحج فقال :{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }
يستدل بقوله [ تعالى ] :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ على أمور :
أحدها : وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما.
الثاني : وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي ﷺ وقوله : " خذوا عني مناسككم "
الثالث : أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.
الرابع : أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا.
الخامس : الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.
السادس : وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى.
السابع : أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر، فلهذا قال :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي : منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي : فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي ﷺ وأصحابه، لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.
ثم قال تعالى :﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره، لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن، لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر.
وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، كما تدل عليه الآية.
ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي، لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة، أحرم بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ستة مساكين(١)  أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير، والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام.
ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع، إزالة ما به يترفه.
ثم قال تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي : بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي : فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.
ويدل مفهوم الآية، على أن المفرد للحج، ليس عليه هدي، ودلت الآية، على جواز، بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي الهدي أو ثمنه ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت ب " منى " ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي : فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من وجوب الهدي على المتمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي، لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي : في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي : لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات.
١ - في ب: أو إطعام ستة مساكين..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٩٦} ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
يستدل بقوله [تعالى] :﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ على أمور:
أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما.
الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي ﷺ وقوله: "خذوا عني مناسككم "
الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.
الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا.
الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.
السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى.
السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر، فلهذا قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي ﷺ وأصحابه، لما صدهم -[٩١]- المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره، لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن، لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر.
وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، كما تدل عليه الآية.
ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي، لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة، أحرم بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ستة مساكين (١) أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير، والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام.
ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك، من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع، إزالة ما به يترفه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.
ويدل مفهوم الآية، على أن المفرد للحج، ليس عليه هدي، ودلت الآية، على جواز، بل فضيلة المتعة، وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي الهدي أو ثمنه ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من وجوب الهدي على المتمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي، لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك، امتثالكم، لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات.
(١) في ب: أو إطعام ستة مساكين.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أُحْصِرْتُمْ
مُنِعْتُمْ لِمَرَضٍ، أَوْ عَدُوٍّ.
الْهَدْيِ
مَا يُهْدَى إِلَى البَيْتِ مِنَ الأَنْعَامِ.
نُسُكٍ
ذَبِيحَةٍ: شَاةٍ تُذْبَحُ لِفُقَرَاءِ الحَرَمِ.
حَاضِرِي
سَاكِنِي.

إعراب الآية ١٩٦ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

ويقال: بيوت بالكسر وهي لغة رديئة لأنه يخالف الباب وجازت على أن تبدل من الضمة كسرة لمجاورتها الياء. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى قال أبو جعفر: قد ذكرناه «١» والتقدير: من اتّقى ما نهي عنه.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٠]

وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)
وَلا تَعْتَدُوا لا تقتلوا من لم تؤمروا بقتله ويدخل في الأمر بهذا النساء والصبيان وقتل اثنين بواحد يقال: اعتدى إذا جاوز ما يجب. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩١]

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نهي، وهو منسوخ وقرأ الكوفيون ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقتلوكم فيه»
على قول العرب: قتلنا بني فلان إذا قتلوا بعضهم، ولا يجوز هذا حتى يعرف المعنى، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: لا ينبغي أن تقرأ هذه القراءة لأنه يجب على من قرأها أن يكون المعنى لا تقتلوهم ولا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٣]

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)
فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قال الأخفش سعيد: المعنى فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلّا على الظالمين منهم وقيل: فإن انتهوا للجماعة.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٤]

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ابتداء وخبر، والتقدير قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام. وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ويجوز فتح الراء وإسكانها.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٥]

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الأصل بأيديكم فاستثقلت الحركة في الياء فسكنت. قال الأخفش: الباء زائدة وأبو العباس يذهب إلى أنها متعلقة بالمصدر.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٩٦]

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)
(١) ذكره في إعراب الآية (٢٤).
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١١٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٩٦ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ [١٩٦].
أخبرنا الأستاذ أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد أباذي حدَّثنا العباس الدوري، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن عبد الرحمن الأصفهاني، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عُجْرَةَ، قال:
فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين صاع.
أخبرنا محمد بن إبراهيم المزكي، حدَّثنا أبو عمرو بن مطر، إملاء، أخبرنا أبو خليفة، حدَّثنا مسدد، عن بشر، حدَّثنا ابن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
قال كعب بن عجرة: فيّ أنزلت هذه الآية، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادنه، فدنوت مرتين أو ثلاثاً، فقال: أيؤذيك هَوَامُّك؟ قال ابن عون وأحسبه قال: نعم، فأمرني بصيام أو صدقة أو نسك ما تيسر، رواه مسلم عن أبي موسى، عن ابن عدي، [ورواه البخاري عن أحمد بن يونس عن ابن شهاب]، كلاهما عن ابن عون.
أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله المخلدي، أخبرنا أبو الحسن السراج، أخبرنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، حدَّثنا عاصم بن علي، حدَّثنا شعبة، أخبرني عبد الرحمن [بن] الأصفهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال:
قعدت إلى كعب بن عُجْرَة في هذا المسجد - مسجد الكوفة - فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: حُملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك هذا، ما تجد شاة؟ قلت: لا فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، فنزلت فيّ خاصة ولكم عامة. رواه البخاري عن آدم بن أبي إِياس وأبي الوليد ورواه مسلم بن بندار عن غندر، كلهم عن شعبة.
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الصوفي، أخبرنا محمد بن علي الغفاري، أخبرنا إسحاق بن محمد [الرسعني]، حدَّثنا جدي، حدَّثنا المغيرة الصقلاني، حدَّثنا عمر بن بشر المكي، عن عطاء، عن ابن عباس قال:
لما نزلت الحديبية جاء كعب بن عجرة ينتثر هَوَامُّ رأسه على جبهته، فقال: يا رسول الله، هذا القمل قد أكلني قال: احلق وافده. قال: فحلق كعب فنحر بقرة، فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك الموقف: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصيام ثلاثة أيام، والنسك شاة، والصدقة الفَرْقُ بين ستة مساكين، لكل مسكين مدان.
أخبرنا محمد بن محمد المنصوري، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا عبد الله بن المهتدي، حدَّثنا طاهر بن عيسى بن إسحاق التميمي، حدَّثنا زهير بن عباد، حدَّثنا مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال:
مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوقد تحت قدر له بالحديبية فقال: أيؤذيك هَوَامُّ رأسك؟ قال: نعم، قال: احلق. فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة فرق بين ستة مساكين، والنسك شاة.
[أخبرنا عبد الله بن عباس الهروي فيما كتب إليَّ: أن العباس بن الفضل بن زكريا حدثهم عن أحمد بن نجدة، حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثنا أبو عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، عن عبد الله بن معقل قال:
كنا جلوساً في المسجد، فجلس إلينا كعب بن عجرة فقال: فيّ أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ قال: قلت: كيف كان شأنك؟ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، محرمين، فوقع القمل في رأسي ولحيتي وشاربي حتى وقع في حاجبي، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك هذا، ادعوا الحالق، فجاء الحالق فحلق رأسي، فقال: هل تجد نَسِيكَة؟ قلت: لا، وهي شاة، قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصُع بين ستة مساكين. قال فأنزلت فيّ خاصة، وهي للناس عامة].

الموضوعات القرآنية للآية ١٩٦ من سورة البقرة

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٢٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٧٢ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾، قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٣٩٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥١ (٢٣٨٧) من طريق سفيان عن رجل. وعزاه السيوطي إلى وكيع.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ العدُوَّ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٠١.
٣
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ من العدوِّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٥٠ (٢٣٨٦).
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في الآية، قال: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فصَلُّوا الصلاةَ كما افْتَرَضَ اللهُ عليكم، إذا جاء الخوفُ كانت لهم رخصةٌ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٣٩٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١/٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾».
٥
عن عكرمة: هم مَن دون المواقيت إلى مكة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٢٤.
٦
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، قال: ست قُرَيّاتٍ: عرفة، وعُرَنَة، والرَّجِيع، والنَّخْلَتان، ومَرُّ الظهران، وضَجَنان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٤٨، وابن جرير ٣‏/‏٤٤٠-٤٤١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤ (١٨١٣). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد.
٧
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق عبد الجبار بن الوَرْدِ المكي- أنّهُ سُئِل عن المسجد الحرام. قال: هو الحرم أجمع١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ٢‏/‏٦٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق مَعْمَر، عن رجل- أنّه قال: مَن كان أهله دون الميقات فهو كأهل مكة. يقول: لا يَتَمَتَّع١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦.
٩
قال عطاء بن أبي رباح: مَن كان منها على رأس ليلة فهو من حاضري المسجد الحرام١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٩٨-.
١٠
عن مكحول -من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر- في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، قال: مَن كان دون المواقيت إلى مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٤٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤ (عَقِب ١٨١٣).
١١
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: مَن له المتعة؟ فقال: قال الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، فأما القرى الحاضرة المسجد الحرام التي لا تتمتع أهلها فالمطمئنة بمكة، المُطِلَّةُ عليها: نخلتان، ومَرُّ الظهران، وعَرَفة، وضَجَنان، والرَّجِيع، وأما القرى التي ليست بحاضرة المسجد الحرام التي يتمتع أهلها إن شاؤوا فالسفر، والسفر ما يقصر إليه الصلاة: عُسْفان، وجُدَّة، ورُهاط، وأشباه ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ٢‏/‏٦٢.
١٢
عن ميمون بن مِهران، قال: ليس لأهل مكة ولا مَن تَوَطَّن مكةَ متعةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٩.
١٣
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: ليس لأحدِ حاضري المسجد الحرام رخصةٌ في الإحصار: لأنّ الرجل إذا مَرِض حُمِل ووُقِف به بعرفة، ويُطاف به محمولًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٤
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق ابن أبي ذئب- قال: ليس على أهل مكة مُتْعَة، ولا إحصار، إنما يَغْشَون حتى يقضوا حجهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٩.
١٥
وقال محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر-: مَن كان على يوم أو نحوه فهو كأهل مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦، وابن جرير ٣‏/‏٤٤١، ولفظه: مَن كان أهله على يوم أو نحوه تمتع. ومن طريق ابن المبارك بلفظ: اليوم واليومين.
١٦
عن يحيى بن سعيد الأنصاري -من طريق اللَّيث-: أنّ أهل مكة كانوا يَغْزُون ويَتَّجِرون، فيقدمون في أشهر الحج ثم يحجون، ولا يكون عليهم الهديُ ولا الصيام، أرخص لهم في ذلك؛ لقول الله عز وجل: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٩.
١٧
عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: مَن كان أهله على مسيرة يوم أو دون ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤ (عَقِب ١٨١١).
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾، يعني: مَن لم يكن منزله في أرض الحرم كله، فمن كان أهله في أرض الحرم فلا متعة عليه ولا صوم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
١٩
وقال عبد الملك ابن جريج: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ أهل عرفة، والرجيع، وضَجَنان، ونخلتان١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٢٤.
٢٠
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، قال: أهل مكة، وفَجّ، وذي طُوى، وما يلي ذلك فهو من مكة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٤١.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٣/٤٤١-٤٤٢) مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية أنّ حاضري المسجد الحرام مَن كان بينه وبين الحرم من المسافة ما لا تُقْصَر إليه الصلاة، وعَلَّل ذلك بقوله: «لأن حاضر الشيء في كلام العرب هو الشاهد له بنفسه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستحق أن يُسَمّى غائبًا إلا مَن كان مسافرًا شاخصًا عن وطنه، وكان المسافر لا يكون مسافرًا إلا بشخوصه عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصلاة، وكان مَن لم يكن كذلك لا يستحق اسم غائب عن وطنه ومنزله؛ كان كذلك مَن لم يكن من المسجد الحرام على ما تُقْصَر إليه الصلاة غير مستحق أن يقال: هو من غير حاضريه؛ إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته». وزاد ابن عطية (١/٤٨٠) -إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف- في قوله: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾ قولًا آخَرَ: أن حاضري المسجد الحرام «من كان حيث تَجِبُ الجمعة عليه بمكة فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبْعد من ذلك فهو بَدَوِيٌّ». ووجَّهه بقوله: «فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة».
٢١
عن مُطَرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق علي بن زيد- أنّه تلا قوله تعالى: ﴿إن الله شديد العقاب﴾، قال: لو يعلم الناس قدر عقوبة الله، ونقمة الله، وبأس الله، ونكال الله؛ لَما رَقَأَ لهم دمعٌ، وما قرَّت أعينُهم بشيء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٥.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سفيان -في قوله: ﴿حاضري المسجد الحرام﴾، قال: هم أهل الحرم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وزاد ابن جرير ٣‏/‏٤٣٨ في رواية أخرى: والجماعة عليه.
٢٣
عن عبد الله بن عباس، قال: الحرم كله هو المسجد الحرام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٤
عن عبد الله بن عمر، مثله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: المتعةُ للناس إلا لأهل مكة، هي لِمَن لم يَكُن أهلُه في الحرم؛ وذلك قول الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦، وابن جرير ٣‏/‏٤٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- أنّه كان يقول: يا أهل مكة، إنّه لا متعة لكم، أُحِلِّت لأهل الآفاق وحُرِّمتْ عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا ثم يُهِلُّ بعمرة، ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٧، وابن جرير ٣‏/‏٤٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢علّق ابن عطية (١/٤٧٧) على قول ابن عباس، فقال: «فمعنى هذا: أنهم [أي: أهل مكة] متى أحرموا داموا إلى الحج». وانتَقَدَ (١/٤٧٦) قولَ من قال: إنّ العمرة لأهل مكة ممنوعة في أشهر الحج، مستندًا إلى شذوذه عن قول جُلِّ الأمة، فقال: «فهذه شِدَّة على أهل مكة، وبهذا النظر يحسن أن يكون التمتع من جهة استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يُعَوَّل عليه، وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي، ولا دم عليه».
٢٧
عن عبد الله بن عباس، قال: ليس على أهل مكة هَدْيٌ في مُتْعَة. ثم قرأ: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٨
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد المؤمن بن أبي شُراعَة- أنّه سُئِل عن امرأة صَرُورَة١ أتعتمر في حجتها؟ قال: نعم، إنّ الله جعلها رخصةً إن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام٢
التخريج
  1. ١صرورة: يعني: لم تحج قط، من الصَّرِّ، وهو الحبس والمنع. اللسان (صرر).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٩
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- أنّه سُئِل عن قول الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، أجوف مكة أم حولها؟ فقال: جوف مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢‏/‏٥٦ (١١١).
٣٠
عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج -من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع- تفسير القرآن ٢‏/‏٥٦ (١١١).
٣١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، يقول: المتعة لأهل الأمصار ولأهل الآفاق، وليس على أهل مكة متعة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤ (١٨١١).
٣٢
عن عروة [بن الزبير] -من طريق هشام- قال: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، عنى بذلك: أهل مكة، ليست لهم متعة، وليس عليهم إحصار؛ لقربهم من المَشْعَر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٣
عن إبراهيم [النخعي]، والحسن البصري، ونافع، أنهم قالوا: ليس على أهل مكة متعة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٤ (عَقِب ١٨١١).
٣٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: أهل الحرم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٤٨، وابن جرير ٣‏/‏٤٣٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٤ (١٨١٤). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد.
٣٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، يقول: على مَن حَجَّ الهَدْيُ من الغرباء، وليس على أهل مكة هَدْيٌ إذا اعتمروا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٧، وأخرج ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٨ نحوه مختصرًا من طريق خُصَيْف.
٣٦
عن طاووس -من طريق هشام بن حُجَيْر- قال: ليس على أهل مكة هَدْيٌ في متعة. ثم قرأ: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، فإن فعلوا ثم حَجُّوا فعليهم مثل ما على الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٩.
٣٧
عن طاووس -من طريق ابنه- قال: المتعة للناس أجمعين إلا أهل مكة مِمَّن لم يكن أهله من الحرم، وذلك قول الله عز وجل: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٩، كما أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦، وابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٩ مختصرًا.
٣٨
عن طاووس -من طريق ابن طاووس- في قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى السجد الحرام﴾، قال: هي لأهل الحرم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦. كما أخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٦٩٦ (١٥٦٦٨) من طريق ليث بلفظ: ليس حاضري المسجد الحرام إلا أهل الحرم.
٣٩
عن مجاهد بن جبر: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إلى بلادكم حيث كانت١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد. وفي تفسير مجاهد ص٢٢٧ من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: حيث كان.
٤٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إنما هي رخصة، إن شاء صامهُنَّ في الطريق، وإن شاء صامها بعد ما رجع إلى أهله، ولا يُفَرِّق بينهُنَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٣، وابن جرير ٣‏/‏٤٣٥. وعزاه السيوطي إلى وكيع. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٩- مختصرًا.
٤١
عن طاووس -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إن شاء فَرَّق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٤. وعزاه السيوطي إلى وكيع.
٤٢
عن عطاء، والحسن البصري، ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال عطاء: في الطريق إن شاء، وقال الحسن: إذا رجع إلى مِصْرِه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٣
عن عطاء بن أبي رباح: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إذا قضيتُم حجَّكم، وإذا رجع إلى أهله أحبُّ إلي١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع. وأخرج ابن جرير ٣‏/‏٤٣٥ شطره الثاني من طريق فطر، كما أخرج عنه من طريق ابن جريج بلفظ: إذا رجعت إلى أهلك.
٤٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إذا رجعتم إلى أمْصارِكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٣ (عَقِب ١٨٠٥).
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٣/٤٣٣) غير هذا القول، فقال: «يعني -جَلَّ ثناؤُه- بذلك: فمَن لم يجد ما استيسر من الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في حجِّه، وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره». وذكر أنّ المتمتع على الخيار في صيام السبعة أيام التي أوجبها الله عليه، إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء صامها بعدما يرجع إلى أهله، وذكر إجماع أهل العلم على ذلك، وساق (٣/٤٣٣-٤٣٥) الآثار على ذلك. وقد اسْتَحْسَن ابنُ تيمية (١/٤٦٦-٤٦٧) هذا القول، فقال بعدما ذكر قولَ من قال: إذا رجعتم من الحج: «وفيها طريقة أخرى أحسن من هذه، وهي طريقة أكثر السلف، أنّ معنى الآية: إذا رجعتم إلى أهلكم. وهي طريقة أحمد».
٤٦
عن منصور بن المعتمر -من طريق سفيان- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إن شاء صامها في الطريق، وإنما هي رخصة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٤.
٤٧
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وسبعة﴾ يعني: ولتصوموا سبعة أيام ﴿إذا رجعتم﴾ من منى إلى أهليكم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
٤٨
عن خلاّد بن سليمان، قال: اختصم عبد الواحد -وكان مِمَّن قد جمع القرآنَ على عهد النبي ﷺ- هو وعبد الله بن مسعود، فقال عبد الواحد: أرأيتَ حيث يقولُ الله في كتابه: (تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ أُنثى) [ص:٣٨]، ألم يكن يعرف حين قال نعاج أنهنَّ إناث؟ قال ابن مسعود: أرأيتَ حين يقول الله: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، ألم يعرف أن ثلاثة وسبعة عشرة؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣‏/‏٤٦ (٩٣). والقراءة شاذة، وهي هكذا عند ابن خالويه ص١٢٩: (لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ ولِيَ نَعْجَةٌ أُنثى).
٤٩
عن الحسن البصري -من طريق عباد بن منصور- في قوله: ﴿تلك عشرة كامله﴾، قال: كاملة من الهدي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٤٣.
٥٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تلك عشرة كاملة﴾، فمن شاء صام في الطريق، ومن شاء صام في أهله، إن شاء متتابعًا، وإن شاء مُتَقَطِّعًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
٥١
عن أبي هريرة -من طريق علي الأزْدِيِّ- قال: إنّا لَنَجِدُ في كتاب الله أنّ حدَّ المسجد الحرام من الحَزْوَرَةِ إلى المسعى١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ٢‏/‏٦٢.
٥٢
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق عكرمة- قال: أساسُ المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيمُ عليه السلام من الحَزْوَرَةِ إلى المسعى إلى مخرج سَيْل أجْياد١
التخريج
  1. ١أخرجه الأزرقي ٢‏/‏٦٢.
٥٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح-: يصوم المتمتع إن شاء يومًا من شوال، وإن شاء يومًا من ذي القعدة، قال: وقال طاووس، وعطاء: لا يصوم الثلاثة إلا في العشر، وقال مجاهد بن جبر: لا بأس أن يصومهنَّ في أشهر الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢٠ - ١٢١.
٥٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عمرو- قال: لا يصوم مُتَمَتِّعٌ إلا في العشر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٠.
٥٥
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: أصومهما حلالًا في العشر أحبُّ إلَيَّ مِن أن أصومهما حرامًا في شوال وذي القعدة، فإن صامهما حرامًا في شوال أو ذي القعدة أجزأه، وإن صامهما حلالًا في شوال أو ذي القعدة ذَبَح١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٢، وابن جرير ٣‏/‏٤٢٩ مختصرًا بنحوه.
٥٦
عن سليمان بن يسار، أنّ عمر بن الخطاب قال: صام إذا رجع إلى أهله١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٨-.
٥٧
عن عبد الله بن عمر -من طريق سالم - في قوله: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إلى أهليكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٣، كما أخرجه البخاري في تاريخه ١‏/‏٢٥١، والبيهقي في سننه ٥‏/‏٢٥ من طريق آخر. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٨
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد ابن شهاب الزهري: إذا رجع إلى أهله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٣ (عَقِب ١٨٠٥) عن أبي العالية، وعلَّقه عن الباقين.
٥٩
عن سعيد بن جبير، قال: إن أقام صامَهُنَّ بمكة إن شاء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦٠
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إلى أهلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٣ (عَقِب ١٨٠٥).
٦١
عن إبراهيم النخعي -من طريق منصور- ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: إن شئتَ في الطريق، وإن شئتَ بعد ما تقدم إلى أهلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٣٥.
٦٢
عن ابن عمر -من طريق نافع- قال: لا يُجْزِئُه صوم ثلاثة أيام وهو مُتَمَتِّع، إلا أن يُحْرِم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢١، وابن جرير ٣‏/‏٤٣٠، والبيهقي ٥‏/‏٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٦٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: كلُّ شيء في القرآن «فإن لم يجد» فالذي يليه، «فإن لم يجد» فالذي يليه. وفي لفظ آخر: ﴿فمن لم يجد﴾ فهو الأول، فالأول١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤١ (١٧٩٧، ١٧٩٨).
٦٤
وعن مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤١ (عَقِب ١٧٩٨).
٦٥
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿فمن لم يجد﴾، يعني: الهديَ إذا كان مُتَمَتِّعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢.
٦٦
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٢ (عَقِب ١٧٩٩).
٦٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿فمن لم يجد﴾، يعني: الهَدْيَ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٧.
٦٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ يقول: وهو يريد الحج، فإن دخل مكة وهو محرم بعمرة في غُرَّة شوال، أو ذي القعدة، أو في عشر من ذي الحجة ﴿فما استيسر من الهدي﴾ يعني: شاة فما فوقها، يذبحها، فيأكل منها، ويُطْعِم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
٦٩
عن عَلْقَمَة -من طريق إبراهيم-: فإن رجع مُتَمَتِّعًا في أشهر الحج كان عليه ما اسْتَيْسَرَ من الهدي؛ شاة، فإن هو لم يجد ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن جرير ٣/ ٤١٣، وابن أبي حاتم ١/ ٣٤١ (١٧٩٤). وقد تقدم أوله عند تفسير أول الآية.
٧٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، يقول: مَن أحرم بالعمرة في أشهر الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧١
عن عطاء -من طريق سفيان الثوري، عن ابن جُرَيْج- قال: قال ابنُ عباس في قوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾، قال: المتعةُ للمُحْصَر وحدَه١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦١.
٧٢
عن عطاء -من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جُرَيْج- أنّ ابنَ عباس كان يقول: المُتْعَةُ لِمَن أُحْصِر، ولِمَن خُلِّي سَبيلُه. وكان ابنُ عباس يقول: أصابت هذه الآية المُحْصَر، ومَن خُلِّي سبيلُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٥.
٧٣
عن عطاء -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: كان ابنُ الزبير يقول: إنّما المتعةُ لمن أُحْصِر، وليست لمن خُلِّي سبيلُه، وقال ابن عباس: وهي لمن أُحْصِر، ومَن خُلِّيَت سبيلُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٤١٢، وابن أبي حاتم ١/ ٣٤١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧٤
عن ابن الزبير -من طريق إسحاق بن سويد- أنّه خَطَب، فقال: يا أيُّها الناس، واللهِ، ما التَّمَتُّعُ بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، إنّما التَّمَتُّعُ أن يُهِلَّ الرجلُ بالحج، فيَحْصُرَه عدُوٌّ أو مرض أو كَسْرٌ، أو يحبسه أمر، حتى تذهب أيامُ الحج، فيَقْدَمَ فيجعلها عمرةً، فيَتَمَتَّع بحلِّه إلى العام المقبل، ثم يَحُجّ ويُهْدِي هَدْيًا، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٣٤، وابن جرير ٣‏/‏٤١٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف فيمن له التمتع وفي صفة التمتع؛ فمن قائل: هو للمُحْصَرين دون سواهم، وهم عبد الله بن الزبير، وعلقمة، وإبراهيم، وقتادة. ومن قائل بجوازه للمُحْصَرِين وغيرهم. ثم اختلفوا في صفة التمتع، فقال بعضهم: هو الإحرام بعمرة في أشهر الحج، ثم التمتع بالحل، ثم الإحرام بالحج في نفس العام، وهو قول ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى. وقال آخرون: التمتع بفسخ الحج بعمرة، وهو قول السدي. والقائلون بأنّ التمتع للمُحْصَرِين دون سواهم اختلفوا في صفة التمتع، فذكر ابنُ الزبير أنّ التمتع أن يُحْصَر الرجلُ حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة، ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء. وذكر الآخرون أنه يحل عند إحصاره دون عمرة، ويؤخرها حتى يأتي من قابل، فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه، وهو قول علقمة، وإبراهيم، وقتادة، وعلي. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٣/٤١٨-٤١٩) مستندًا إلى ظاهر القرآن قولَ ابن الزبير، وقولَ ابن عباس من طريق عطاء، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بتأويل الآية قولُ مَن قال: عنى بها: فإن أُحْصِرْتُم -أيها المؤمنون- في حَجِّكم فما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ، فإذا أمنتم فمن تمتع مِمَّن حَلَّ من إحرامه بالحج إلى قضاء الحَجَّة التي فاتته حين أحصر عنها، ثم حَلَّ مُن عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحج؛ فعليه ما استيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متمتعًا مَن أنشأ عمرة في أشهر الحج، وقضاها، ثُمَّ حَلَّ من عمرته، وأقام حلالًا بمكة حتى يحج من عامه. غير أنّ الذي هو أولى بالذي ذكره الله في قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ هو ما وصفنا؛ مِن أجلِ أنّ الله -جَلَّ وعَزَّ- أخبر عمّا على المُحْصَر عن الحج والعمرة من الأحكام في إحصاره، فكان مما أخبر -تعالى ذِكْرُه- أنّه عليه ما استيسر من الهَدْيِ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، كان معلومًا بذلك أنّه معنيٌّ به اللازم له من العمل، بسبب الإحلال الذي كان من في حجه الذي أُحصر فيه، دون المتمتع الذي لم يتقدم عمرته ولا حجه إحصارُ مرض ولا خوف».
٧٥
عن نافع، قال: قَدِم ابنُ عمر مَرَّة في شوال، فأقمنا حتى حججنا، فقال: إنّكم قد استمتعتم إلى حجِّكم بعمرة، فمَن وجد منكم أن يُهْدِي فليُهْدِ، ومَن لا فلْيَصُم ثلاثةَ أيام، وسبعةً إذا رجع إلى أهله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٦.
٧٦
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- في قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ إلى ﴿تلك عشرة كاملة﴾، قال: هذا المُحْصَر إذا أمِن، فعليه المتعةُ، والحجُّ، وهديُ المتمتع، فإن لم يجد فالصيام، فإن عَجَّل العمرةَ قبل أشهر الحج فعليه فيها هَدْيٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٤.
٧٧
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي مُصْلِح- في قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، قال: مَن انطلق حاجًّا، فبدأ بالعمرة، ثم أقام حتى يحج؛ فعليه الهدي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٠ (١٧٩١).
٧٨
عن الضحاك بن مُزاحِم، قال: التَّمَتُّعُ: الاعتمارُ في أشهر الحج١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧٩
عن مجاهد بن جبر، قال: كان أهل الجاهلية إذا حجُّوا قالوا: إذا عفا الوَبَر، وتولّى الدَّبَر١، ودخل صَفَر؛ حلَّت العمرة لمن اعتمر. فأنزل الله التمتعَ بالعمرة تغييرًا لما كان أهلُ الجاهلية يصنعون، وترخيصًا للناس٢
التخريج
  1. ١عفا الوبر: كثر صوف الإبل، وتولى الدبر: ذهب القرح الذي يكون في ظهر البعير. النهاية (عفا) (دبر).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قول الله عز وجل: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ مِن يوم الفطر إلى يوم عرفة؛ فعليه ما استيسر من الهَدْيِ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٧، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٦.
٨١
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- قال: إنّما سُمِّيَت: المتعةُ؛ لأنهم كانوا يتمتعون بالنساء، والثياب. وفي لفظ: يتمتع بأهله، وثيابه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٢، وابن أبي شيبة ٤‏/‏١١٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ عطية مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ عطاء، فقال (١/٤٧٦): «ومَن قال: إنّ اسم التمتع وحكمَه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك، فيُرَدُّ عليه أنه يستغرق قولُه: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ المكِّيَّ وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويُلْزَم هَدْيًا، ولا يُفعل ذلك بالمكّيّ». وذكر ابنُ عطية قولًا أن المتمتع سُمِّيَ بهذا لأنه تمتع بإسقاط أحد السَّفَرَيْن، وعَلَّق عليه قائلًا: «وذلك أن حَقَّ العمرة أن تُقْصَد بِسَفْرَة، وحَقَّ الحج كذلك، فلما تَمتَّع بإسقاط أحدهما ألْزَمه الله هَدْيًا، كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سَفَرٍ واحد». ثم قال: «هذه شِدَّة على القادم مكة من سائر الأقطار لمّا أسْقَط سَفَرًا، والمكي لا يقتضي حالُه سَفَرًا في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يُلزم شيئًا لأنه لم يُسقط شيئًا». وذكر قولًا آخر عن ابن القاسم أنه قال في سبب تسمية المتمتع بهذا الاسم: «لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فِعْلُه من وقت حِلِّه في العمرة إلى وقت إنشائه الحج».
٨٢
عن ابن جُرَيْج، قال: كان عطاء يقول: المتعة لخلق الله أجمعين؛ الرجل، والمرأة، والحُرّ، والعبد، هي لكل إنسان اعتمر في أشهر الحج ثم أقام ولم يبرح حتى يَحُج، ساق هديًا مُقَلَّدًا أو لم يَسُقْ، وإنما سميت المتعة مِن أجل أنّه اعْتَمَر في شهور الحج، فتمتع بعمرة إلى الحج، ولم تُسَمَّ المتعة من أجل أنه يحل بتمتع النساء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٨.
٨٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، قال: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو حابسٌ حبسه، يبعث بهديه، فإذا بلغت مَحِلَّها صار حلالًا، فإن أمِن أو بَرَأَ ووصل إلى البيت فهي له عمرة، وأحَلَّ، وعليه الحج عامًا قابِلًا، فإن هو لم يَصِل إلى البيت حتى يرجع إلى أهله فعليه عمرة، وحَجَّة، وهديٌ. قال قتادة: والمُتْعَة التي لا يَتَعاجَمُ١ الناسُ فيها أنّ أصلها كان هكذا٢
التخريج
  1. ١لا يتعاجم: لا يكني ويوري. لسان العرب (عجم).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٤.
٨٤
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾، أمّا المتعة: فالرَّجُلُ يُحْرِم بحجة، ثم يهدمها بعمرة. وقد خرج رسول الله ﷺ في المسلمين حاجًّا، حتى إذا أتوا مكة قال لهم رسول الله ﷺ: «مَن أحَبَّ منكم أن يَحِلَّ فَلْيَحِلَّ». قالوا: فما لك، يا رسول الله؟ قال: «أنا معي هدي»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٥.
٨٥
عن عَلْقَمَةَ -من طريق إبراهيم- ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾، يقول: فإذا بَرِئ، فمضى من وجهه ذلك إلى البيت؛ أحَلَّ مِن حَجَّتِه بعُمْرَة، وكان عليه الحجُّ مِن قابِل، فإن هو رجع ولم يُتِمَّ من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه حجة وعمرة؛ لتأخير العمرة، قال إبراهيم: فذكرتُ ذلك لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس فيهذا كله١.
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن جرير ٣/ ٤١٠، ٤١٣، وابن أبي حاتم ١/ ٣٤٠ (١٧٨٧، ١٧٨٨). وفي لفظ آخر عند ابن أبي حاتم: فإذا أمِن مِمّا كان به. وقد تقدم أوله عند تفسير أول الآية.
٨٦
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: أكان ابنُ عباس يقول: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أمِنتَ أيُّها المُحْصَرُ، وأَمِن الناسُ ﴿فمن تمتع﴾. فقال: لم يكن ابن عباس يفسرها كذا، ولكنه يقول: تَجْمَعُ هذه الآية -آية المتعة- كُلَّ ذلك؛ المُحْصَر، والمُخْلى سبيلُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٠ (١٧٨٩).
٨٧
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، وعروة بن الزبير، وطاووس، أنّهم قالوا: فإذا أمِن خوفَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٠ (عَقِب ١٧٨٩) عن أبي العالية، وعلقه عن الباقين.
٨٨
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة- في قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، يقول: فإذا أمِنت حين تُحْصَر؛ إذا أمنت مِن كَسْرِك، ومِن وجَعِك، فعليك أن تأتي البيت، فيكون لك متعة، فلا تَحِلّ حتى تأتي البيت١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٥-٧٦، وابن جرير ٣‏/‏٤١٠، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٧٧ (١٣٨٩٨)، ولفظه: إنما المتعة للمحصَر. وتلا هذه الآية: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾.
٨٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾؛ لتعلموا أنّ القوم كانوا خائفين يومئذٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١١.
٩٠
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿فإذا أمنتم﴾، قال: إذا أمِن من خوفه، وبَرِئَ من مرضه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١١.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى الآية؛ فقال قوم: المعنى: فإذا بَرِئْتُم من مرضكم الذي أحْصَرَكم عن حجكم أو عمرتكم. وقال آخرون: المعنى: إذا أمنتم من خوفكم من عدوكم المُحْصِر. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٤١١ بتصرف) القولَ الثاني مستندًا إلى اللغة، وأحوال النزول، فقال: «لأنّ الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض. وإنما قلنا: إنّ معناه: الخوف من العدو؛ لأنّ هذه الآيات نزلت على رسول الله ﷺ أيام الحديبية، وأصحابه من العدو خائفون، فعَرَّفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوفُ عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمِنُوا من ذلك، فزال منهم خوفهم». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٤٧٥). ووجَّه (٣/٤١١) ابنُ جرير القولَ الأول الذي قاله علقمةُ، وعروةُ، فقال: «الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض، إلا أن يكون مرضًا مخوفًا منه الهلاك، فيُقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٤٧٥). وانتَقَدَه ابنُ جرير بقوله: «وذلك معنًى بعيد».
٩١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فإذا أمنتم﴾ مِن الحبس مِن العدوِّ عن البيت الحرام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
٩٢
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن سلمة- في قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، قال: فإنْ أخَّرَ العُمْرَةَ حتى يجمعها مع الحج فعليه الهَدْيُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٤.
٩٣
عن إبراهيم [النخعي]، ومجاهد بن جبر -من طريق مغيرة- أنهما قالا في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍأوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾، قالا: الصيام ثلاثة أيام، والطعام إطعامُ ستة مساكين، والنسك شاةٌ فصاعِدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٩٢. وعلقه ابن أبي حاتم عن إبراهيم ١/ ٣٣٧ (عَقِب ١٧٧٦). كما أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٩٢ عنهما من طريق منصور بنحوه، وزاد: والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستة مساكين.
٩٤
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح-: فمن كان مريضًا، أو اكْتَحَل، أو ادَّهَن، أو تَداوى، أو كان به أذًى من رأسه من قمل فحَلَق؛ ﴿ففدية من صيام﴾ ثلاثة أيام، ﴿أو صدقة﴾ فَرَق بين ستة مساكين، ﴿أو نسك﴾ والنسكُ شاةٌ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٥، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٢.
٩٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- أنّه كان يقول في فدية الصيام، أو صدقة، أو نسك: في يُسره ذلك، في حَجِّه وعُمْرَته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩٥ (١٣٩٧٨).
٩٦
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق قتادة- ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾، قال: إطعام عشرة مساكين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٩٥.
٩٧
عن الحسن البصري -من طريق يونس- قال: الفديةُ صيامُ عشرة أيام، والصدقةُ عشرةُ مساكين، والنسكُ ذبيحةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩١ (١٣٩٥٢).
٩٨
عن الحسن البصري -من طريق أشعث- في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾، قال: إذا كان بالمحرم أذًى من رأسه حَلَقَ وافتدى بأيِّ هذه الثلاثة شاء؛ فالصيامُ عشرة أيام، والصدقةُ على عشرة مساكين، كل مسكين مَكُّوكَيْنِ، مَكُّوكًا من تمر، ومَكُّوكًا من بُرٍّ، والنسك شاة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٣/٣٩٥) هذا القولَ الذي قاله الحسن وعكرمة بما مفادُه: أنّهم قاسوا كُلَّ صيام وجب على محرم، أو صدقة جزاء من نقص دخل في إحرامه، على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي. ثم نقل عنهم حُجَّتهم فقال: «وقالوا: جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده. قالوا: فكل صوم وجب مكانَ دم فمثلُه. قالوا: فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإنّ الله عز وجل أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان. قالوا: فكُلُّ مَن جعل الإطعام له مكان صومٍ لَزِمه فهو نظيرُه؛ فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق». وانتقده (٣/٤٠٠-٤٠١) مستندًا لمخالفته السنة، والإجماع، والدلالات العقلية، وبيَّنَ أنّ قائليه مخالفون نصَّ الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ. ثم قال: «يُقال لهم: أرأيتُم مَن أصاب صيدًا، فاختار الإطعام أو الصيام، أتُسَوُّون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام، أم تُفَرِّقون بين ذلك على قَدْرِ افتراق المقتول من الصيد في الصِّغَر والكِبَر؟ فإن زعموا أنهم يُسَوُّون بين جميع ذلك؛ سَوَّوا بين ما يجب على مَن قتل بقرة وحشية وبين ما يجب على من قتل ولد ظَبْيَةٍ من الإطعام والصيام، وذلك قولٌ إن قالوه لِقَوْلِ الأُمَّةِ مُخالِفٌ. وإن قالوا: بل نخالف بين ذلك؛ فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام. قيل: فكيف رَدَدتُم الواجبَ على الحالق رأسه من أذًى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم، وقد علمتم أنّ المتمتع غيرُ مُخَيَّرٍ بين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو مُتْلِفٌ شيئًا وجبت عليه منه الكفارة، وإنّما هو تاركٌ عملًا من الأعمال، وتركتم رَدَّ الواجب عليه وهو مُتْلِفٌ بحلق رأسه ما كان ممنوعًا من إتلافه، ومخير بين الكفارات الثلاث، نظير مصيب الصيد الذي هو بإصابته إيّاه له مُتْلِفٌ ومُخَيَّرٌ في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك، وجعل الحالق قياسًا لمصيب الصيد، وجمع بين حُكْمَيْهِما لاتِّفاقهما في المعاني التي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المُتَمَتِّع في ذلك لاختلاف أمرهما فيما وصفنا؛ فَرْقٌ مِن أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقولوا في ذلك قولًا إلا أُلْزِمُوا في الآخَرِ مِثْلَه، مع أنّ اتفاق الحُجَّة على تَخْطِئَةِ قائلِ هذا القول في قوله هذا كفايةٌ عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله ﷺ، والقياس عليه بالفساد شاهدٌ». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢٣٣ بتصرف) هذا القول، وكذا القول الذي قاله سعيد بن جبير استنادًا للدلالات العقلية، ومخالفة السنة، فقال: «وهذان القولان قولان غريبان، فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام، لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأنّ ذلك على التخيير كما دَلَّ عليه سياق القرآن، وأمّا هذا الترتيب فإنّما هو معروفٌ في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك، بخلاف هذا».
٩٩
عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق التَّيْمِيِّ- قال: الصيامُ ثلاثةُ أيام، والصدقةُ ستة مساكين، والنُّسُكُ شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩١ (١٣٩٥٣).
١٠٠
عن أبي مالك الغِفارِيِّ -من طريق السُّدِّيِّ- ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾، قال: الصيام ثلاثة أيام، والطعامُ إطعامُ سِتَّةِ مساكين، والنسكُ شاةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩٢ (١٣٩٥٩)، وابن جرير ٣‏/‏٣٩١.
١٠١
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق عبد الملك بن أبي سليمان-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩١ (١٣٩٥٤)، وابن جرير ٣‏/‏٣٩١.
١٠٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: والنسكُ شاةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٥.
١٠٣
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط-: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، إن صنع واحدًا فعليه فدية، وإن صنع اثنين فعليه فديتان، وهو مُخَيَّرٌ أن يصنع أيَّ الثلاثة شاء. أما الصيام فثلاثة أيام، وأما الصدقة فستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأما النسك فشاةٌ فما فوقها. نزلت هذه الآية في كعب بن عُجْرَة الأنصاري، كان أُحْصِر، فَقَمِلَ رَأْسُهُ، فحلقه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل التفسير في مبلغ الصيام والطعام اللَّذَيْنِ أوجبهما الله على مَن حلق شعره من المُحْرِمِين في حال مرضه، أو مِن أذًى برأسه؛ فقال بعضهم: الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدق به، وإلا صام لكل نصف صاع يومًا. وقال غيرهم: الواجب عليه من الصيام عشرة أيام، ومن الإطعام عشرة مساكين. وقال آخرون: بل هو مخير بين الخِلال الثلاث، يفتدي بأيِّها شاء. ورجَّح ابنُ جرير (٣/٣٩٨-٣٩٩) القولَ الأخيرَ مستندًا إلى السنة، والإجماع، والدلالات العقلية بما مفاده الآتي: ١- أنّ ظاهر الآية لم يُخَصِّص واحدةً بعينها. ٢- حديث كعب بن عُجْرَة، وتخيير النبي ﷺ له في الفِدْيَة دون تعيين. ٣- إجماع الحجة على ذلك. ٤- القياس على كفارة اليمين في التخيير. وبنحوه قال ابنُ كثير (٢/٢٣٣).
١٠٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، قال: فإن عجَّل مِن قبل أن يبلُغ الهديُ محلَّه فحلق؛ ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة إطعام ستة مساكين، بين كل مسكينين صاع، والنسكُ شاةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٢. أورد ابن جرير عقب المسألة السابقة مسألتين، هما:١- الموضع المأمور بذبح النسك فيه (٣‏/‏٤٠١-٤٠٦). ٢- حكم الأكل من ذلك النسك (٣‏/‏٤٠٦-٤١٠). ولم يوردهما السيوطي في الدر المنثور، أمّا ابنُ عطية (١‏/‏٤٧٤) وابنُ كثير (١‏/‏٥٣٧) فذكرا المسـألة الأولى مختصرة دون ترجيح.
١٠٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ فحلق رأسه؛ ﴿ففدية من صيام﴾ فعليه فدية صيام ثلاثة أيام، إن شاء متتابعًا، وإن شاء مُتَقَطِّعًا، ﴿أو صدقة﴾ على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، ﴿أو نسك﴾ يعني: شاة، أو بقرة، أو بعيرًا، ينحره، ثم يطعمه المساكين بمكة، ولا يأكل منه، وهو بالخيار؛ إن شاء ذبح شاة، أو بقرة، أو بعيرًا. فأمّا كعب فذبح بقرة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
١٠٦
عن إبراهيم، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧ (عَقِب ١٧٧٦).
١٠٧
وعن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، قال: من أُحصِر بمرض أو كَسْرٍ فلْيُرْسِل بما اسْتَيْسَر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يَحِلَّ حتى يوم النحر، ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ فادَّهَن، أو تَداوى، أو اكْتَحَل، أو كان ﴿به أذى من رأسه﴾ مِن قملٍ أو غيره فحلق؛ ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٤-٢٢٥، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٩، وأخرج ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٨ (١٧٨٠) آخره من طريق ابن جريج.
١٠٨
عن الحسن البصري -من طريق أشْعَث- قال: إذا كان بالمُحْرِم أذًى من رأسه فإنه يحلِق حين يبعث بالشاة، أو يطعم المساكين، وإن كان صومٌ حَلَق ثم صام بعد ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٨.
١٠٩
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، هذا إذا كان قد بعث بهَدْيِه، ثم احتاج إلى حلق رأسه من مرض، وإلى طيب، وإلى ثوب يلبسه؛ قميص أو غير ذلك؛ فعليه الفدية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٩.
١١٠
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عُقَيْل- قال: مَن أُحْصِر عن الحج، فأصابه في حبسه ذلك مرض أو أذًى برأسه، فحلق رأسه في مَحْبَسِه ذلك؛ فعليه فديةٌ من صيام، أو صدقة، أو نسك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى هذه الآية؛ فقال قوم: المعنى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله، إلا أن يضطر إلى حلقه؛ إمّا لمرض، وإمّا لأذى برأسه، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به وإن لم يبلغ الهديُ محله، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك فِدْيَةٌ من صيام، أو صدقة، أو نسك. وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي بالنسك أو الإطعام إلا بعد التكفير، وإن أراد أن يفتدي بالصوم حلق ثم صام. وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك قبل الحلاق إذا أراد حلاقه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٣٨٣) القولَ الأول الذي قاله عطاء من طريق ابن جريج، وانتَقَدَ تقديمَ الكفارة على الحَلْق الوارد في القولين الأخيرين مستندًا إلى السنة، فقال: «وهذا الخبر [يعني: حديث كعب بن عُجْرَة، من طريق معقل بن يسار، والشعبي وما شابهه] يُنبِئُ عن أنّ الصحيح مِن القول أنّ الفدية إنّما تَجِب على الحالق بعد الحلق، وفسادِ قول من قال: يفتدي ثم يحلق؛ لأنّ كعبًا أخبر أنّ النبي ﷺ أمره بالفدية بعد ما أمره بالحلق فحلق». وكذا انتَقَدَهُم (٣/٣٩٩-٤٠٠) بأنّ كفارة اليمين لا تكون إلا بعده، فكذا كفارة الحلق. ووجَّه (٣/٣٨٠-٣٨١) القولَ الذي قاله ابن عباس من طريق عطية العوفي، فقال: «وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالة ما حدثنا به المثنى... عن يعقوب، قال: سألتُ عطاء عن قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. فقال: إنّ كعب بن عُجْرَة مَرَّ بالنبي ﷺ وبرأسه من الصئبان والقمل كثير، فقال له النبي ﷺ: «هل عندك شاة؟». فقال كعب: ما أجدها. فقال له النبي ﷺ: «إن شئتَ فأطعم ستة مساكين، وإن شئتَ فصم ثلاثة أيام، ثم احلق رأسك»».
١١١
عن عبد الله بن مَعْقِل، قال: قعَدْتُ إلى كعب بن عُجْرةَ، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. فقال: نزلت فِيَّ، كان بي أذًى من رأسي، فحُمِلْتُ إلى النبي ﷺ والقَمْلُ يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنتُ أُرى أنّ الجَهْدَ بلغ بك هذا، أما تَجِدُ شاةً؟» قلت: لا. قال: «صُمْ ثلاثة أيام، أو أطْعِم سِتَّة مساكين، لِكُلِّ مسكين نصفُ صاعٍ من طعام، واحْلِقْ رأسَك». فنزلت فِيَّ خاصَّة، وهي لكم عامَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٠ (١٨١٦)، ٦‏/‏٢٧ (٤٥١٧)، ومسلم ٢‏/‏٨٦١-٨٦٢ (١٢٠١)، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٢‏/‏٧١٧ (٢٨٩)، وابن جرير ٣‏/‏٣٨٣-٣٨٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٨ (١٧٨١).
١١٢
عن كعب بن عُجْرة، أنّ رسول الله ﷺ قال له: «صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَقٍ بين سِتَّةٍ، أو انْسُكْ مِمّا تَيَسَّرَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٠ (١٨١٥)، ومسلم ٢‏/‏٨٥٩-٨٦٠ (١٢٠١)، وابن جرير ٣‏/‏٣٨٤، ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٧.
١١٣
عن ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ لكعب بن عُجْرةَ: «أيؤذيك هَوامُّ رأسك؟». قال: نعم. قال: «فاحلِقه، وافتدِ؛ إما صومُ ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين، أو نسك شاة»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٩‏/‏١٠٤ (٢١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥‏/‏٢٣٧١-٢٣٧٢ (٥٨٢٣)، وابن جرير ٣‏/‏٣٩١ واللفظ له. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير ٣‏/‏٦٩: «إسناده صحيح».
١١٤
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن سلمة- أنّه سُئِل عن هذه الآية. فقال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثةُ آصُعٍ على ستة مساكين، والنُّسُك شاةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٣.
١١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٣٧.
١١٦
عن كعب بن عجرة -من طريق الشعبي- أنّه قال: بين كل مسكينين صاعٌ، أو نُسُك١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٥.
١١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: النُّسُك أن يَذْبَحَ شاةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٠.
١١٨
عن علقمة -من طريق إبراهيم- قال:... والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثةُ آصُعٍ على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨/ ٢٩١ (١٣٩٥٥)، وابن جرير ٣/ ٣٧٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٧ (١٧٧٦).
١١٩
عن طاووس -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: صيام ثلاثة أيام، ونُسُك شاة، وصدقة ستة مساكين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٢٩١-٢٩٢ (١٣٩٥٨).
١٢٠
عن الأعمش، قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جُبَيْر عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾. فأجابه يقول: يحكم عليه إطعامٌ، فإن كان عنده اشترى شاةً، فإن لم تكن قُوِّمت الشاة دراهم فجعل مكانه طعامًا فتَصَدَّق، وإلا صام لكل نصف صاعٍ يومًا، فقال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٩٥.
١٢١
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الكريم- قال: يصومُ صاحب الفِدْيَة مكان كل مُدَّيْنِ يومًا، قال: مُدًّا لطعامه، ومُدًّا لإدامه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٩٣.
١٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾، يعني: مَن اشْتَدَّ مرضُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٨.
١٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ يعني بالمرض: أن يكون برأسه أذًى أو قروح، ﴿أو به أذى من رأسه﴾ قال: الأذى هو القمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٦ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٢٤
عن عبد الله بن عباس: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾، ثم اسْتَثْنى، فقال: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
١٢٥
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء [بن أبي رباح]: ما ﴿أذى من رأسه﴾؟ قال: القملُ، وغيره؛ الصداعُ، وما كان في رأسه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٨. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد.
١٢٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن سلمة- أنه سُئِل عن قول الله -جَلَّ ثناؤه-: ﴿فمن كان من منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال: هذا قبل أن يُنحَر الهدي، إن أصابه شيء فعليه الكفارة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٨٠.
١٢٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، قال: مَنِ اشْتَدَّ مرضُه، أو آذاه رأسُه وهو محرم؛ فعليه صيام، أو إطعام، أو نسك، ولا يحلق رأسَه حتى يُقَدِّم فِدْيَتَه قبل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٨٠.
١٢٨
عن عَلْقَمَة -من طريق إبراهيم- في قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، يقول: فإن عَجَّل قبل أن يبلغ الهَدْيُ مَحِلَّه، فحلق رأسه، أو مسَّ طِيبًا، أو تَداوى بدواء؛ كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن جرير ٣/ ٣٧٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٧ (١٧٧٦).
١٢٩
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة- قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنّما الشاة نُسُك. قال: تكون البقرة بأربعين، وبخمسين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٧).
١٣٠
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة- في قول الله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾، قال: إنما ذلك فيما بين الرُّخْصِ والغلاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧ (١٧٧٤).
١٣١
عن مجاهد بن جبر، وطاووس -كلاهما من طريق ليث- قالا: ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ بقرةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٥٥.
١٣٢
عن الحسن البصري -من طريق الأشعث- في ما استيسر من الهدي، قال: شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٠.
١٣٣
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿فما استيسر من الهدي﴾: شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٠.
١٣٤
عن دَلْهَم بن صالح، قال: سألت أبا جعفر [الباقر] عن قوله: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾. فقال: شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٢.
١٣٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأَخَسُّه شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٠.
١٣٦
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: المُحْصَر يبعثُ بهَدْيٍ؛ شاة فما فوقها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥١.
١٣٧
عن ابن وهْب، قال: أخبرني مالك أنه بَلَغَه: أنّ عبد الله بن عباس كان يقول: ما اسْتَيْسَر من الهدي: شاةٌ، قال مالك: وذلك أحبُّ إلَيَّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٥٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى قوله: ﴿فما استيسر من الهدي﴾؛ فقال قوم: هو شاة. وقال آخرون: الإبل والبقر سنٌّ دون سن. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧) القولَ الأولَ مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «لأن الله -جَلَّ ثناؤُه- إنّما أوْجَب ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، وذلك على كُلِّ ما تيسر للمُهْدِي أن يُهْدِيه كائنًا ما كان ذلك الذي يهدي، إلا أن يكون الله -جلَّ وعَزَّ- خَصَّ من ذلك شيئًا، فيكون ما خص من ذلك خارجًا من جُمْلَةِ ما احتمله ظاهرُ التنزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مُجْزِئًا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحق اسم هَدْيٍ». وكذا رَجَّحه ابنُ كثير (٢/ ٢٣٠) مستندًا إلى ظاهر الآية والسنة، فقال: «والدليل على صِحَّة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أنّ الله أوْجَبَ ذَبْحَ ما اسْتَيْسَر من الهدي، أي: مهما تَيَسَّر مِمّا يُسَمّى هَدْيًا، والهَدْيُ من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم الرسول - ﷺ -. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: أهدى النبيُّ - ﷺ - مرة غنمًا».
١٣٨
عن يونس، قال: كان أبو عمرو ابن العلاء يقول: لا أعلمُ في الكلام حرفًا يشبهه، أي: الهَدْي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٨.
١٣٩
عن مقاتل بن سليمان: ﴿فما استيسر من الهدي﴾، يعني: فلْيُقِم مُحْرِمًا مكانَه، ويبعث ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، أو بثَمَنِ الهَدْيِ؛ فيُشْتَرى له الهَدْيُ، فإذا نُحِرَ الهَدْيُ عنه فإنه يَحِلُّ من إحرامه مكانَه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧١.
١٤٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- أنّه قال في الـمُحْصَر: هو الخوفُ، والمرض، والحابسُ، إذا أصابه ذلك بَعَث بِهَدْيِه، فإذا بلغ الهَدْيُ مَحِلَّه حَلَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٣.
١٤١
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق ابن إسحاق- قال: لا إحْصار إلا مِن الحرب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٠٦.
١٤٢
عن مقاتل بن سليمان: ﴿فإن أحصرتم﴾ يقول: فإن حُبِسْتُم، كقوله سبحانه: ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة:٢٧٣] يعني: حُبِسوا. نظيرها أيضًا: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ [الإسراء:٨]، يعني: مَحْبَسًا. يقول: إن حَبَسَكم في إحرامكم بحج أو بعمرة كَسْرٌ، أو مرض، أو عدوٌّ عن المسجد الحرام ﴿فما استيسر من الهدي﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧١.
١٤٣
عن سفيان الثوري، قال: الإحصارُ مِن كلِّ شيءٍ آذاه١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٧).
١٤٤
عن ابن وهْب، قال: سُئِل مالك [بن أنس] عمَّن أُحصِر بعدوٍّ، وحِيل بينه وبين البيت. فقال: يَحِلُّ مِن كل شيء، ويَنْحر هَدْيَه، ويحلق رأسَه حيث حُبس، وليس عليه قضاء، إلا أن يكون لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يحج حَجَّة الإسلام. قال: والأمر عندنا فيمَن أُحْصِر بغير عدوٍّ -بمرض، أو ما أشبهه- أن يَتَداوى بما لا بُدَّ منه، ويَفْتَدِي، ثم يجعلها عُمرة، ويحج عامًا قابِلًا ويُهدِي١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِفَ في معنى الإحصار؛ فخصه قوم بالعِلَّة المانعة من المرض وأشباهه، غير القهر من غلبة غالب؛ فإنها تكون حصرًا لا إحصارًا، وأدخلوا فيه حبسَ العدو من باب القياس على المرض، لا بدلالة ظاهر الآية. وخصَّه آخرون بحصر العدو فقط. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٣٤٧-٣٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ الذي قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة، وإبراهيم، وابن عباس من طريق علي. وانتَقَد الثانيَ مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية، وسياقها، فقال: «فلذلك قيل: ﴿أحصرتم﴾ لَمّا أُسْقِط ذكرُ الخوف، والمرض. يُقال منه: أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأمّا إذا كان الحابس الرجل والإنسان؛ قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى: حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾: فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت؛ لوجب أن يكون: فإن حُصِرْتُم. ومِمّا يُبَيِّنُ صِحَّة ما قلناه قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، والأمنُ إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أنّ الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن حبسُ الحابس الذي ليس مع حبسه خوفٌ على النفس مِن حبسه داخِلًا في حكم الآية بظاهرها المَتْلُوِّ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجْهِ القياس؛ من أجل أنّ حَبْس مَن لا خوف على النفس مِن حبسه كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حُبِس ومُنِع عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام؛ غير داخل في ظاهر قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لِما وصفنا من أنّ معناه: فإن أحصركم خوفُ عدوٍّ، بدلالة قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، وقد بَيَّن الخبرُ الذي ذكرنا آنفًا عن ابن عباس أنّه قال: الحصر: حصر العدو. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعًا من الوصول إلى البيت؛ فكُلُّ مانعٍ عَرَض للمحرم فصَدَّه عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٤٧٢) مستندًا إلى اللغة، وأحوال النزول: «أنّ»حَصَر«إنما هي فيما أحاط وجاور، فقد يحصر العدو والماء ونحوه، ولا يحصر المرض، و»أحْصَرَ«معناه: جعل الشيء ذا حصر، كأقبر، وأحمى، وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون مُحْصرًا لا حاصِرًا، ألا ترى أنّ العدو كان محصرًا في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل».
١٤٥
عن علي بن أبي طالب -من طريق محمد بن علي- في قوله: ﴿فما استيسر من الهدي﴾، قال: شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٣٨٥، وسعيد بن منصور (٣٠١- تفسير)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٩٤، وابن جرير ٣‏/‏٣٥٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٦، والبيهقي في سننه ٥‏/‏٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤٦
عن عائشة، وابن عمر -من طريق القاسم بن محمد-: أنّهما كانا لا يَرَيانِ ما اسْتَيْسَر من الهدي إلا من الإبل والبقر، وكان ابن عباس يقول: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٩٤، وابن جرير ٣/ ٣٥٥، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤٧
عن عبد الله بن عمر -من طرق- ﴿فما استيسر من الهدي﴾، قال: بقرةٌ، أو جَزورٌ. قيل: أو ما يكفيه شاة؟ قال: لا١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٩٩، ٣١٣-٣١٧)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٩٤، وابن جرير ٣‏/‏٣٥٤-٣٥٦، والبيهقي ٥‏/‏٢٤. وعزاه السيوطي إلى الشافعي في الأم، ووكيع، وعبد بن حميد.
١٤٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد، وسعيد بن جبير- ﴿فما استيسر من الهدي﴾، قال: شاة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٩٨، ٣١١، ٣١٦- تفسير)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٩٣-٩٤، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٨-٣٥٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٦، والبيهقي ٥‏/‏٢٤، ٢٢٨. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٦-. وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عينية، ووكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- ﴿فما استيسر من الهدي﴾، قال: ما يَجِدُ، قد يَسْتَيْسِرُ على الرجل الجزورُ، والجزوران١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٣٠٠- تفسير). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وسفيان بن عينية، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد.
١٥٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق النعمان بن مالك- في الآية، قال: من الأزواج الثمانية؛ من الإبل، والبقر، والضأن، والمَعَز، على قدر الميسرة، وما عظَّمت فهو أفضل١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٣١١، ٣١٢- تفسير) وابن جرير ٣‏/‏٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٦. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٥١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿فما استيسر من الهدي﴾، قال: عليه هَدْيٌ؛ إن كان مُوسِرًا فمن الإبِل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٣ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧ من طريق طاووس.
١٥٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير- ﴿الهديُ﴾: شاة. فقيل له: لا يكون دون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تُصَدِّقون أنّ الهديَ شاةٌ، ما في الظَّبْيِ؟ قالوا: شاة. قال: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٣.
١٥٣
عن سعيد بن جبير، وسالم، والقاسم: أنّه من الإبِل، والبقر١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٧).
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّق ابنُ كثير (٢/ ٢٢٩) على هذا القول الذي قاله ابن عمر، وعائشة، وطاووس، ومجاهد من طريق ليث، وعروة، والقاسم، وسعيد بن جبير، وسالم، فقال: «والظاهرُ أنّ مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية؛ فإنه لم يُنقَل عن أحد منهم أنّه ذبح في تَحَلُّله ذاك شاةً، وإنّما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين، عن جابر، قال: أمَرَنا رسولُ الله - ﷺ - أن نشترك في الإبِل والبقر، كُلُّ سبعة منا في بقرة».
١٥٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾، قال: هو الرجل من أصحاب محمد كان يُحْبَسُ عن البيت، فيُهْدِي إلى البيت، ويَمْكُثُ على إحرامه حتى يَبْلُغَ الهديُ محلَّه، فإن بلغ الهديُ مَحِلَّه حَلَقَ رأسَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٦.
١٥٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد، وعطاء- أنّه قال: الحَصْرُ: حَصْرُ العدوِّ، فيبعثُ الرجلُ بهَدِيَّتِه، فإن كان لا يستطيع أن يَصِل إلى البيت من العدوِّ؛ فإن وجَد من يُبَلِّغها عنه إلى مكة فَإنَّه يبعث بها ويُحْرِم -قال أبو عاصم: لا ندري قال: يُحِرِم، أو يَحِلّ- من يوم يواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ ويعتمر، فإذا أصابه مَرَض يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ؛ فإنّه يَحِلُّ حيث يُحبَس، فإن كان معه هَدْيٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبلغ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بعث به فليس عليه أن يحجَّ قابِلًا ولا يعتمر، إلا أن يشاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٢٦-، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ جرير (٣/٣٤٧) حُجَّة مَن قال هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق عطاء، ومجاهد، وطاووس، ومالك بن أنس، فقال: «قالوا: فإنّما أنزل الله هذه الآية في حَصْرِ العدو، فلا يجوز أن يُصْرَف حكمُها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه. قالوا: وأمّا المريض، فإنه إذا لم يُطِق لمرضه السيرَ حتى فاتته عرفةُ؛ فإنما هو رجل فاته الحج، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به مَن فاته الحج، وليس من معنى المُحْصَر الذي نزلت هذه الآية في شأنه».
١٥٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس، ومجاهد- قال: لا حَصْرَ إلا حَصْرُ العدوِّ، فأمّا مَن أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء؛ إنّما قال الله: ﴿فإذا أمنتم﴾، فلا يكونُ الأمنُ إلا من الخوف١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في الأم ٢‏/‏١٣٩، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٠٥-٢٠٦، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٦. وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عينية، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٥٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس، ومجاهد- قال: لا إحْصارَ اليوم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٠.
١٥٨
عن عَلْقَمَةَ -من طريق إبراهيم- في قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾ الآية، يقول: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحج فأُحْصِر؛ بَعَثَ بما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ؛ شاة، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن جرير ٣/ ٣٥١، ٣٧٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٥ (١٧٦٦). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٥٩
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: لا إحْصار إلا مِن عَدُوٍّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٠٦.
١٦٠
عن عُرْوَة -من طريق هشام بن عُرْوَة- قال: كل شيء حبَسَ المحرمَ فهو إحصار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٠٦.
١٦١
عن ابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قالوا: الإحصارُ من عَدُوٍّ، أو مرض، أو كَسْر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٧) عن مقاتل، وعلَّقه عن الباقين.
١٦٢
عن إبراهيم النخعي -من طريق إبراهيم بن المهاجر- قال: الإحصارُ: المرضُ، والكسرُ، والخوفُ١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦١، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٣.
١٦٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: الحصرُ حبسٌ كُلُّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٢.
١٦٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿فإن أحصرتم﴾: يَمْرَضُ إنسانٌ، أو يُكْسَر، أو يَحْبِسُه أمرٌ فغلبه كائنًا ما كان١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٤ بنحوه، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٣، وفي لفظ عنده أيضًا: الحصرُ الحبسُ كلُّه.
١٦٥
عن طاووس، وزيد بن أسلم، قالا: لا حَصْرَ إلا حصرُ العدوِّ١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦ (عَقِب ١٧٦٨).
١٦٦
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيْج- قال: لا إحْصارَ إلا من مرض، أو عدوٍّ، أو أمرٍ حابِس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٠٦.
١٦٧
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله -جَلَّ وعَزَّ-: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، قال: الإحصارُ مِن كلِّ شيء يَحْبِسُه١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦١، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٧).
١٦٨
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: حَدَّثني الحجّاج بن عمرو الأنصاري أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَن كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخْرى». قال: فحدَّثْتُ ابنَ عباس وأبا هريرة بذلك، فقالا: صدق١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٤‏/‏٥٠٨-٥٠٩ (١٥٧٣١)، وأبو داود ٣‏/‏٢٥٣-٢٥٤ (١٨٦٢)، وابن ماجه ٤‏/‏٢٦٥-٢٦٦ (٣٠٧٧)، والترمذي ٢‏/‏٤٣٨ (٩٥٨)، والنسائي ٥‏/‏١٩٨ (٢٨٦٠، ٢٨٦١)، والحاكم ١‏/‏٦٤٢ (١٧٢٥)، ١‏/‏٦٥٧ (١٧٧٥)، وابن جرير ٣‏/‏٣٧٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥ (١٧٦٧). قال الحاكم: «حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه». وقال النووي في المجموع ٨‏/‏٣٠٩: «بأسانيد صحيحة». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٦‏/‏١١٧ (١٦٢٧): «إسناده صحيح».
١٦٩
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مجاهد- في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، قال: إذا أُحصِر الرجل من مرض أو كسر أو شبه ذلك بَعَثَ بهَدْيِه، ومكث على إحرامه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه ويُنحَر، ثم قد حَلَّ، ويرجع إلى أهله، وعليه الحج والعمرة جميعًا، وهَدْيٌ أيضًا. قال: فإن وصَل إلى البيت من وجْهِه ذلك فليس عليه إلا الحَجُّ مِن قابِل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥.
١٧٠
عن قتادة -من طريق مَعْمَر-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٥.
١٧١
عن عبد الرحمن بن القاسم، أنّ عائشة قالت: لا أعلم المُحْرِم يَحِلُّ بشيء دون البيت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٧٠.
١٧٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فإن أحصرتم﴾، يقول: مَن أحرم بحجٍّ أو عمرة، ثم حُبس عن البيت بمرض يُجْهِدُه، أو عدوٍّ يحبسه؛ فعليه ذَبْحُ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؛ شاةٌ فما فوقها، فإن كانت حَجَّةَ الإسلام فعليه قضاؤُها، وإن كانت بعد حجة الفريضة فلا قضاء عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٣-٣٤٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

آثار متعلقة بأحكام الآية

٢٧ قولًا
١
عن ابن عباس، أنّه سُئِل عن متعة الحاجِّ. فقال: أهَلَّ المهاجرون والأنصارُ وأزواجُ النبي ﷺ في حَجَّة الوداع، وأهلَلْنا، فلَمّا قدِمنا مكةَ قال رسول الله ﷺ: «اجْعَلوا إهلالكم بالحجِّ عُمْرةً، إلا مَن قلَّد الهَدْيَ». طُفْنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: «مَن قَلَّد الهَدْيَ فإنَّه لا يُحِلُّ حتى يبلغ الهَدْيُ مَحِلَّه». ثم أمرنا عَشِيَّة التَّرْوِيَة أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطُفْنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تَمَّ حجُّنا، وعلينا الهَدْيُ، كما قال الله: ﴿فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ إلى أمصاركم، والشاة تُجْزِئ، فجمعوا نُسُكين في عامٍ بين الحج والعمرة، فإنّ الله أنزله في كتابه، وسنَّه نبيُّه، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾. وأشهر الحج التي ذكر الله: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمَن تَمَتَّع في هذه الأشهر فعليه دمٌ أو صوم، والرفث: الجماع. والفسوق: المعاصي. والجدال: المِراء١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٤٤ (١٥٧٢).
٢
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الله بن دينار-: مَن اعْتَمَر في أشهر الحج؛ في شوال، أو ذي القعدة، أو ذي الحجة؛ فقد استمتع، ووجب عليه الهدي، أو الصيام إن لم يَجِدْ هَدْيًا١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٣٤٤، والبيهقي ٥‏/‏٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن ابن عمر، قال: قال عمر: إذا اعْتَمَر في أشهر الحج ثُمَّ أقام فهو مُتَمَتِّع، فإن رجع فليس بمُتَمَتِّع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٤.
٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق قتادة- قال: كان أصحابُ النبي ﷺ إذا اعتمروا في أشهر الحج، ثم لم يَحُجُّوا من عامهم ذلك؛ لم يُهْدُوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٥.
٥
عن سعيد بن المسيب -من طريق يحيى بن سعيد- قال: مَن اعتمر في شوال أو في ذي القعدة، ثم قام حتى يحج؛ فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمُتَمَتِّع، ذاك مَن أقام ولم يرجع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٤.
٦
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق أشعث، وعبد الملك- قال: مَنِ اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم حجَّ من عامه؛ فليس بمُتَمَتِّع، ذاك مَن أقام ولم يَرْجِع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٥.
٧
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ليث- في رجل اعْتَمَر في غير أشهر الحج، فساق هديًا تطوُّعًا، فقدم مكة في أشهر الحج، قال: إن لم يكن يريد الحجَّ فلينحر هَدْيَه، ثم ليرجع إن شاء، فإن هو نحر الهدي وحَلَّ، ثم بدا له أن يقيم حتى يحج؛ فلينحر هديًا آخر لمتعته، فإن لم يجد فليصم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٧.
٨
عن ابن أبي ليلى -من طريق عَنبَسَة-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤١٧.
٩
عن ابن عمر -من طريق سالم-، وعائشة -من طريق عروة- قالا: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ، إلا لِمُتَمَتِّع لم يَجِدْ هَدْيًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢٣، والبخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨)، وابن جرير ٣/ ٤٢٥، والدارقطني ٢/ ١٨٦، والبيهقي ٥/ ٢٥.
١٠
عن ابن عمر -من طريق سالم- قال: رَخَّص النبي ﷺ للمتمتع إذا لم يَجِدْ الهدْيَ، ولم يَصُم حتى فاتته أيام العشر؛ أن يصوم أيام التشريق مكانها١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٥‏/‏٣٦-٣٧ (٨٩٠٠)، والدارقطني ٣‏/‏١٥٧ (٢٢٨٣)، وابن جرير ٣‏/‏٤٢٧. قال البيهقي: «رواه يحيى بن سلام، وليس بالقوي».
١١
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق سفيان بن حسين- قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حُذافَة بن قيس، فنادى في أيام التشريق، فقال: «إنّ هذه أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله، إلا مَن كان عليه صومٌ من هدي»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٧-٤٢٨، ٥٥٥. قال ابن كثير ١‏/‏٥٦١ معلقًا على النص الأخير: «إلا من كان عليه صوم من هدي»: «زيادة حسنة، ولكن مرسلة».
١٢
عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن حُذافَة: أنّ رسول الله ﷺ أمره في رَهْطٍ أن يطوفوا في مِنى في حجة الوداع، فينادوا: «إنّ هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، فلا صوم فيهنَّ إلا صومًا في هَدْيٍ»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٣‏/‏١٥٩ (٢٢٨٩). قال الألباني في الضعيفة ١٢‏/‏٣٨٠ (٥٦٦٤): «منكر بذكر الاستثناء... إسناد ضعيف جِدًّا».
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار المذكورة اختلاف السلف في الثلاثة أيام التي أوجب الله على من لم يَجِد الهَدْيَ صيامَهُنَّ في بداية وقتها ونهايته؛ ففي ابتداء وقتها أربعة أقوال، الأول: له أن يصومهنَّ من أول أشهر الحج. الثاني: يصومهنَّ في عشر ذي الحجة دون غيرها. الثالث: له أن يصومهنَّ قبل الإحرام بالحج. الرابع: لا يجوز أن يصومهنَّ إلا بعدما يحرم بالحج. وفي آخر وقتها قولان، الأول: أن آخرهنَّ يوم عرفة. الثاني: أن آخرهنَّ انقضاء أيام منى. وبهذا يتضح أنّ الجميع متفق على جواز صيامهن فيما قبل يوم عرفة -مع اختلافهم في بدايتها-، وأنهم مختلفون في جواز ذلك بعد يوم عرفة. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٣/٤٣١ بتصرف) مستندًا إلى الدلالات العقلية قولَ عبيد بن عمير ومن وافقه مِن أنّ صيامهنَّ «مِن أولِ إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه إلى انقضاء آخر عمل حجه، وذلك بعد انقضاء أيام منى، سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه». ثم انتَقَدَ القولَ بجواز صيامهنَّ قبل الإحرام بالحج مستندًا إلى الدلالات العقلية، وعلَّل ذلك بأنّ الله عز وجل إنّما أوجب الصوم على من لم يَجِدْ هديًا مِمَّن استمتع بعمرته إلى حَجِّه، ولا يصدق عليه اسمُ المُتَمَتِّع إلا بعد الإحرام، فإذا استحق اسم متمتع لزمه الهَدْيُ، ثم الصوم عند عدم الهَدْيِ، ثم بَيَّن أنّ مَن صام تلك الأيام قبل دخوله في الحج فهو بمنزلة رَجُلٍ مُعْسِرٍ صام ثلاثة أيام ينوي بصومهنَّ كفارةً ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنّه غير مجزئ، ثم ذكر أنه لو ظنَّ ظانٌّ أنّ صوم من أراد التمتع قبل إحرامه مجزئٌ عنه، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها؛ فقد ظنَّ خطأً؛ لأنّ الله -جَلَّ ثناؤُه- جعل لليمين تحليلًا هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم تكفيرًا لِما يظنُّ أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه"".
١٣
عن أبي صالح ماهان الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ: «الحجُّ جهادٌ، والعمرة تَطَوُّعٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏٢٢٣ (١٣٦٤٧)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف ص٢٤٩-٢٥٠، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٠. وقد رُوِي عن أبي صالح، عن أبي هريرة مسندًا، وبيّن الدارقطني في العلل ١١‏/‏٢٢٨ أنّ الصواب المحفوظ فيه الإرسال، وقال البيهقي في الصغير ٢‏/‏١٤٣ (١٤٩٤): «حديث منقطع، لا تقوم به حجة، ورُوِي من أوْجُهٍ أخرَ ضعيفة موصولًا». وقال الألباني في الضعيفة ١‏/‏٣٥٨ (٢٠٠): «سند ضعيف؛ لإرساله».
١٤
عن طلحة بن عبيد الله، أنّه سَمِع رسول الله ﷺ يقول: «الحجُّ جهاد، والعمرة تَطَوُّعٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ٤‏/‏٢٠٢ (٢٩٨٩)، والجصّاص في أحكام القرآن ١‏/‏٣٣١، من طريق عمر بن قيس، قال: حدثني طلحة بن موسى، عن عمه إسحاق بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله به. قال ابن أبي حاتم في العِلَل ٣‏/‏٢٦٣ (٨٥٠): «قال أبي: هذا حديث باطل». وقال البوصيري في المصباح ٣‏/‏١٩٩ (٧٤٠١): «هذا إسناد ضعيف». وقال ابن حجر في التلخيص ٢‏/‏٤٩٥: «وإسناده ضعيف». وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٤‏/‏٣٣٣: «إسناد ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١‏/‏٣٥٨ (٢٠٠): «ضعيف».
١٥
عن جابر بن عبد الله، أنّ رجلًا سألَ رسولَ الله ﷺ عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: «لا، وأن تَعْتَمِروا خيرٌ لكم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٢‏/‏٢٩٠ (١٤٣٩٧)، ٢٣‏/‏١٣٨ (١٤٨٤٥)، والترمذي ٢‏/‏٤٣١-٤٣٢ (٩٤٩)، وابن خزيمة ٤‏/‏٥٩٨ (٣٠٦٨)، وابن جرير ٣‏/‏٣٤٠. وأورده الثعلبي ٢‏/‏٩٦. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الدارقطني في السنن ٢‏/‏٢٨٥: «رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج، وحجاج عن ابن المنكدر، عن جابر موقوفًا، من قول جابر». وقال البيهقي في السنن الصغرى ٣‏/‏٥١٧: «هذا هو المحفوظ موقوف، ورُوي= = مرفوعًا، ورفعه ضعيف». وقال ابن الجوزي في التحقيق ٢‏/‏١٢٤: «حديث ضعيف». وفي تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٢‏/‏٤٠٧: «وقد ضَعَّفه الإمامُ أحمد في رواية ابن هانئ عنه... وقال الشافعي: وقد روي عن النبي، وهو ضعيف لا يقوم بمثله الحجة». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٥٩٧: «الحجاج ضعيف». وأورده الألباني في الضعيفة ٨‏/‏٢٠: «والحجاج بن أرطاة مُدَلِّس، وقد عَنْعَنَه».
١٦
عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الحجَّ والعمرةَ فريضتان، لا يضُرُّك بأيهما بدأتَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٦٤٣ (١٧٣٠). قال الحاكم: «والصحيح عن زيد بن ثابت قوله». قال ابن الجوزي في التحقيق ٢‏/‏١٢٣ (١٢٢٦): «في هذا الإسناد إسماعيل بن مسلم؛ قال أحمد: هو مُنكَر الحديث. وقال يحيى: لم يزل مُخْتَلِطًا، وليس بشيء. وقال ابن المديني: لا يُكْتَب حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث. وفي الإسناد محمد بن كثير؛ قال أحمد: حرقنا حديثه. وقال ابن المديني: خططت على حديثه». وقال الذهبي في تنقيح التحقيق ٢‏/‏١٥: «إسناده ساقط». وقال ابن المُلَقِّن في البدر المنير ٦‏/‏٦٠: «إسناد ضعيف». وقال ابن حجر في الدراية ٢‏/‏٤٧ (٥١٤): «وإسناده ضعيف، والمحفوظ عن زيد بن ثابت موقوف؛ أخرجه البيهقي بإسناد صحيح». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٥٠٥: «إسناد ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ٨‏/‏١٩ (٣٥٢٠): «ضعيف».
١٧
عن عبد الله بن أبي بكر: أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حَزْم: «إنّ العمرة هي الحجُّ الأصغرُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في الأم ٢‏/‏١٤٥ واللفظ له، وابن حبان ١٤‏/‏٥٠١-٥٠٤ (٦٥٥٩)، والحاكم ١‏/‏٣٥٣ (١٤٧٤) مُطَوَّلًا من طريق سليمان بن داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده به. قال الحاكم: «هذا حديث كبير مفسّر في هذا الباب، يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وإمام العلماء في عصره محمد ابن مسلم الزهري بالصحة». وقال البيهقي في السنن الكبير ٤‏/‏٩٠: «وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقات موصول الإسناد حسنًا».
١٨
عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: أوْصِنِي. قال: «تعبدُ الله، ولا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج، وتعتمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسر»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧‏/‏٨٣ (٢٦٥٨)، والبيهقي في الشعب ٥‏/‏٤٤١-٤٤٢ (٣٦٩٠). قال ابن حبان في كتاب المجروحين ١‏/‏٣٢٣ عَقِب ذكر الحديث: «وهذا خطأ فاحش؛ إنّما روى عبيد الله بن عمر هذا الكلام عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عمر قوله». وذكره ابن عدي في الكامل ٣‏/‏٣٩٩ من مرسل الحسن عن عمر موقوفًا عليه من قوله، ثم قال: «وهذا بإرساله أصح». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢‏/‏١٤٨ (٣٢٢٧) في ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: «ومن مناكيره...» ثم ذكر هذا الحديث.
١٩
عن أبي رَزِين العُقَيْلِيّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، إنّ أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحجَّ، ولا العمرة، ولا الظَّعَن، وقد أدركه الإسلام، أفأَحُجُّ عنه؟ قال: «حُجَّ عن أبيك، واعْتَمِر»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٦‏/‏١٠٣-١٠٤ (١٦١٨٤)، ٢٦‏/‏١٠٥ (١٦١٨٥)، ٢٦‏/‏١١٠ (١٦١٩٠)، ٢٦‏/‏١١٧ (١٦١٩٩)، ٢٦‏/‏١١٩ (١٦٢٠٣)، وأبو داود ٣‏/‏٢١٧ (١٨١٠)، والترمذي ٢‏/‏٤٣٠-٤٣١ (٩٤٧)، والنسائي ٥‏/‏١١١ (٢٦٢١)، ٥‏/‏١١٧ (٢٦٣٧)، وابن ماجه ٤‏/‏١٤٩ (٢٩٠٦)، وابن خزيمة ٤‏/‏٥٨٠ (٣٠٤٠)، وابن حبان ٩‏/‏٣٠٤ (٣٩٩١)، والحاكم ١‏/‏٦٥٤ (١٧٦٨)، وابن جرير ٣‏/‏٣٣٩. وأورده الثعلبي ٢‏/‏٩٧. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الدارقطني في السنن ٣‏/‏٣٤٣ (٢٧١٠): «كلهم ثقات». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٧‏/‏٥٧ (٩٢٨٥): «وقد روينا عن أحمد بن حنبل أنّه قال: لا أعلمُ في إيجاب العمرة حديثًا أجْوَدَ من هذا، ولا أصَحَّ منه». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٦‏/‏٧٥ (١٥٨٨): «إسناده صحيح».
٢٠
عن عبد الله بن مسعود -من طريق إبراهيم- قال: الحجُّ فريضةٌ، والعمرةُ تطوّعٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢١
عن ابن سيرين: أنّ زيد بن ثابت سُئِلَ عن العمرة قبل الحج. قال: صلاتان -وفي لفظ: نُسُكان- لله عليك، لا يضُرُّك بأيِّهما بدأتَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١، والحاكم ١‏/‏٤٧١.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: العمرةُ واجبةٌ كوجوب الحجِّ، مَن استطاع إليه سبيلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٢‏/‏٢٨٥، والحاكم ١‏/‏٤٧١، والبيهقي ٤‏/‏٣٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: العمرةُ الحجَّةُ الصُّغْرى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤.
٢٤
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: العمرةُ واجبةٌ، ليس أحدٌ مِن خلق الله إلا عليه حجَّةٌ وعُمْرةٌ واجبتان، من استطاع إلى ذلك سبيلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١، والحاكم ١‏/‏٤٧١. وعزاه السيوطي عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن أبي رباح- قال: الحجُّ والعمرةُ فريضتان على الناس كلهم، إلا أهل مكة، فإنّ عمرتَهم طوافُهم، فمَن جعل بينه وبين الحرم بَطْنَ وادٍ فلا يدخل مكة إلا بإحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٨، والحاكم ١‏/‏٤٧١.
٢٦
عن طاووس، قال: العمرةُ على الناس كلهم، إلا على أهل مكة، فإنها ليست عليهم عمرة، إلا أن يَقْدَمَ أحدٌ منهم من أُفُقٍ مِن الآفاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٢٧
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- قال: ليس على أهل مكة عمرةٌ، إنّما يعتمر مَن زار البيت ليَطُوف به، وأهل مكة يطوفون متى شاؤوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٨٨.

تفسير الآية

٧٤ قولًا
١
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- في قوله: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: آخرهن يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٠، وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠)، وهو ساقط من المطبوعة، واستدركته من الرسالة المحققة المرقومة بالآلة الكاتبة ص٤٧٢.
٢
عن شعبة، قال: سألتُ الحكم [بن عُتَيبة] عن صوم ثلاثة أيام في الحج. قال: يصوم قبل التروية يومًا، ويوم التروية، ويوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠).
٣
عن ابن أبي نجيح، عن عطاء [بن أبي رباح]، قال: يصوم المتمتع الثلاثةَ الأيام لمتعته في العشر إلى يوم عرفة، قال: وسمعت مجاهدًا، وطاووسًا يقولان: إذا صامهنَّ في أشهر الحج أجزأه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٤٢١.
٤
عن أبي جعفر محمد بن علي -من طريق زياد بن المنذر- ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: آخرها يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠).
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: كان يُقال: عرفة وما قبلها يومين من العشر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٢.
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: آخرها يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٢.
٧
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: عرفة وما قبلها من العشر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٢).
٨
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٢).
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن لم يجد﴾ الهَدْيَ فلْيَصُمْ، ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ في عشر الأضحى؛ في أول يومٍ من العشر إلى يوم عرفة، فإن كان يومُ عرفة يومَ الثالث تمَّ صومه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: الصيامُ للمُتَمَتِّع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٠.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في الآية، قال: إذا لم يجد المتمتعُ بالعمرة هديًا فعليه صيامُ ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يومُ عرفةَ الثالثَ فقد تمَّ صومُه، وسبعةً إذا رجع إلى أهله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٣.
١٢
عن أبي جَمْرَة: أنّ رجلًا قال لابن عباس: تمتعتُ بالعمرة إلى الحج، ولي أربعون درهمًا، فيها كذا، وفيها كذا، وفيها نفقة. فقال: صُمْ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٣
وعن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- في قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: يومٌ قبلَ التَّرْوِيَة، ويومُ التروية، ويومُ عرفة، وإذا فاته صيامُها صامَها أيام منى؛ فإنّهُنَّ من الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٣، وابن جرير ٣‏/‏٤٢٠، كما أخرج يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٨- نحوه، وعبد الرزاق ١‏/‏٧٧ كلاهما من طريق سالم. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٤
وعن علقمة -من طريق إبراهيم-، ومجاهد -من طريق يزيد-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١ - ٣.
١٥
عن عبيد بن عمير -من طريق وبْرَة- قال: يصوم أيام التشريق، يعني: قوله: ﴿فصيام ثلاثة ايام في الحج﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏٣، وابن جرير ٣‏/‏٤٢٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (١٨٠٣).
١٦
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بشر- أنّه قال في المُتَمَتِّع إذا لم يجد الهَدْيَ: صام يومًا قبل يوم التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - ٣٢٢)، وابن جرير ٣‏/‏٤٢١، كما أخرج ابن أبي شيبة ٤‏/‏٢ نحوه من طريق حبيب.
١٧
عن عروة بن الزبير -من طريق حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة- قال: المُتَمَتِّعُ يصوم قبل التروية يومًا، ويومَ التروية، ويومَ عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٣).
١٨
عن عروة بن الزبير -من طريق حماد، عن هشام بن عروة- في هذه الآية: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: هي أيام التشريق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٥.
١٩
عن إبراهيم النَّخَعِيِّ -من طريق الأعمش- ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، أنّه قال: آخرُها يومُ عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢٠، ٤٢٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠).
٢٠
عن مجاهد بن جبر، وإبراهيم النخعي -من طريق منصور- قالا: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ آخرُهُنَّ عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣، وابن جرير ٣/ ٤٢٣. وكلام مجاهد في تفسيره ص ٢٢٧ من طريق ابن أبي نجيح.
٢١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: صوم ثلاثة أيام للمتمتع، إذا لم يجد ما يُهْدِي يصومُ في العشر إلى يوم عرفة، متى ما صام أجزأه، فإن صام الرجلُ في شوال أو ذي القعدة أجْزَأَهُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٤٢١.
٢٢
عن مجاهد بن جبر، وطاووس -من طريق ابن أبي نَجِيح- قالا: لا بأسَ للمتمتع أن يصوم يومًا من شوال، ويومًا من ذي القعدة، وآخرها يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٣ (١٨٠٤).
٢٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- في قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾، قال: صيام ثلاثة أيام، يعني: أيام العشر من حين يحرم، آخرها يوم عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٧٦. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٢).
٢٤
عن عامر الشعبي -من طريق داود- في هذه الآية: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾. قال: قبل يوم التروية يومًا، ويومَ التروية، ويومَ عرفة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٦٣٥ (١٥٣٨٧)، وابن جرير ٣‏/‏٤٢٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠).
٢٥
وعن الضحاك بن مُزاحِم، وحماد [بن أبي سليمان]، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٠)، وهو ساقط من المطبوعة، واستُدرِك من الرسالة المحققة المرقومة بالآلة الكاتبة ص ٤٧٢.
٢٦
عن عائشة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن لَمْ يكن معه هديٌ فلْيَصُمْ ثلاثةَ أيام قبل يوم النحر، ومَن لم يكُن صام تلك الثلاثة أيام فلْيَصُمْ أيّامَ التشريق؛ أيامَ مِنى»١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارقطني ٣‏/‏١٥٨ (٢٢٨٦). قال الدارقطني: «يحيى بن أبي أنيسة ضعيف». وقال ابن المُلَقِّن في البدر المنير ٥‏/‏٦٨١-٦٨٢: «ويحيى هذا متروك، كما قاله أحمد وغيره، وقال عمرو بن علي: كان صدوقًا، لكنَّه كان يهم».
٢٧
عن علي بن أبي طالب -من طريق محمد بن علي- ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، قال: قَبْل التروية يومٌ، ويومُ التروية، ويومُ عرفة، فإن فاتَتْهُ صامَهُنَّ أيامَ التشريق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٤‏/‏١، وابن جرير ٣‏/‏٤١٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢، والبيهقي ٥‏/‏٢٥. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٢٨
وعن عائشة -من طريق عروة بن الزبير- قالت: الصيامُ لِمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إلى الحجِّ لِمَن لم يجد هديًا ما بين أن يُهِلَّ بالحجِّ إلى يوم عرفة، فإن لم يَصُمْ صام أيام مِنى١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٤٢٦، والشافعي في الأم ٢‏/‏٢٠٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤٢ (١٨٠١).
٢٩
وعن عبد الله بن عمر -من طريق سالم بن عبد الله-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٤٢٦.
٣٠
عن الحسن البصري، والمسيب بن رافع، وأبي جعفر، نحو قول عائشة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤٢ (عَقِب ١٨٠٢).
٣١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ الرجل يحرم، ثم يخرج فيُحْصَر؛ إما بلدغ، وإما بمرض فلا يطيق السير، وإما تنكسر راحلته، فإنه يقيم، ثم يبعث بهَدْيِ شاة فما فوقها. فإن هو صَحَّ فسار فأَدْرَك فليس عليه هَدْيٌ، وإن فاته الحج فإنها تكون عمرة، وعليه من قابِلٍ حجة، وإن هو رجع لم يزل مُحْرِمًا حتى ينحر عنه يوم النحر، فإن هو بلغه أنّ صاحبه لم ينحر عنه عاد مُحْرِمًا، وبعث بهَدْيٍ آخر، فواعد صاحبه يوم ينحر عنه، فتنحر عنه بمكة، ويَحِلّ، وعليه من قابِلٍ حَجَّةٌ وعُمْرَة، ومِن الناس مَن يقول: عمرتان. وإن كان أحرم بعمرة، ثم رجع، وبعث بهديه، فعليه من قابل عمرتان، وأناس يقولون: لا، بل ثلاث عمر، نحوًا مِمّا صنعوا في الحج حين صنعوا، عليه حجة وعمرتان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٧.
٣٢
عن مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ في الإحرام ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ يعني: حتى يدخل الهَدْيُ مكة، فإذا نُحِر الهديُ حَلَّ مِن إحرامه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧١.
٣٣
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾: يعني بذلك: صاحب الحصر لا يحلق رأسه، ولا يَحِلُّ حتى يبلغ الهدي محله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧.
٣٤
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿حتى يبلغ الهدى محله﴾: ومحله: مكة، فإذا بلغ الهدْيُ مكة حَلَّ من إحرامه، وحلق رأسه، وعليه الحج من قابل، وذلك عن عطاء بن أبي رباح١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اخْتُلِف في محل الهَدْيِ الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أُحْصِر فيه؛ فقال قوم: هو حيث حُصِر إن كان حصره بعدو، وإلا فالطواف والسعي. وقال آخرون: هو الحرم، ولا محل غيره. وقال غيرهم: ليس للمحصر بالمرض وغيره الإحلال إلا بالطواف بالبيت والسعي إن فاته الحج، وإن أطاق شهود المشاهد فإنه غير محصر، وأما العمرة فلا إحصار فيها. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥) القولَ الأول الذي قاله ابن عمر، وابن الزبير، والحكم، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس، مستندًا إلى السنة، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قولُ من قال: إنّ الله - عز وجل - عنى بقوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ كُلَّ مُحْصَرٍ في إحرام؛ بعمرة كان إحرام المُحْصَر أو بحج، وجعل مَحِلَّ هَدْيِه الموضعَ الذي أُحْصِر فيه، وجَعَل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هَدْيِه مَحِلَّه، وتأول بالمحل المنحر، أو المذبح، وذلك حين حل نحره أو ذبحه؛ في حرم كان أو في حل، وألزمه قضاءَ ما حَلَّ منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلًا، وذلك لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه صُدَّ عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة، فنحر هو وأصحابه بأمره الهَدْيَ، وحَلُّوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حَلُّوا منه في العام الذي بعده». وذكر ابنُ جرير (٣/ ٣٦٠) أنّ هذا القول قولُ مَن قال: الإحصارُ إحصارُ العدوِّ دون غيره. وانتَقَد (٣/ ٣٧٧) القولَ الأخير مستندًا لمخالفته السُّنَة، فقال: «وأمّا الذين قالوا: لا إحصار في العمرة؛ فإنه يُقال لهم: قد علمتم أنّ النبي - ﷺ - إنما صُدَّ عن البيت وهو محرم بالعمرة، فحَلَّ من إحرامه، فما برهانكم على ألّا إحصار فيها؟».
٣٥
عن ناجية بن جُندُب الأسلمي، قال: أتيتُ النبي ﷺ حين صُدَّ الهَدْيُ، فقلتُ: يا رسول الله، ابعث معي بالهَدْيِ فلْنَنْحَرْهُ بالحرم. قال: «كيف تصنع به؟». قلتُ: آخذ به أوديةً فلا يقدِرون عليه. فانطلقت به حتى نحرتُه بالحرم١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في الكبرى ٤‏/‏٢٠٦ (٤١٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢‏/‏٢٤٢، وابن جرير ٣‏/‏٣٦٨-٣٦٩ من طريق إسرائيل، عن مجزأة، قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي به. وقد رواه عن إسرائيل -في إسناد الطحاوي والطبري- مخول بن إبراهيم النهدي الحناط، وهو صدوق، ومثله لا يحتمل التفرد، قال ابن كثير في البداية والنهاية ٦‏/‏٦ تعليقًا على حديثٍ رواه مخول: «قال الحافظ البيهقي...: يأتي بأفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيرُه، والضعف على رواياته بَيِّنٌ ظاهر». وقد تابعه عبيد الله بن موسى كما عند النسائي، ومحمد بن عمرو بن محمد المنقري كما عند أبي نعيم. ينظر: الإصابة لابن حجر ٦‏/‏٤٠٠.
٣٦
عن عبد الرحمن بن يزيد: أنّ عمير بن سعيد النخعي أهَلَّ بعمرة، فلما بلغ ذات الشُّقُوقِ لُدِغ بها، فخرج أصحابه إلى الطريق يَتَشَرَّفُون الناس، فإذا هم بابن مسعود، فذكروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعلوا بينكم يوم أمارٍ، فإذا ذبح الهَدْي فليُحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٤.
٣٧
عن عبد الله بن سلمة، قال: سُئِل علي رضي الله عنه عن قول الله عز وجل: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾. [فقال]: فإذا أُحْصِر الحاجُّ بعث بالهَدْيِ، فإذا نحر عنه حلَّ، ولا يَحِلُّ حتى ينحر هَدْيه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٣/٣٦٨) هذا القول الذي قاله عمير بن سعيد النخعي، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعلي، وعطاء، والسدي، فقال: «وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالة: أنّ الله -جَلَّ وعَزَّ- ذكر البُدْنَ والهدايا، فقال: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج:٣٢-٣٣]، فجعل مَحِلَّها الحرمَ، ولا مَحِلَّ للهَدْيِ دونه. قالوا: وأمّا ما ادعاه المحتجون بنحر النبي ﷺ هداياه بالحديبية حين صُدَّ عن البيت؛ فليس ذلك بالقول المُجْتَمَع عليه، وذلك أنّ الفضل بن سهل حدثني... عن ناجية بن جندب الأسلمي، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ حين صُدَّ عن الهَدْيِ، فقلت: يا رسول الله، ابعث معي بالهدي فلننحره بالحرم. قال: «كيف تصنع به؟». قلتُ: آخذ به أوديةً فلا يقدرون عليه. فانطلقت به حتى نحرته بالحرم. قالوا: فقد بَيَّن هذا الخبرُ أنّ النبي ﷺ نحر هداياه في الحرم، فلا حُجَّة لمحتج بنحره بالحديبية في غير الحرم».
٣٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة-: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، فإذا كان أحرم بالحج فمحِلُّه يوم النحر، وإن كان أحرم بعمرة فمَحِلُّ هَدْيِه إذا أتى البيت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٦٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وقد تقدم أوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾.
٣٩
عن عبد الله بن عباس، قال: إنّما البدلُ على مَن نَقَض حجَّه بالتَّلَذُّذ، وأمّا مَن حبسه عذرٌ أو غير ذلك فإنه لا يَحِلُّ ولا يرجع، وإن كان معه هَدْيٌ وهو مُحْصَر نحَره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يَحِلَّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه١
التخريج
  1. ١علَّقه البخاري، كتاب المحصر، باب من قال: ليس على المحصر بدل (عَقِب ١٨١٢).
٤٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد، وعطاء بن أبي رباح- قال: الحصر حصر العدو، فيبعث بهديه إن كان لا يصل إلى البيت من العدو؛ فإن وجد من يُبْلِغُها عنه إلى مكة بعثها، وأقام مكانه على إحرامه، وواعده، فإن أمن فعليه أن يحج ويعتمر، فإن أصابه مرض يحبسه، وليس معه هدي؛ حلَّ حيث حُبِس، وإن كان معه هدي لا يحل حتى يبلغ محله، وليس عليه أن يحج من قابل، ولا يعتمر إلا أن يشاء١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٦، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٥.
٤١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عثمان بن حاضِر- قال: إنّ أهل الحديبية أُمِرُوا بإبدال الهَدْيِ في العام الذي دخلوا فيه مكة، فأبدلوا، وعَزَّت الإبل، فرَخَّص لهم فيمن لا يجد بَدَنَةً في اشتراء بقرة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٤٨٥.
٤٢
عن أبي حاضِرٍ الحِمْيَرِيِّ، قال: خرجت معتمرًا عام حُوصِر ابنُ الزبير ومعي هَدْيٌ، فمُنِعنا أن ندخل الحرم، فنحرت الهَدْيَ مكاني، وأَحْلَلْتُ، فلمّا كان العام المقبل خرجتُ لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس، فسألتُه، فقال: أبْدِلِ الهَدْيَ؛ فإنّ رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يُبْدِلُوا الهَدْيَ الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٤٨٦.
٤٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّ رجلًا أتاه، فقال: يا أبا عباس... أذبحُ قبل أن أحلق، أو أحلق قبل أن أذبح؟ فقال ابن عباس: خذ ذلك من قِبَل القرآن؛ فإنّه أجدر أن تحفظ، ... قال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، فقال بالذبح قبل الحلق...١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٥١٧ (١٤٩١٦).
٤٤
عن عَلْقَمَة -من طريق إبراهيم- في قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، يقول: فإنْ عجَّل قبل أن يبلغ الهَدْيُ مَحِلَّه، فحلق رأسه، أو مَسَّ طيبًا، أو تداوى بدواء؛ كان عليه فِدْيَةٌ من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصُعٍ على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنُّسُك شاة، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٧ - تفسير)، وابن جرير ٣/ ٣٧٨، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٧ (١٧٧٦).
٤٥
عن إبراهيم [النخعي]، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابنُ أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧ (عَقِب ١٧٧٦).
٤٦
عن إبراهيم [النخعي] -من طريق الأعمش- قال: إذا حلق قبل أن يذبح أهْرَقَ لذلك دمًا. ثم قرأ: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ٨‏/‏٥٨٦ (١٥١٩٠).
٤٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح-: ولا يحلق رأسه، ولا يحل حتى يوم النحر١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٢٤، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٤٣.
٤٨
عن خالد بن أبي عمران، قال: سألت القاسم [بن محمد]، وسالِم [بن عبد الله بن عمر] عن قول الله: ﴿حتى يبلغ الهدى محله﴾. قالا: حتى يُنْحَر الهَدْيُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع- تفسير القرآن ١/ ١٠٤ (٢٣٧)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦.
٤٩
عن علقمة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٧ (عَقِب ١٧٧٧).
٥٠
قال عطاء: كلُّ هَدْيٍ بلغ الحرم ثم عَطِب فقد بلغ مَحِلَّه، إلا هدي المُتْعَةِ، والمُحْصَر١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٧.
٥١
عن ابن أبي نَجِيح، قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول: مَن حُبِس في عمرته، فبعث بهَدْيِه، فعُرِض لها؛ فإنه يتصدق ويصوم، ومن اعترض لهديه وهو حاجٌّ فإنّ مَحِلَّ الهديِ يوم النحر١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٢٦-.
٥٢
عن المِسْوَر: أنّ رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٩ (١٨١١).
٥٣
عن ابن عمر، قال: لَمّا كان الهَدْيُ دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية؛ عَرَض له المشركون، فرَدُّوا وجهه. قال: فنحر النبي ﷺ الهَدْيَ حيث حبسوه -وهي الحديبية- وحلق، ... وتأسّى به أناسٌ؛ فحلقوا حين رأوه حلق، وتربص آخرون، فقالوا: لعلَّنا نطوف بالبيت. فقال رسول الله ﷺ: «رَحِم الله المُحَلِّقِين». قيل: والمقصرين؟ قال: «رَحِم الله المُحَلِّقِين». قيل: والمُقَصِّرين. قال: «والمُقَصِّرين»١
التخريج
  1. ١أخرجه بهذا السياق ابن أبي شيبة ٧‏/‏٣٨٩-٣٩٠ (٣٦٨٥٨)، وابن جرير ٣‏/‏٣٦٢ (٢١‏/‏٢٩٥)، من طريق موسى بن عبيدة، قال: أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ، عن ابن عمر به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه موسى بن عبيدة، وهو الربذي، قال الذهبي في المغني ٢‏/‏٦٨٥: «مشهور، ضعّفوه، وقال أحمد: لا يحل الرواية عنه». وتنظر ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي ٢٩‏/‏١٠٤. وأًصل حديث ابن عمر في دعاء النبي ﷺ للمحلقين والمقصرين أخرجه البخاري ٢‏/‏٢١٣ (١٧٢٨)، ومسلم ٢‏/‏٩٤٦ (١٣٠١).
٥٤
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة ومروان بن الحكم، قالا: لَمّا كتب رسول الله ﷺ القَضِيَّة بينه وبين مشركي قريش -وذلك بالحديبية، عام الحديبية- قال لأصحابه: «قوموا فانحروا، واحلقوا».... قال: فواللهِ، ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلَمّا لم يقم منهم أحد قام فدخل على أُمِّ سَلَمَة، فذكر ذلك لها، فقالت أُمُّ سلمة: يا نبي الله، اخرُجْ، ثم لا تُكلِّم أحدًا منهم بكلمة، حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حلاَّقك فتحلق. فقام فخرج، فلم يُكلِّم منهم أحدًا حتى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٩٣-١٩٧ (٢٧٣١) مطولًا، وابن جرير ٣‏/‏٣٦٢-٣٦٣. وأورده الثعلبي ٢‏/‏١٠٠.
٥٥
عن عبد الله بن عباس، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٣ (عَقِب ١٧٥٥).
٥٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في الآية، قال: مَن أحرم بحجٍّ أو عمرة فليس له أن يَحِلَّ حتى يُتِمَّها. تمامُ الحجِّ يومَ النحر إذا رَمى جمرة العقبة، وزار البيت؛ فقد حلَّ، وتمامُ العمرة إذا طاف بالبيت، وبالصفا والمروة؛ فقد حلَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٢٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قوله -تبارك وتعالى-: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، قال: الحجُّ عرفات، والعمرة البيت١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٠، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤ (١٧٦٠) من طريق زرارة، ولفظه: الحج عرفة، والعمرة الطواف.
٥٨
عن إبراهيم، عن علقمة، قال: في قراءة ابن مسعود: (وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ): لا يُجاوِزُ بالعمرة البيتَ؛ الحجُّ المناسكُ، والعمرةُ البيتُ والصفا والمروةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٦٣-١٦٤، وسعيد بن منصور (٢٨٧- تفسير)، وابن جرير ٣‏/‏٣٢٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري. وعنده: عن علقمة، وإبراهيم من قولهما.
٥٩
عن إبراهيم -في الأثر السابق- قال: فذكرتُ ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٢٨.
٦٠
عن سعيد بن جبير -من طريق محمد بن سُوقَة- قال: إتمامُهما: أن يُهِلَّ من بيته١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٠ واللفظ له، وابن جرير ٣‏/‏٣٣٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٣ (عَقِب ١٧٥٥).
٦١
عن إبراهيم -من طريق منصور- ﴿وأتِموا الحجّ والعمرة لله﴾، قال: تَقْضي مناسكَ الحجِّ؛ عرفة والمزدلفة ومواطنَها، والعمرة للبيت؛ إنما تَطوف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة، ثم تَحِلُّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٢٩.
٦٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- قال: تمامُهما: ما أمَرَ اللهُ فيهما١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهو في تفسير مجاهد ص٢٢٤ من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: يعني: أمروا به فيهما.
٦٣
وقال الضَّحّاك بن مُزاحِم: إتمامُها: أن تكون النفقة حلالًا، وينتهي عمّا نهى الله عنه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٩٥، وتفسير البغوي ١‏/‏٢١٧.
٦٤
عن طاووس -من طريق سليمان بن موسى- في قوله -جَلَّ وعَزَّ-: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، قال: تمامُهما: أن تفردَهما مُؤْتَنِفَتَيْن من أهلك١
التخريج
  1. ١أخرجه الثوري في تفسيره ص٦٠، وابن جرير ٣‏/‏٣٣٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٣ (عَقِب ١٧٥٥).
٦٥
عن ابن عون، قال: سمعتُ القاسم بن محمد يقول: إنّ العمرة في أشهر الحج ليست بتامَّة. قال: فقيل له: العمرة في المحرَّم؟ قال: كانوا يَرَونها تامَّة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣١.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢٢٤-٢٢٥) هذا القول الذي قاله القاسم بن محمد، وقتادة من طريق سعيد، مُسْتَنِدًا لمخالفته السنة، فقال: «وهذا القول فيه نظر؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجُعُرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته، أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تَعْدِل حَجَّةً معي». وما ذاك إلا لأنها [كانت] قد عَزَمَتْ على الحج معه عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطُّهْر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها». وعَلَّق عليه ابنُ عطية (١/٤٧٠) بقوله: «وهذا مبنيٌّ على أنّ الدم في الحج والعمرة جَبْرُ نَقْصٍ».
٦٦
عن مَكْحُول -من طريق ابن جابر- أنّه سُئِل عن قول الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. فقال: إتمامُهما: إنشاؤهما جميعًا من الميقات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٣ (١٧٥٦).
٦٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وأتِمُّوا الحجَّ والعمرة لله﴾، قال: تمامُ العُمْرة ما كان في غير أشهر الحج، وما كان في أشهر الحج ثُمَّ أقام حتى يَحُجَّ فهي مُتعة، عليه فيها الهْديُ إن وجَد، وإلّا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رَجع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٠.
٦٨
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، يقول: أقيموا الحج والعمرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤ (١٧٥٧).
٦٩
عن مقاتل بن سليمان: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ من المواقيت، ولا تَسْتَحِلُّوا فيهما ما لا ينبغي لكم، فريضتان واجبتان، ويُقال: العمرة هي الحج الأصغر. وتمامُ الحجِّ والعمرةِ المواقيتُ، والإحرامُ خالصًا لا يُخالِطُه شيء من أمر الدنيا، وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا يُشْرِكون في إحرامهم؛ فأمر الله عز وجل النبيَّ ﷺ والمسلمين أن يُتِمُّوهما لله، فقال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، وهو ألّا يخلِطُوهما بشيء، ثم خَوَّفهم أن يَسْتَحِلُّوا منهما ما لا ينبغي، فقال سبحانه في آخر الآية: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٠.
٧٠
عن سفيان -من طريق الحسين، عن رجل- قال: هو -يعني: تمامهما- أن تَخْرُج مِن أهلك لا تريد إلا الحجَّ والعمرة، وتُهِلّ من الميقات، ليس أن تخرُج لتجارةٍ ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلتَ: لو حججتُ أو اعتمرتُ. وذلك يُجْزِئُ، ولكن التمّام أن تخرُج له لا تخرُج لغيره١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣١.
٧١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله تعالى: ﴿وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله﴾، قال: ليس من الخلقِ أحدٌ ينبغي له إذا دَخَل في أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا لم ينبغِ له أن يُفْطِر في نصف النهار١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣١.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى الإتمام؛ فقال قوم: معنى ذلك: أتِمُّوا الحجَّ بمناسكه، وسننه، وأتِمُّوا العمرة بحدودها، وسُنَنِها. وقال آخرون: تمامُهما أن تحرم بهما مُفْرَدَيْن من دُوَيْرَة أهلِك. وقال غيرهما: تمامُ العمرة أن تُعْمَل في غير أشهر الحج، وتمام الحج أن يُؤْتى بمناسكه كلِّها حتى لا يلزم عاملَه دمٌ بسبب قِرانٍ ولا مُتْعَة. وذهب قوم: إلى أن إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتِمُّوا الحج والعمرة لله إذا دخلتم فيهما. واختُلِف في حكم العمرة؛ فقال قوم بوجوب تمامها ابتداءً، وأنها فرض. وقال آخرون بوجوب إتمامها بعد الدخول فيها، وهي تطوع. ورجَّح ابنُ جرير (٣/٣٣٨-٣٤١) في معنى الإتمام القولَ الأول الذي قاله ابن عباس من طريق علي، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، والربيع. ورجَّح أن العمرةَ تطوُّعٌ، وهو القول الذي قاله ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي من طريق ابن عون؛ مستندًا إلى عدم الدليل القاطع بوجوب العمرة، فقال: «وذلك أنّ الآية محتملة للمعنيين اللَّذَيْن وصفنا؛ من أن يكون أمرًا من الله بإقامتهما بتمامهما ابتداءً، وإيجابًا منه على العباد فرضهما، وأن يكون أمرًا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه، فإذا كانت الآية محتملة للمعنيين اللَّذَيْن وصَفْنا فلا حُجَّة فيها لأحد الفريقين على الآخر، إلا وللآخر عليه فيها مثلها، وإذا كان كذلك، ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبرٌ عن الحجة للعذر قاطعًا، وكانت الأمة في وجوبها متنازعة؛ لم يكن لقول قائل:»هي فرض«بغير برهان دالٍّ على صحة قوله معنًى، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد إلا بدلالة على لزومها إياهم واضحة». ثم أورد (٣/٣٢٨-٣٤٠) عددًا من الأحاديث التي اسْتَدَلَّ بها القائلون بوجوب العمرة، وانتَقَدَها بأنها أخبار ضعيفة، ومُعارَضَة بغيرها، فقال: «فإنّ هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حُجَّةٌ؛ لِوَهْيِ أسانيدها، وأنّها مع وهْيِ أسانيدها لها من الأخبار أشْكالٌ تُنبِئُ عن أنّ العمرة تطوُّعٌ، لا فرض واجب». ونقل ابنُ جرير (٣/٣٣٥ بتصرف) حُجَّةَ مَن قال بعدم وجوب العمرة، فقال: «وقال آخرون: العمرةُ تطوُّعٌ. ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم (العُمْرَةَ) في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبدُ عملَه وإتمامَه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداءُ = = الدخول فيه فرضًا عليه، وذلك كالحج التَّطُوُّع لا خلاف بين الجميع فيه أنّه إذا أحرم به أنّ عليه المضيَّ فيه وإتمامَه، ولم يكن فرضًا عليه ابتداء الدخول فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء، غير أنّ على مَن دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالةٌ على وجوب فرضهما. قالوا: وإنما أوجبنا فرض الحج بقول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران:٩٧]».
٧٢
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾: «إنّ من تمام الحج أن تُحْرِم من دُوَيْرَةِ أهلك»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل ٢‏/‏٣٣٨ (٣٢٨) في ترجمة جابر بن نوح الحماني، والبيهقي ٥‏/‏٤٥ (٨٩٢٩). قال ابن عدي: «وجابر بن نوح هذا ليس له روايات كثيرة، وهذا الحديث الذي ذكرته لا يعرف إلا بهذا الإسناد، ولم أر له أنكر من هذا». وقال البيهقي: «وفيه نظر». وقال في الشُّعَب ٥‏/‏٤٧٢-٤٧٣ (٣٧٣٦): «تفرد به جابر بن نوح، وهذا إنما يعرف عن علي موقوفًا». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٣٥٠: «وإسناده واهٍ جدًّا». وقال الألباني في الضعيفة ١‏/‏٣٧٦ (٢١٠): «منكر».
٧٣
عن الزهري، قال: بَلَغَنا: أنّ عمر في قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال: مِن تمامهما أن تُفْرِد كلَّ واحد منهما عن الآخر، وأن تَعْتَمِر في غيرِ أشهر الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٥٣٥-، ومن طريقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤ (١٧٥٨). وعزاه السيوطي إلى المصدرين السابقين عن ابن عمر.
٧٤
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن سَلَمَة- ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، قال: أن تُحْرِم من دُوَيْرَةِ أهلِك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٨١، وابن جرير ٣‏/‏٣٢٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٣، والنحاس في ناسخه ص١٢٦، والحاكم ٢‏/‏٢٧٦، والبيهقي في سننه ٥‏/‏٣٠. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

من أحكام الآية

٢٩ قولًا
١
عن ابن عمر، قال: لَأَنْ أعتمر قبل الحج وأُهْدِي أحبُّ إلَيَّ مِن أنْ أعتمر بعد الحج في ذي الحجة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ١‏/‏٣٤٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ تيمية (١/٤٦٩-٤٧٠) في حكم التمتع: «أكثر العلماء –كأحمد، وغيره من فقهاء الحديث، وأبي حنيفة، وغيره من فقهاء العراق، والشافعي في أحد قوليه، وغيره من فقهاء مكة- يستحبون المتعة، وإن كان منهم مَن يُرَجِّح القِران؛ كأبي حنيفة، ومنهم مَن يُرَجِّح التَّمَتُّعَ الخاصَّ؛ كأحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد. فالصحيح -وهو الصريح من نص أحمد- أنّه إن ساق الهديَ فالقِران أفضلُ، وإن لم يسقه فالتحللُ من إحرامه بعمرة أفضل؛ فإنّ الأول هو الذي فعله النبي ﷺ في حجة الوداع، والثاني هو الذي أمر به من لم يَسُقِ الهَدْيَ من أصحابه. بل كثير من علماء السنة يوجب المتعة، كما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول أهل الظاهر كابن حزمٍ وغيره؛ لِما ذُكِرَ من أمرِ النبي ﷺ بها أصحابَه في حجة الوداع». واستدلَّ ابنُ كثير (١/٥٣٨) على شرعية التمتع من السنة، وأقوال الصحابة، بما رُوِي عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ ذبح بقرةً عن نسائه، وكُنَّ متمتعاتٍ، وبما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله"".
٢
عن يزيد بن أبي مالك -من طريق سعيد بن عبد العزيز- في قول الله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، قال: منسوخةٌ، نَسَخَتْها ﴿الحج اشهر معلومات﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٣٤١ (١٧٩٦).
٣
عن ابن عمر، قال: تَمَتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهَدْيَ من ذي الحُلَيْفَة، وبدأ رسول الله ﷺ فأَهَلَّ بالعمرة، ثم أهَلَّ بالحج، فتَمَتَّع الناسُ مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس مَن أهْدى فساق الهَدْيَ، ومنهم من لم يُهْدِ، فلَمّا قَدِم النبي ﷺ مَكَّةَ قال للناس: «مَن منكم أهْدى فإنه لا يَحِلُّ لشيء حَرُمَ منه حتى يقضي حَجَّه، ومن لم يكن أهْدى فلْيَطُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثم لْيُهِلَّ بالحج، فمن لم يجد هَدْيًا فلْيَصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٦٧-١٦٨ (١٦٩١)، ومسلم ٢‏/‏٩٠١ (١٢٢٧).
٤
عن عمران بن حُصَيْن، قال: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله، وفعَلناها مع رسول الله ﷺ، ثم لم تَنزِلْ آيةٌ تنسخ آيةَ متعة الحج، ولم يَنْهَ عنها حتى مات، قال رجلٌ برأيه ما شاء١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٤٤ (١٥٧١)، ومسلم ٢‏/‏٩٠١ (١٢٢٦). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة.
٥
عن أبي نَضْرَة، قال: كان ابنُ عباس يأمُرُ بالمتعة، وكان ابنُ الزبير ينهى عنها، فذكرتُ ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يَدَيَّ دار الحديث، تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ، فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يُحِلُّ لرسوله ﷺ ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتِمُّوا الحجَّ والعمرة كما أمركم الله، وافصِلُوا حجَّكم عن عمرتكم، فإنه أتمُّ لحجِّكم وأتمُّ لعمرتِكم١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٩٠١ (١٢١٧).
٦
عن أبي موسى، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو بالبَطْحاء، فقال: «بِمَ أهللتَ؟». قلت: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ. قال: «هل سُقتَ من هَدْيٍ؟». قلتُ: لا. قال: «طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ». فطُفت بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أتَيتُ امرأةً من قومي فمَشَّطَتْنِي، وغَسَلَتْ رأسي، فكنتُ أُفْتِي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإنِّي لَقائِمٌ بالموسم إذْ جاءني رجلٌ، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثَ أميرُ المؤمنين في شأن النُّسُك. فقلت: أيُّها الناس، مَن كُنّا أفتيناه بشيء فلْيَتَّئِدْ، فهذا أمير المؤمنين قادمٌ عليكم، فبه فائْتَمُّوا. فلما قدِم قلتُ: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي أحدثتَ في شأن النُّسُك؟ قال: إن نأخُذْ بكتاب الله فإنّ الله قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، وإن نأخُذْ بسنة نبينا فإنّ النبي ﷺ لم يَحِلَّ حتى نحر الهَدْيَ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٤٠-١٤١ (١٥٥٩)، ٢‏/‏١٧٣-١٧٤ (١٧٢٤)، ٣‏/‏٦-٧ (١٧٩٥)، ومسلم ٢‏/‏٨٩٤-٨٩٥ (١٢٢١).
٧
عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلّا مَن جَهِل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلتَ يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال: سعد: قد صنعها رسول الله - ﷺ -، وصنعناها معه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٤١ (١٧٩٢).
٨
عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب هَمَّ أن ينهى عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فقام إليه أُبَيُّ بن كعب، فقال: ليس ذلك لك، قد نزل بها كتاب الله، واعتمرناها مع رسول الله - ﷺ -. فترك عمر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥/ ١٤٢ - ١٤٣، وإسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (١٢٥٢) -.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ تيمية (١/ ٤٧٠ - ٤٧٢) على ما جاء عن عمر من نهيه عن التمتع، ومخالفته غيره من الصحابة، بما مفاده الآتي: أولًا: أنّ أهل السنة متفقون على أنّ كل واحد من الناس يُؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله - ﷺ -. ثانيًا: الصحيح أنّ عمر لم يُحَرِّم متعة الحج، وإنما أراد أن يوجه الناس إلى الأفضل، وهو الاعتمار في غير أشهر الحج؛ حتى لا يَعْرى البيتُ طولَ السنة، فإذا أفردوا الحج اعتمروا في سائر السنة، وقد ثبت عنه أنه قال: لو حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ، ولو حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ&quot؛ . وبنحو الأخير منه قال ابنُ كثير (١/ ٥٣٨).
٩
عن عبد الله بن شقيق، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعليٍّ كلمةً، فقال عليٌّ: لقد عَلِمتَ أنّا قد تمتَّعنا مع رسول الله - ﷺ -. قال: أجلْ، ولكنّا كُنّا خائفين١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم (١٢٢٣).
١٠
عن عثمان بن عفان، أنّه سُئِل عن المتعة في الحجِّ. فقال: كانت لنا، ليست لكم١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق بن راهويه -كما في المطالب العالية (١٢٤٥)-.
١١
عن أبي ذرٍّ، قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصَّةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢٩، ٤‏/‏١٠٣، ومسلم (١٢٢٤‏/‏١٦٠).
١٢
عن أبي ذرٍّ، قال: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة. يعني: متعة النساء، ومتعة الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم (١٢٢٤).
١٣
عن سعيد بن المسيب، قال: اختلف عليٌّ، وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله - ﷺ -. قال: فلمّا رأى ذلك عليٌّ أهَلَّ بهما جميعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (١٥٦٩)، ومسلم (١٢٢٣).
١٤
عن أبي جَمْرَة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة. فأمرني بها، وسألته عن الهَدْي. فقال: فيها جَزُور، أو بقرة، أو شاة، أو شِرْكٌ في دم. قال: وكأنّ ناسًا كرهوها. فنِمتُ، فرأيتُ في المنام كأنّ إنسانًا يُنادِي: حجٌّ مبرورٌ، ومتعة مُتَقَبَّلةٌ. فأتيت ابن عباس، فحدَّثتُه، فقال: الله أكبر، سُنَّة أبي القاسم ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (١٥٦٧، ١٦٨٨)، ومسلم (١٢٤٢).
١٥
عن جابر -من طريق مجاهد، وعطاء- قال: كثُرَت القالَةُ من الناس، فخرجنا حُجّاجًا، حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نَحِلَّ إلا ليال قلائل أُمرنا بالإحلال، فقلنا: أيروح أحدُنا إلى عرفة وفرجُه يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقام خطيبًا، فقال: «أباللهِ تُعَلِّموني أيُّها الناس؟! فأنا -والله- أعلمُكم بالله، وأتقاكم له، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ هديًا، ولَحَلَلْتُ كما أحَلُّوا، فمن لم يكن معه هَدْيٌ فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله، ومَن وجد هديًا فلْيَنْحَرْ». فكُنّا نَنْحَرُ الجَزُور عن سبعة. قال عطاء: قال ابن عباس: إنّ رسول الله ﷺ قسم يومئذٍ في أصحابه غَنَمًا، فأصاب سعدَ بن أبي وقاص تيسٌ، فذبحه عن نفسه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن خزيمة ٤‏/‏٥٠٦، ٥٠٧ (٢٩٢٦، ٢٩٢٧)، والحاكم ١‏/‏٦٤٧ (١٧٤٢). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه».
١٦
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي إسحاق، عن مسروق- قال: أُمِرتم بإقامة أربع: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. والحجُّ الحجُّ الأكبر، والعمرةُ الحجُّ الأصغر١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في سننه ٤‏/‏٣٥١. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه، والأصبهاني في الترغيب.
١٧
عن مسروق -من طريق أبي إسحاق- قال: أُمِرْتُم في القرآن بإقامة أربع: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج والعمرة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢٢ بلفظ: أمرت بإقامة الحج والعمرة. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق في المصنف، وعبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (٣/٣٣٤-٣٣٥ بتصرف) على هذا القول، فقال: «فتأويل هؤلاء في قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أنّهما فرضان واجبان، أمر الله بإقامتهما كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوبَ الحج. وقالوا: معنى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾: وأقيموا الحج والعمرة. وكأنهم عَنَوا بقوله: أقيموا الحج والعمرة: ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فُرِض عليكم».
١٨
عن علي [بن أبي طالب] -من طريق ثُوَيْر، عن أبيه- أنّه قرأ: (وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ). ثم قال: هي واجبةٌ مثلُ الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٩
عن طاووس، قال: قيل لابن عباس: أتأمر بالعمرة قبل الحج، والله تعالى يقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؟ فقال ابن عباس: كيف تقرؤون: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء:١١]، فبأيهما تبدؤون؟ قالوا: بالدَّيْن. قال: فهو ذاك١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي ١‏/‏٥٨٦ (٩٦٥- شفاء العي)، والبيهقي في سننه ٦‏/‏٢٦٨. وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عينية.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- قال: واللهِ، إنّها لقَرينَتُها في كتاب الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في الأم ٢‏/‏١٣٢، والبيهقي في سننه ٤‏/‏٣٥١. وعزاه السيوطي إلى سفيان بن عينية.
٢١
عن ابن جُرَيْج، قال: قال علي بن حسين، وسعيد بن جبير، وسُئِلا: أواجبةٌ العمرةُ على الناس؟ فكلاهما قال: ما نَعْلَمُها إلا واجبة، كما قال الله: ﴿وأتِمّوا الحجَّ والعمرة لله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ٨/ ٢٦٤ (١٣٨٣٧)، وابن جرير ٣/ ٣٣٣ واللفظ له.
٢٢
عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سأل رجلٌ سعيد بن جبير عن العمرة؛ فريضَةٌ هي أم تطوعٌ؟ قال: فريضةٌ، قال: فإنّ عامرًا الشعبيَّ يقول: هي تَطُوُّع. قال: كَذَب١ الشعبيُّ. وقرأ: ﴿وأتموا الحجَّ والعمرةَ لله﴾٢
التخريج
  1. ١كذب بمعنى: أخطأ. المصباح المنير (كذب).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣/ ٣٣٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٣).
٢٣
عن عامر الشَّعْبِيِّ -من طريق ابن عَوْن- أنه قرأها: (وأَتِمُّوا الحَجَّ)، ثم قطع، ثم قال: (والعُمْرَةُ للهِ)، يعني: برفع التاء، وقال: هي تَطَوُّعٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٨- تفسير)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١-٢٢٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥، والبيهقي ٤‏/‏٣٤٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٤
عن عطاء، قال: ليس أحدٌ مِن خلق الله إلا عليه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ واجبتان، مَنِ استطاع إلى ذلك سبيلًا كما قال الله، حتى أهل بوادينا، إلا أهل مكة، فإنّ عليهم حجة وليست عليهم عمرة؛ من أجل أنهم أهل البيت، وإنما العمرة من أجل الطواف١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.
٢٥
عن معمر، عن قتادة، وعمَّن سَمِع عطاء يقول في قوله: ﴿وأتمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله﴾، قال: هما واجبان: الحجُّ، والعمرةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٧٤، وابن جرير ٣/ ٣٣٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٥ (عَقِب ١٧٦٣).
٢٦
عن عبد الرحمن بن السراج قال: سألتُ هشام بن عروة، ونافعًا مولى ابن عمر عن العمرة؛ أواجبةٌ هي؟ فقرآ جميعًا: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾١
التخريج
  1. ١ذكره ابن حزم في المُحَلّى ٧/ ٤١.
٢٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب-: ليست العمرةُ واجبةً على أحد من الناس. قال: فقلتُ له: قولُ الله تعالى: ﴿وأتِمّوا الحجَّ والعمرةَ لله﴾؟ قال: ليس من الخلقِ أحدٌ ينبغي له إذا دَخَل في أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا دخل فيها لم يَنبَغِ له أن يُهِلّ يومًا أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يومًا لم ينبغِ له أن يُفْطِر في نصف النهار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣١. وقد أورد السيوطي ٣‏/‏٣٣٣-٣٤٩ عَقِب تفسير الآية آثارًا عديدة عن فضائل الحج والعمرة.
٢٨
عن قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّما هي حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ، فمَن قضاهما فقد قَضى الفريضة أو قَضى ما عليه، فما أصاب بعد ذلك فهو تَطَوُّعٌ»، قال يحيى بن سلام: العامَّةُ على أنّ الحج والعمرة فريضتان، إلا أنّ سعيدًا أخبرنا عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود قال: الحجُّ فريضة، والعمرة تطوع١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن أبي عروبة في المناسك ص ٣، ٩١ (٢، ٨٠)، ويحيى بن سلّام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧ - مرسلًا. وقتادة أحد المشهورين بالتدليس والإرسال. وينظر: جامع التحصيل ص ٢٥٤.
٢٩
عن عبد الله بن مسعود -من طريق ثُوَيْر، عن أبيه- أنّه قرأ: (وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ). ثم قال: واللهِ، لولا التحرُّجُ أنِّي لم أسمع فيها من رسول الله ﷺ شيئًا؛ لقلنا: إنّ العمرةَ واجبةٌ مثلُ الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٥٥-٥٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

قراءات

٨ أقوال
١
وعن أُبَيِّ [بن كعب] -من طريق أبي العالية- أنّه كان يقرؤها: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُّتَتابِعاتٍ)١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٧٦. وهي قراءة شاذة. انظر: الكشاف ١‏/‏٤٠٥.
٢
عن الأعرج، أنّه قرأ: (حَتّى يَبْلُغَ الهَدِيُّ مَحِلَّه) و(هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ) [المائدة:٩٥] بكسر الدال مُثَقَّلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٥٨. وهي قراءة شاذة، تروى عنه وعن جماعة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٩، ٤١.
٣
عن عَلْقَمَة، قال: في قراءة ابن مسعود: (وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٦٣-١٦٤، وسعيد بن منصور (٢٨٧- تفسير)، وابن جرير ٣‏/‏٣٢٨، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري. وهي قراءة شاذة، تروى عنه أيضًا بلفظ (لِلْبَيْتِ). انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣‏/‏٢٦٩، والبحر المحيط ٢‏/‏٨٠.
٤
عن ابن مسعود -من طريق ثُوَيْر، عن أبيه- أنّه قرأ: (وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٤، وابن أبي داود في المصاحف ص٥٥-٥٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة شاذة. انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣‏/‏٢٦٩، والبحر المحيط ٢‏/‏٨٠.
٥
عن علي بن أبي طالب -من طريق ثُوَيْر، عن أبيه- أنّه قرأ: (وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٣٣٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن يزيد بن معاوية، قال: إنِّي لفي المسجد زمنَ الوليد بن عقبة، في حَلْقة فيها حذيفة، وليس إذ ذاك حَجَزَةٌ ولا جَلاوِزَةٌ١، إذ هَتَف هاتِف: مَن كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأتِ الزاوية التي عند أبواب كِندَةَ، ومَن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأتِ هذه الزاوية التي عند دار عبد الله. واختلفا في آيةٍ في سورة البقرة؛ قرأ هذا: (وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ)، وقرأ هذا: ﴿وأَتِمُّواْ الحَجَّ والعُمْرَةَ للهِ﴾. فغضب حذيفةُ، واحْمَرَّت عيناه، ثم قام -وذلك في زمن عثمان- فقال: إمّا أن تَرْكَب إلى أمير المؤمنين، وإمّا أن أركب، فهكذا كان مَن قبلكم. ثم أقبل فجلس، فقال: إنّ الله بعث محمدًا، فقاتل بمَن أقْبَلَ مَن أدْبَرَ، حتى أظهر اللهُ دينه، ثُمَّ إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثُمَّ إنّ الله استخلف أبا بكر، فكان ما شاء الله، ثم إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثم إنّ الله استخلف عمر، فنزل وسَطَ الإسلام، ثم إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثم إنّ الله استخلف عثمان، وايمُ الله، لَيُوشِكَنَّ أن تَطْعَنُوا فيه طَعْنَةً تَحْلِقُونه كُلَّه٢
التخريج
  1. ١الجلاوزة: جمع جِلَّوْز وجِلْواز، وهو الشرطي. الوسيط (جلز).
  2. ٢أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص١١-١٢.
٧
عن عامر الشعبي -من طريق ابن عَوْن- أنّه قرأها: ﴿وأَتِمُّواْ الحَجَّ﴾، ثم قطع، ثم قال: (والعُمْرَةُ للهِ)، يعني: برفع التاء١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٨٨- تفسير)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢١-٢٢٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٥، والبيهقي ٤‏/‏٣٤٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. والقراءة شاذة، تروى أيضًا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف في قراءة (العمرة) بين من قرأها بالرفع، ومن قرأها بالنصب. ونقل ابنُ جرير (٣/٣٣٦-٣٣٧) حُجَّةَ مَن قرأ بالرفع، فقال: «فأمّا الذين قرؤوا ذلك برفع (العُمْرَةُ) فإنّهم قالوا: لا وجه لنصبها؛ فالعمرة إنما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقًا اسمَ معتمرٍ إلا وهو له زائر، قالوا: وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته، وهو متى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة، فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك كما يُؤْمَر بإتمامه الحاجُّ بعد بلوغه والطواف به وبالصفا والمروة، بإتيان عرفة والمزدلفة والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت؛ لم يكن لقول القائل للمعتمر:»أتِمَّ عمرتك«وجهٌ مفهوم، وإذا لم يكن له وجه مفهوم فالصواب من القراءة في (العُمْرَةُ) الرفع على أنها من أعمال البِرِّ لله؛ فتكون مرفوعةً بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: ﴿لله﴾». ورَجَّح ابنُ جرير قراءةَ مَن قرأ بالنصب، وخطّأ من قرأ بالرفع، مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية، فقال: «وأَوْلى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا: قراءةُ مَن قرأ بنصب ﴿العمرة﴾ على العطف بها على ﴿الحج﴾، بمعنى الأمر بإتمامهما له. ولا معنى لاعتلال مَن اعتَلَّ في رفعها بأنّ العمرة زيارةُ البيت، وأنّ المعتمر متى بلغه فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه، وذلك أنّه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارتُه، وبقي عليه تمام العمل الذي أمره الله به في اعتماره، وزيارته البيت؛ وذلك هو الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وتجنب ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك، وذلك عمل، وإن كان مِمّا لزمه بإيجابه الزيارة على نفسه غير الزيارة. هذا مع إجماع الحجة على قراءة ﴿والعمرة﴾ بالنصب، ومخالفة جميع قراء الأمصار قراءة من قرأ ذلك بالرفع، ففي ذلك مستغنًى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعًا».
٨
قال يحيى بن سلام: القراءة على هذا التفسير [أي: كون الحج فريضة والعمرة تطوع] بنصب الحج، ورفع العمرة، ومقرأة العامة بالنصب فيهما١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٠٦. وهي قراءة العشرة.

نزول الآية

٨ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان:... فقال أبو هريرة، وسلمان، وأبو العِرْباض للنبي ﷺ: إنّا لا نَجِدُ الهَدْيَ، فلنَصُمْ ثلاثة أيام. فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧٢.
٢
عن كعب بن عُجْرة، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن مُحْرِمون، وقد حَصَرَنا المشركون، وكانت لي وفْرَةٌ، فجعَلَتِ الهَوامُّ تَساقَطُ على وجهي، فمَرَّ بي النبي ﷺ، فقال: «أيؤذيك هَوامُّ رأسك؟». قلتُ: نعم. فأمَرَني أن أحْلِقَ. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال رسول الله ﷺ: «صُمْ ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَقٍ بين سِتَّة، أوِ انسُكْ مما تَيَسَّر»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٠ (١٨١٥)، ومسلم ٢‏/‏٨٥٩-٨٦٠ (١٢٠١)، وابن جرير ٣‏/‏٣٨٤، ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٧. وأورده= =الثعلبي ٢‏/‏١٠١.
٣
عن عبد الله بن مَعْقِل، قال: قعَدْتُ إلى كعب بن عُجْرةَ، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. فقال: نَزَلَتْ فِيَّ، كان بي أذًى من رأسي، فحُمِلْتُ إلى النبي ﷺ والقَمْلُ يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنتُ أُرى أنّ الجَهْدَ بلغ بك هذا، أما تجد شاةً؟» قلتُ: لا. قال: «صُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين؛ لكل مسكين نصفُ صاعٍ من طعام، واحلِقْ رأسَك». فنزلت فِيَّ خاصة، وهي لكم عامة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٠ (١٨١٦)، ٦‏/‏٢٧ (٤٥١٧)، ومسلم ٢‏/‏٨٦١-٨٦٢ (١٢٠١)، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٢‏/‏٧١٧ (٢٨٩)، وابن جرير ٣‏/‏٣٨٣-٣٨٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٨ (١٧٨١).
٤
عن كعب بن عُجْرَة، قال: لَفِيَّ نزلت، وإيّاي عُنِي بها: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾، قال لي النبي ﷺ وهو بالحديبية، وهو عند الشجرة: «أيؤذيك هَوامُّك؟». قلتُ: نعم. فنزَلَت١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٢٣٠-٢٣١ (٣٢١٢، ٣٢١٣، ٣٢١٤)، وسعيد بن منصور في التفسير من سننه ٢‏/‏٧٣٨-٧٣٩ (٢٩٢)، وابن جرير ٣‏/‏٣٨٧-٣٨٨ من طريق مجاهد، عن كعب به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وظاهر إسناده أنه منقطع، قال أبو حاتم في المراسيل لابن أبي حاتم ص٢٠٦: «مجاهد لم يدرك كعب بن عجرة». ولكن الراوي بين مجاهد وكعب هو ابن أبي ليلى، كما في رواية البخاري السابقة قريبًا.
٥
عن ابن عباس، قال: لَمّا نزلنا الحديبية جاء كعبُ بن عُجْرةَ يَنتَثِرُ هَوامُّ رأسه على وجهه، فقال: يا رسول الله، هذا القَمْلُ قد أكلني. فأنزل الله في ذلك الموقف: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾الآية. فقال رسول الله ﷺ: «النُّسُكُ شاةٌ، والصيامُ ثلاثة أيام، والطعام فَرَقٌ بين ستة مساكين»١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٦٠. قال العينيُّ في عمدة القاري ١٠‏/‏١٥١: «قال شيخنا زين الدين رحمه الله: هذا حديث شاذ منكر، وعمر بن قيس هو المعروف بـ»سندل«، منكر الحديث، ولم يُنقَل أنّ ابن عباس كان في عمرة الحديبية».
٦
عن مقاتل بن سليمان: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾، وذلك أنّ كعب بن عجرة الأنصاري كان مُحْرِمًا بعمرة عام الحديبية، فرأى النبيُّ ﷺ على مُقَدَّم رأسه قملًا كثيرًا، فقال النبي ﷺ: «يا كعب، أيؤذيك هَوامُّ رأسك». قال: نعم، يا نبي الله. فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق؛ فأنزل الله عز وجل في كعب: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه﴾ الآية١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٧١-١٧٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٣/٣٨١): «تظاهرت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ أنّ هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عُجْرَة؛ إذ شكا كثرة أذًى برأسه من صِئْبانِهِ [أي: بيض القمل]، وذلك عام الحديبية».
٧
عن يعلى بن أُمَيَّة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجِعِرّانة، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثر خَلُوق١، فقال: كيف تأمُرُني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. فقال رسول الله ﷺ: «أين السائلُ عن العمرة؟». فقال: ها أنا ذا. قال: «اخلع الجُبَّة، واغسل عنك أثَرَ الخَلُوق، ثم ما كنتَ صانعًا في حَجِّك فاصنعه في عُمْرَتِك»٢
التخريج
  1. ١الخَلُوق: طيب معروف مركب، يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. النهاية (خلق).
  2. ٢أخرجه الطبراني في الأوسط ٢‏/‏٢٢٦ (١٨١٥)، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣٣٤ (١٧٦١). قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٢٠٥ (٥٢٥١): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح». وقال ابن حجر في العُجاب (١‏/‏٤٨٦): «هذا الحديث رواته ثقات». وأورده الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٦٢٦ (٢٧٦٥).
٨
عن يعلى بن أُمَيَّة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجِعِرّانة، عليه جُبَّة، وعليها خَلُوق، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: فأُنزل على النبي ﷺ الوحيُ، فتَسَتَّرَ بثَوب. وكان يَعْلى يقولُ: وددت أنِّي أرى النبيَّ ﷺ وقد أُنزِل عليه الوحي. فقال عمرُ: أيَسُرُّك أن تَنظُرَ النبيَّ ﷺ وقد أُنزِل عليه الوحيُ؟ فرفع عمرُ طرفَ الثوب، فنظرتُ إليه له غَطِيطٌ كغطيط البَكْر١، فلما سُرِّيَ عنه قال: «أين السائلُ عن العمرة؟ اغسِلْ عنك أثَرَ الخَلُوق، واخلع عنك جُبَّتك، واصنع في عُمْرَتِك ما أنت صانع في حَجِّك»٢٣
التخريج
  1. ١الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نَفَس النائم. والبكر: الفتيُّ من الإبل. اللسان (غطط، بكر).
  2. ٢أخرجه البخاري ٢‏/‏١٣٦ (١٥٣٦)، ٣‏/‏٥-٦ (١٧٨٩)، ٣‏/‏١٧ (١٨٤٧)، ٥‏/‏١٥٧ (٤٣٢٩)، ٦‏/‏١٨٢-١٨٣ (٤٩٨٥)، ومسلم ٢‏/‏٨٣٦-٨٣٧ (١١٨٠) واللفظ له.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ تيمية (١/٤٧٢) إجماع المفسرين على أن هذه الآية نزلت عام الحديبية.

آثار في حكم الآية

قولانِ
١
عن نافع: أنّ عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنّهما كَلَّما عبدَ الله بن عمر لياليَ نزل الجيش بابن الزبير، فقالا: لا يَضُرُّك ألا تَحُجَّ العام، إنّا نخاف أن يُحال بينك وبين البيت. فقال: خرجنا مع رسول الله ﷺ معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبيُّ ﷺ هديه، وحلق رأسه١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٨ (١٨٠٧، ١٨١٢).
٢
عن ابن عباس، قال: قد أُحْصِر رسولُ الله ﷺ، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عامًا قابِلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٨ (١٨٠٩).
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩٦ من سورة البقرة

٣٥ وقفةً في هذه الآية

  • {يأتوك} ولم يقل يأتون البيت دليل على بقاء الحج على ملة إبراهيم ويؤكده قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} أي على ملة إبراهيم.

    — محمد الربيعة

  • "وأتموا الحج والعمرة لله" لا تفكر في تصميم حج مختصر.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ وأتمّوا الحج والعمرة لله ﴾ لله وحده ! لا حاجة لمعرفة الناس بإخلاصك ... الحج (يوم عرفة).

    — نايف الفيصل

  • (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) (البقرة: ١٩٦) لم يقل في الصلاة وغيرها: لله؛ لأن الحج والعمرة مما يكثر الرياء فيهما جدًا، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما: «لله» اعتناءً بالإخلاص.

    — القرافي

  • (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) من المؤثرات على حِلية الإخلاص: كتابة بعض الحجاج في معرفاتهم في شبكات التواصل ما يُشعر الناس بعبادتهم!

    — عبدالمحسن المطيري

  • لما كانت العرب تشرك في حجها وتلبيتها، جاءت آيات الحج مؤكدة شأن الإخلاص في بداية الكلام؛ فقال تعالى في سورة آل عمران: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيت)، وقال في البقرة: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وقال في سورة الحج: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • (وأتموا الحج والعمرة لله) بدأ بالتذكير بالتوحيد والإخلاص قبل ذكر الأحكام التفصيلية، فلا رياء ولا ثناء ولا تكاثرَ في الحج من الناس.

    — عبدالله السكاكر

  • (وأتموا الحج والعمرة لله) لا تفكر في تصميم حج مختصر

    — عبدالله بلقاسم

  • بعدما ذكر الله تعالى أحكامًا كثيرة للحج قال: (وأتموا الحج والعمرة لله) وختم الله الآية بقوله سبحانه:(واتقوا الله ) وهو معنى عظيم يغفل عنه الكثير من الحجاج، فالحج المقصود منه تحقيق تقوى الله؛ لذلك أكد هذا المعنى بالآية التي تليها فقال: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب

    — عبدالمحسن المطيري

  • (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) المراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين؛ ظاهرًا: بأداء المناسك على وجهها، وباطنًا: بالإخلاص لله تعالى وحده.

    — محمد رشيد رضا

  • قال تعالى: (ولا تحلقوا رؤوسكم) ولم يقل: ولا تقصروا، ففيه دلالة على أن الحلق أفضل وهو مقتضى دعاء الرسول للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة(أخرجه مسلم ح (1303) ولفظه: عن يحيى بن الحصين، عن جدته، أنها سمعت النبي في حجة الوداع «دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة

    — القرطبي

  • جاء لفظ القرآن في بيان الرخصة بالأسهل فالأسهل: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) ولما أمر النبي كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: «انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام»( أبو داود ح (1860)، النسائي ح (2851)، الموطأ (504) ولفظه: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو انسك شاة» موافقًا للفظ الآية لا كما ذكر الحافظ وغفر له .)، فكل شيء حَسَنٌ في مقامه.

    — ابن كثير

و٢٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٩٦ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾

قوله تعالى:﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾:
ثم أباحَ ذلك لمن كان مريضاً، أو به أذىً من رأسِه، وأوجَبَ عليه الفدية.
فقال قوم: هذا ناسخٌ للنَّهْيِ عن حَلْقِ الرّأس حتى يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه.
(والظَّاهِرُ في هذا البيِّنُ) أنه ليس فيه نَسخٌ، لأَنّه متَّصِلٌ بالأَوّل غيرُ منفصل منه. وإنما يكونُ الناسخُ منفصلاً من المنسوخ. (فهي) أحكامٌ مختلفةٌ في شروطها متَّصِلٌ بعضُها ببعض لا ينسخُ بعضُها بعضاً.
قوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجَّ والعمرةَ لِلَّه﴾:
أمرَ اللهُ المسلمين بإتمام ما دخلوا فيه وعقدوه على أَنفُسِهِم من حَجٍ أو عمرةٍ.
ولا دليلَ في هذا على فرضِ العُمْرَة إنّما هو أمرٌ بإتمام ما دخلوا فيه من ذلك.
ويبيِّنُ أن العمرة ليست بفرض قراءةُ الشعبي: "والعمرةُ للهِ" - بالرفع -فهذه القراءةُ لا تأويل فيها لفرضِ العمرة. وقوله: ﴿وأتموا الحجَّ﴾ ولم يقل: حجّوا واعتمروا (يدلُّ على أن) ذلك مرادٌ به غيرُ الفرض.
وإنما هو مثلُ قوله: ﴿أوفُوا بِالعُقُود﴾ [المائدة: ١] فمن عقَدَ بِرّاً على نفسه وجب عليه إتمامُه.
وقراءة ابن مسعود: "والعمرة للبيت لله" وعنه: "والعمرة إلى البيت لله". يدل على أن العمرةَ ليست بفرضِ - قرىء بنصب العمرة أو برفعها -.
وكما أن ذِكرَ الحجّ في هذه الآية ليس يوجبُ فرضَ الحج، إنما وجب فرض الحجِّ بقوله تعالى: ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. كذلك ذكر العمرة فيها لا يوجب فرضَها. ولا آية أُخرى توجِبُ فرضَ العمرة في القرآن (فبانَ أنّ) العُمْرَةَ ليست بِفَرض. وقد ذكرَ أهلُ المعاني والتفسير أن هذه الآيةَ ناسخةٌ لما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أصحابَه بعد أن أَحرموا(بالحجِّ) أن يفسخوه في عمرة.
(والآيةُ) محكمةٌ، (تدُلُّ) على أنَّ مَن دخَلَ في طاعة وعقدها على نفسه أن عليه إتمامَها.
وقد أبى مِن فَسْخِ الحجّ في عُمرة (أبو بكر وعثمان وعلي)- رضي الله عنهم - بحكم ظاهر الآية.
وأجازه ابن عباس لإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
وذهب أبو عبيد: إلى أنَّ فسخَ الحجِّ في عمرة منسوخٌ بفعل الخلفاء الراشدين، يعني الذين ذكرنا. وعلى منعِه أكثرُ العلماء مالكٌ وغيرُه.
وقد قيل: إنه إنما أباح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك لِعِلَّةٍ، وذلك أنهم كانوا لا يرونَ العُمرةَ في أشهرِ الحج جائزةً، ويرونَه ذنباً، فأَمرَهُم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفسخ الحج وتحويلِه إلى عُمرة في أشهر الحجّ، ليعلموا أن العمرةَ جائزةٌ في أشهر الحجّ. فَفِعْلُه ذلك كان لِعِلَّةٍ، فبزوال تلك العلة يزولُ الحكمُ. وله نظائرُ في القرآن.
وقيل: إن ذلكَ مخصوصٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ورُويَ عنه أنه سئل عن ذلك فقال: (إنه) لنا خاصَّة.
(قال أبو محمد): ومعنى فسخ الحجِّ في عُمرة: هو أن يُهِلَّ الرجل بالحج ولا هَدْيَ معه، فعليه أن يدخلَ مكةَ فيطوفَ ويبقى على إحرامه حتى يحج ويقضيَ مناسكَه من الوقوفِ بعرفاتٍ والمزدلفة و (من) رمي الجمار وغير ذلك، وهو على إحرامِهِ، ويحلق ويطوفَ طوافَ الإِفاضة، وعليه السعي بين الصّفا والمروةِ بعدَ الطَّواف، ويُحِلُّ مِن حجّته بعد ذلك كُلِّه، فهذا لازم له، وبه يُتِمَّ ما عقدَه من الحجّ.
(فإن فسخَ حجَّه في عمرة) - على قول ابن عباس - فإنما عليه أن يدخل مكة ويطوفَ ويسعى ويَحْلِقَ وَيُحِلّ.
فذلك الأولُ عملُ الحج.
وهذا عملُ العمرة.
فإذا (حَلَّ) مِن عمرته التي فسخَ الحجَّ (فيها) ابتدأَ الإِهلالَ بالحجِّ مِن مكة أو من الحِلِّ إن شاء، وبه يتمُّ حَجُّه على ما ذكرنا.
وإن تمادى (في) حَجِّه ولم يفسخْه في عُمرةٍ، وأرادَ العمرةَ، فإنه إذا حَلَّ من حجِّه خرجَ إلى التنعيم (إلى الحِلِّ)، أو إلى الحِلِّ مِن أي ناحيةٍ شاء، فأَحرَم ولبَّى ودخلَ مكةَ فطاف وسعى وحلَق، وحلَّ من عُمرته.

فتاوى متعلقة بالآية ١٩٦ من سورة البقرة

٦ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٩٦ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(196) And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity[71] or sacrifice.[72] And when you are secure,[73] then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months][74] followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.
[71]- Feeding six needy persons.
[72]- The slaughter of a sheep or goat.
[73]- Under normal conditions, i.e., are not prevented.
[74]- The months of Shawwāl, Dhul-Qaʿdah and Dhul-Ḥijjah.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال