غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿من رأسه﴾ وكذلك " البأس " و " الكأس " كلها بغير همزة، أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿لله﴾ ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل ﴿من الهدى﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿محله﴾ ط لابتداء حكم كفارة الضرورة ﴿أو نسك﴾ ج لأن " إذا " للشرط مع الفاء وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا. أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع ﴿من الهدى﴾ ج ﴿رجعتم﴾ ط ﴿كاملة﴾ ط ﴿الحرام﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه.
التفسير : الحج في اللغة القصد كما مر في قوله ﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾
[البقرة: ١٥٨] وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة. وهي على ثلاثة أقسام : أركان وأبعاض وهيئات. لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا يتوقف. فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة. والأركان عند الشافعي خمسة : الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو تقصيره. وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران في الأركان. وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من الميقات والرمي وفاقاً وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف. وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك. وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ولا دم في تركها. وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها. ثم إن قوله عز من قائل :﴿وأتموا﴾ أمر بالإتمام. وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط ؟ فالشافعي على أنه مطلق والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال. وأبو حنيفة على أنه مشروط والمعنى : من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعاً لزمه الإتمام. وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول دون الثاني. حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاماً كاملاً كقوله ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] أي أدّاهن على التمام والكمال. وقوله ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] أي افعلوا الصيام تاماً إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيساً أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعاً، ولأنه قرئ ﴿وأقيموا الحج والعمرة﴾ والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب. فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى. وأيضاً أنه أحوط. واعتمر النبي ﷺ قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب. وقال تعالى
﴿يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق. لكن الحج واجب على الإطلاق لقوله ﴿ولله على الناس حج البيت﴾
[آل عمران: ٩٧] فيدخل فيه الأكبر والأصغر.
" حجة أبي حنيفة قصة الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي : لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال النبي ﷺ : أفلح الأعرابي إن صدق ". وقال ﷺ :" بني الإسلام على خمس " الحديث. ولم يذكر العمرة. وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا :" روي عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال : لا، وأن تعتمر خير لك ". وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ " الحج جهاد والعمرة تطوع " وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن. وأيضاً لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي ﷺ تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها ﴿وأتموا الحج﴾ وذلك في السنة السابعة من الهجرة. وأيضاً إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها. روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي ﷺ قال : إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال ﷺ " حج عن أبيك واعتمر أمر بهما والأمر للوجوب ". وروي عن ابن عباس أنه قال : إن العمرة لقرينة الحج، وحمله على أنهما يقترنان في الذكر تكلف. وعن عمر أن رجلاً قال له : إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال : هديت لسنة نبيك وحمله على أن الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف. قالوا : قرأ علي وابن مسعود والشعبي ﴿والعمرة لله﴾ بالرفع. فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في الوجوب. وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة عبادة لله لا ينافي وجوبها. واعلم أن لأداء النسكين وجوهاً ثلاثة : الإفراد والتمتع والقِران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. والقِران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معاً، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارناً. والتمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة من مكة. سمي تمتعاً لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضاً يربح ميقاتاً لأنه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة. ولا خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال الشافعي : أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القِران. وقال في اختلاف الحديث : التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك. والإمامية قالوا : لا يجوز لغير حاضري المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة، القِران أفضل ثم الإفراد ثم التمتع. وهو قول المزني وأبي إسحاق المروزي. وقال أبو يوسف ومحمد : القِران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. حجة الشافعي في أفضلية الإفراد قوله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند الإفراد، فأما عند القِران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معاً. وأيضاً الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل. وما روي عن أنس أنه قال : كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله ﷺ وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول : لبيك بعمرة وحجة معاً. معارض بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي ﷺ أفرد بالحج، وهكذا روى جابر وابن عمر. وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم وأقرب إلى رسول الله ﷺ وأقدم صحبة، أن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قليل العلم.
حجة القائلين بأفضلية القِران : أن في القِران مسارعة إلى النسكين، وفي الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله ﴿وسارعوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، لكنا نقول : من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله تعالى ﴿وأتموا﴾. فعن علي رضي الله عنه وابن عباس وابن مسعود : أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك. وقال أبو مسلم : المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال : ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي ﷺ في السنة الماضية عن الحج والعمرة. فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض. ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما في وجوب الإتمام. وقال الأصم : المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة على ما ذكر في الإحياء الأول : في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها. الثاني : الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله تعالى جعل في دعائهم خيراً. والسنة في الوداع أن يقول : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. الثالث : إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد " الفاتحة "، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية " الإخلاص " وبعد الفراغ يتضرع إلى الله تعالى بالإخلاص. الرابع : إذا حصل على باب الدار قال : بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكلما كانت الدعوات أكبر كان أولى. الخامس : إذا ركب قال : بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣] السادس : في النزول. والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً. السابع : إن قصده عدوّ أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي ﴿وشهد الله﴾ [آل عمران: ١٨] و " الإخلاص " و " المعوذتين " ثم يقول : تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت. الثامن : مهما علا نشزاً من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثاً. التاسع : أن لا يكون هذا السفر مشوباً بشيء من الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها. العاشر : أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ليكون مؤتمراً لقوله تعالى :﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ اقتداء بإبراهيم عليه السلام حين ابتلي. بكلمات فأتمهن. وقيل : المراد من قوله :﴿وأتموا﴾ أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل. وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله ﴿فإن أحصرتم﴾ قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب. والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض. فكأن كلاً منها محبوس مع غيره، والحصير المحبس أيضاً. والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو. يقال : حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه. وعن أبي ع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى