تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله :﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ الخ [البقرة: ١٨٩] وما بينهما استطراد أو اعتراض، على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك أن تجعل هذه الجملة عطفاً على التي قبلها عطف قصة على قصة.
ولا خلاف في أنّ هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة ؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيراً بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القرآن.
والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه.
ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين : أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى :﴿وأتموا الحج﴾ أي كملوه إن شرعتم فيه، وكذا قوله تعالى :﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] على ما اخترناه وقوله تعالى :﴿فأتموا إليهم عهدهم﴾ [التوبة: ٤] ومثله أن تقول : أسرع السير للذي يسير سيراً بطيئاً، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مراداً به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى :﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وذلك كقولك : أسرع السير فادع لي فلاناً تخاطب به مخاطباً لم يشرع في السير بعد، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة، ونظيره قولهم :« وَسِّع فمَ الركِية، وقولهم : وسع كم الجُبة وضيق جيبها » أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل ؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة.
والآية تحتمل الاستعمالين، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة، بمعنى ألا يكون حجاً وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما.
والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها، وكأنَّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصَّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها.
واللام في ( الحج والعمرة ) لتعريف الجنس، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد، للجماعة وفيه وقوف عرفة، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه.
وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه. وعن ابن السكيت : الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي « الأساس » : فلان تحجه الرفاق أي تقصده اهـ. فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع :
والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام كما حكى الله ذلك بقوله :﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧] الآية حتى قيل : إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم :
وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى. وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً أي لأنه أكل المترفهين ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في « تاريخ العرب ».
وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل ( أورشليم ) وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح.
واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة ( أورشليم )، وكذا زيارة قبر ( ماربولس ) وقبر ( ماربطرْس ) برومة، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة ( عسقلان ) من بلاد السواحل الشامية، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل :
أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة.
وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل ( زفس ) وللهنود حجوج كثيرة.
والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها، وذِكْر الحج معها إدماج، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين.
وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر، فكانوا يقولون " إذا برىء الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر " ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل.
واصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه ؛ ولذلك لقبوا رجباً ( منصل الأسنة ) ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً.
وقوله ﴿لله﴾ أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له، لأن الكعبة بيت الله وحرمه، فالتقييد هنا بقوله ﴿لله﴾ تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم، وهم الذين منعوا المسلمين منه، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة.
ويجوز أن يكون التقييد بقوله :﴿لله﴾ لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى. وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين.
وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام، وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع.
ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصْل الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن، ومن هؤلاء من قرأ، ( والعمرةُ ) بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج.
وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا : إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة « وأقيموا الحج » وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل.
والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت، وقراءة :« وأقيموا » لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر ؛ بأن يدل على معنى : إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازاً بديعاً، وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا، لأنهم كانوا نووا العمرة، على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن ﴿أتموا﴾ هنا مراد منه إيجاب الشروع، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما أشار له العصام.
فالحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها : فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك : لا أعلم أحداً رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين.
وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي وسعيد بن جبير، وأبو بردة، ومسروق، وإسحاق بن راهويه.
ودليلنا حديث جابر بن عبد الله، " قيل : يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال : لا، وأن تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي ﷺ ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئاً لقلت : العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله : لم أسمع الخ، ولأن الله تعالى قال :﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد. ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة.
واحتج أصحابنا أيضاً بحديث : " بني الإسلام على خمس " وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة، وحديث الأعرابي الذي قال :
" لا أزيد ولا أنقص : فقال : أفلح إن صدق " ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية، إذ قرنت فيها مع الحج، وبقول بعض الصحابة وبالإحتياط.
واحتج عمر
ولا خلاف في أنّ هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة ؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيراً بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القرآن.
والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه.
ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين : أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى :﴿وأتموا الحج﴾ أي كملوه إن شرعتم فيه، وكذا قوله تعالى :﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] على ما اخترناه وقوله تعالى :﴿فأتموا إليهم عهدهم﴾ [التوبة: ٤] ومثله أن تقول : أسرع السير للذي يسير سيراً بطيئاً، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مراداً به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى :﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ [البقرة: ١٥٠]، وذلك كقولك : أسرع السير فادع لي فلاناً تخاطب به مخاطباً لم يشرع في السير بعد، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة، ونظيره قولهم :« وَسِّع فمَ الركِية، وقولهم : وسع كم الجُبة وضيق جيبها » أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل ؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة.
والآية تحتمل الاستعمالين، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة، بمعنى ألا يكون حجاً وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما.
والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها، وكأنَّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصَّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها.
واللام في ( الحج والعمرة ) لتعريف الجنس، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد، للجماعة وفيه وقوف عرفة، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه.
وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه. وعن ابن السكيت : الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي « الأساس » : فلان تحجه الرفاق أي تقصده اهـ. فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع :
| وأَشْهَدُ من عَوْفٍ حُلولاً كثِيرةً | يَحُجُّون سِبَّ الزّبْرَقَانِ المزعفرا |
| عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ | فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع |
وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل ( أورشليم ) وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح.
واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة ( أورشليم )، وكذا زيارة قبر ( ماربولس ) وقبر ( ماربطرْس ) برومة، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة ( عسقلان ) من بلاد السواحل الشامية، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل :
| كأَنَّ الوُحُوشَ به عَسقَلاَ | نُ صادفْنَ في قَرْن حَجِّ ذِيَافا |
وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل ( زفس ) وللهنود حجوج كثيرة.
والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها، وذِكْر الحج معها إدماج، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين.
وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر، فكانوا يقولون " إذا برىء الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر " ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل.
واصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه ؛ ولذلك لقبوا رجباً ( منصل الأسنة ) ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً.
وقوله ﴿لله﴾ أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له، لأن الكعبة بيت الله وحرمه، فالتقييد هنا بقوله ﴿لله﴾ تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم، وهم الذين منعوا المسلمين منه، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة.
ويجوز أن يكون التقييد بقوله :﴿لله﴾ لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى. وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين.
وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام، وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع.
ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصْل الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن، ومن هؤلاء من قرأ، ( والعمرةُ ) بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج.
وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا : إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة « وأقيموا الحج » وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل.
والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت، وقراءة :« وأقيموا » لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر ؛ بأن يدل على معنى : إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازاً بديعاً، وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا، لأنهم كانوا نووا العمرة، على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن ﴿أتموا﴾ هنا مراد منه إيجاب الشروع، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما أشار له العصام.
فالحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها : فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك : لا أعلم أحداً رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين.
وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي وسعيد بن جبير، وأبو بردة، ومسروق، وإسحاق بن راهويه.
ودليلنا حديث جابر بن عبد الله، " قيل : يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال : لا، وأن تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي ﷺ ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئاً لقلت : العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله : لم أسمع الخ، ولأن الله تعالى قال :﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد. ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة.
واحتج أصحابنا أيضاً بحديث : " بني الإسلام على خمس " وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة، وحديث الأعرابي الذي قال :
" لا أزيد ولا أنقص : فقال : أفلح إن صدق " ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية، إذ قرنت فيها مع الحج، وبقول بعض الصحابة وبالإحتياط.
واحتج عمر