تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٩٦ وقوله تعالى :( وأتموا الحج والعمرة لله ) اختلفوا في تأويله وفي قراءته : قال بعض الناس : العمرة فريضة بهذه الآية لأنه أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج، وقيل : هي الحجة الصغرى. وأما عندنا ليست بفريضة، وليس في قوله :( وأتموا الحج والعمرة لله ) دليل فرضيتها(١) لأنا لم نعرف فرضية الحج بهذه الآية، ولكن إنما عرفناه بقوله :( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) [آل عمران: ٩٧].
ثم في الأمر بالإتمام وجوه :
أحدها : أنهم كانوا [ يفتخون الحج والعمرة ](٢)، فأمروا بإتمامها على ما روي عن عمر رضي الله عنه قال :( متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهي عنهما، وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء ).
والثاني : أنهم كانوا لا يجعلون العمرة لله، فأمروا بجعلها لله. وعلى ذلك روي في حرف ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ ( وأتموا الحج ) والعمرة(٣) لله [ وعن علي وأبي هريرة رضي الله عنه ](٤) [ أنهما قالا :( إن )(٥) من تمامهما أن تحرم من دويرة أهلك ).
واحتج أصحابنا، رحمهم الله، أيضا بما روي عن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله " العمرة واجبة هي ؟ قال : لا، وإن تعتمر خير لك " [ الترمذي : ٩٣١ ]، وروي أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال : " الحج مكتوب، والعمرة تطوع " [ نصب الراية : ٣/ ١٤٩ ]، وفي بعضها قال : " الحج جهاد، والعمرة تطوع " [ ابن ماجه : ٢٩٨٩ ] وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " الحج فريضة والعمرة تطوع " [ نصب الراية ٣/١٤٩ وعن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](٦) قالت : قلت : يا رسول الله(٧) أكل أهلك يرجح بحجة وعمرة غيري ؟ قال : " انفري فإنه يكفيك " [ البخاري : ١٥٦١ٍ. إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا.
والأصل : احتج أصحابنا أيضا بشيء من النظر ؛ وذلك أن الله تعالى فرض الصلاة(٨) والزكاة والصيام في أوقات خصها بها، واجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة والصلاة والصيام(٩) يفعل ذلك متى شاء، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها، فدل ذلك على أنها تطوع ؛ إذ لو كانت فريضة كانت لها وقت مخصوص تفعل فيه كغيرها من الفرائض. فإن قيل : إن الحج : التطوع مخصوص بوقت كمخصوص المفروض منه، فكما لا يدل الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل أنها تطوع. قيل : وجدنا الفرض كله مخصوصا لوقت، ووجدنا التطوع على ضربين : منه ما هو مخصوص كالحج، ومنه ما هو غير مخصوص كالصلاة والصيام والصدقة. فلما لم نجد في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت، [ فالعمرة تطوع ](١٠) غير فرض.
واحتجوا أيضا بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج، ولم نجد صلاتين تفعلان بوقت واحد فريضتين، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة. فثبت لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع كالصلاة التي تفعل في وقت الظهر وغيرها.
واحتج من جعلها فرضا بأن قال : لم نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض، فلو كانت العمرة تطوعا لكان لها أصل(١١) في الفرض. قيل : العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولذلك أصل في الفرض : فرض الحج مع ما أنا وجدنا الاعتكاف تطوعا، وليس له أصل في الفرض. فعلى ذلك العمرة.
والأصل أن(١٢) كل ما يبتدئ الله إيجابه على عباده فإنه يوجب فعله(١٣) بأوقات، أو يجعل [ لأدائه أوقاتا ](١٤)، والعمرة ليس لوجوبها وقت ولا لأدائها، ثبت أنها ليست مما أوجبها الله.
وقوله :( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) الآية على الإضمار، كأنه قال، والله أعلم ( فإن أحصرتم ) عن الحج فأردتم أن تحلوا، فاذبحوا ( فما استيسر من الهدى ) إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدي. وعلى ذلك يخرج قوله :( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر ) [البقرة: ١٨٣] كأنه قال، والله أعلم، من ( كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر ) البقرة : ١٨٣ ] كأنه قال، والله أعلم، من ( كان منكم مريضا أو على سفر ) فأفطر(١٥) ( فعدة من أيام أخر ) وقوله(١٦) :( أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) معناه، والله أعلم ( أو به أذى من رأسه ففديه ) وإلا كون الأذى من رأسه لا يوجب عليه الفداء حتى يزول(١٧)، وقوله(١٨) :( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) [البقرة: ١٧٣] أي من ( اضطر ) فأكل منها ( غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه )، والاضطرار نفسه لا يوجب الإثم.
ثم اختلف أهل العلم في الإحصار، ما هو ؟ وبكم ؟ وهل يحل ؟ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " إذا أحصر الرجل من مرض أو حبس أو كسر أو شبه ذلك بعث الهدي، وواعد يوم النحر، ومكث على إحرامه على أن ( تبلغ الهدي محله ) وعليه الحج والعمرة جميعا من قابل " [ الموطأ : ١/٣٦٢ ]. وروي مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه أن قال : " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل " [ الترمذي : ٩٤٠ ] وروي مرفوعا عن رسول الله ﷺ أنه قال : " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل " [ الترمذي : ٩٤٠ ]. ومعنى قوله : " فقد حل " أي جاز له أن يحل بغير دم، لأن الله تعالى أذن له في الإحلال بدم، وهذا عندنا كقول رسول الله ﷺ " إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس، فقد أفطر السائم " [ مسلم ١١٠٠ ] فمعناه : فقد حل له الإفطار. فعلى ذلك الأول : حل له أن يحل.
ثم قال بعض أهل اللغة من نحو الكسائي وأبي معاذ، قالوا : إن الإحصار من المرض، والحصر من العدو. فإن قيل روي عن ابن عباس [ وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا ](١٩) :( لا حصر إلا عن حصار العدو ). ولكن في هذا نسخ الكتاب بقولهما، إن ثبت، وهو(٢٠) لا يرى نسخ الكتاب بالسنة فضلا أن يراه بقول واحد من الصحابة رضوان الله عليهم مع ما ترك قولهما، لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :( ذهب الحصر ).
ثم يقال للشافعي : رحمه الله، إذ أجاز أن يجعل المرأة بمنزلة المحضر من غير أن تخاف عدوا، لكنها لما منعها من له أن يمنعها، جعلتها محصرة، فهلا جعلت المريض مثلها، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من العدو على زعمك ؟ فقال : لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها، فهي أشد حالا ممن [ حبسه عدو، وليس له أن يحبسه ](٢١)، فيقال له : المريض أمرضه من له أن يمرضه، فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو، وليس له أن يحبسه، أو فرق بين(٢٢) المرأة والمريض فقال : بل بينهما فرق ؛ وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه، وقد أباح الله للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن. قيل له : كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال، فالرخصة له أكثر من الرخصة للخائف. فإن قال : إن المريض لا يبرأ بالقعود، والخائف يأمن، قيل له : إن الرخص(٢٣) التي جعلت للأعذار لا تجعل لترخصها، ولكن الرخصة لترفيه المشقة، وقيل(٢٤) له أيضا : قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها، وهي لا تخاف القتل على نفسها، فبطلت علته، وانتقضت ؛ فإن قال : إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محضرا، وهو ممنوع من المضي إلى حجه، فما الفرق بينه وبين(٢٥) المريض ؟ فيقال : لو جعلنا الضال عن الطريق محضرا لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا بدم /٣١-أ/ يوجهه إلى الحرم، فيذبح عنه. وإذا وجد من يذهب إلى الحرم، فيذبح هديه، فليس بضال، لأنه قد وجد دليلا يدله على طريقه ؛ لذلك افترقا(٢٦).
وبعد فإن المريض(٢٧) أحق أن يكون محصرا(٢٨) في ذلك منا لعدو وغيره ؛ لأنه [ لا يقاتل ](٢٩) العدو والسباع، فيدفع عن نفسه الإحصار، والمرض لا سبيل له إلى (٣٠) دفعه. دل أنه أحق أن يكون عذرا.
وقال بعضهم : يكون محصرا من الحج، ولا يكون من العمرة ؛ لأن الحج مما يحتمل الفوت، والعمرة لا.
وأما عندنا : فإنه يكون محصرا منهما جميعا ؛ لأن الله عز وجل ذكر الإحصار على إثر ذكر العمرة بقوله :( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ). وروي في الخبر، يرويه ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ " خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت الشريف، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية " [ البخاري : ١٨٠٧ ].
وقوله :( ولا تحلقوا رءوسكم حتى بلغ الهدي محله ) فيه دلالة أن المحصر يبقى حراما على حاله، لا يحل حتى ينحر عنه الهدي.
واختلف أهل العلم أين يذبح الهدي ؟ فعندنا أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم ؛ روي عن ابن مسعود رضي الله أنه قال : " يبعث بهدي، ويواعدوهم يوما. فإذا نحر(٣١) عنه حل " [ ابن أبي شيبة ٤/ ٥٤ ].
وعن ابن عباس رضي الله عنه مثل ذلك، وعن ابن الزبير [ رضي الله عنه وعروة بن الزبير رضي الله عنه ) : " أن المحصر يبعث بالهدي، فإذا نحر عنه حلق " [ ابن أبي شيبة : ٤/٥٤ ]. وظاهر القرآن يدل على ما روي عن هؤلاء ؛ لأن الله تعالى قال :( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله )، فجعل للهدي محلا يبلغه، وبين موضع محله، فقال :( هذا بالغ الكعبة ) [المائدة: ٩٥]، وكانت الكعبة محلا لجزاء الصيد والدم للمحصر.
قال الشيخ رضي الله عنه : المحل : اسم الموضع الذي يحل فيه، ولو كان كل موضع له محلا لم يكن لذكر المحل فائدة. واحتج من خالف أصحابنا، رحمهم الله، بما روي أن النبي ﷺ ذبح الهدي يوم الحديبية في الحرم، يرويه مروان بن الحكم. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ](٣٢) قال :( أنزل رسول الله ﷺ الحديبية، فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، وجاء سهيل بن عمرو يعرض عليهم الصلح، " فصالحهم رسول الله ﷺ وأمرهم أن يسوقوا البدن حتى تنحر حيث شاء " ) [ أحمد : ٤/٣٢٦ ]. ولا يتوهم أن يكون النبي ﷺ يهدي الهدي في الحل، وقد أطلق له المشركون أن ينحرها حيث شاء، وهو بقرب الحرم، بل هو فيه.
وروي عن مروان والمسور بن مخرمة [ أنه ](٣٣) قال : " نزل رسول الله ﷺ بالحديبية في الحل، وكان يصلي في الحرم " [ بنحوه أحمد : ٤/ ٣٢٦ ]، هذا يبين أنه كان قادرا أن ينحر هديه في الحرم حيث كان يصلي، ولا يحتمل أن يترك نحر الهدي في الحرم، وهو على ذلك قادر ؛ ولأن الحديبية مكان مجمع الحل والحرم جميعا، فإنما ذبح في الحرم لا في الحل لما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يذبح في الحل، وليس سبيل الذبح إلا في الحرم.
فإن قيل : حل النبي ﷺ عام الحديبية من إحصاره بغير دم، قلنا : ليس الأمر عندنا هكذا ؛ [ لأنه ](٣٤) لا يتوهم على النبي [ ﷺ ](٣٥) أن يكون حل بغير دم، وقد أمر الله المحصر بالدم. فإن قال :(٣٦) كذلك قال، وليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر دما واحدا. فما وجه(٣٧) ذلك عندكم ؟ قيل : وجه ذلك عندنا، والله أعلم، أن الهدي الذي ساقه كان هدي(٣٨) متعة أو قران، فلما متع عن البيت سقط عنه دم القران، فجاز له أن يجعله من دم الإحصار.
فإن قيل : فكيف قلت(٣٩) : إن النبي ﷺ أزال الهدي عن سبيله، وأنت تزعم أن من باع هديه فهو مسيء ؟ قيل له : إن النبي ﷺ لم يصرف الهدي عن نحره لله والتقرب به إليه، وإنما صرف النية إلى ما
١ - من ط ع، في الأصل و م: فريضة..
٢ -في م: يفتخون الحج بالعمرة، في ط ع: يفتتحون الحج بالعمرة، يفتخون: من الفتخ، وأصل الفتخ: اللين، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٤٠٨ والمراد من الفتخ أن العرب لم يكونوا يتمون الحج والعمرة، فأمروا بإتمامها..
٣ - انظر تفسير الطبري ٢/ ١٢٠..
٤ -من ط ع..
٥ - في الأصل و م: قالا، في ط ع: قال إن..
٦ -ساقطة من النسخ الثلاث..
٧ - أدرج بعدها في الأصل: صلى الله عليه وسلم..
٨ في الأصل: من الصلاة..
٩ -في الأصل: والقيام..
١٠ -.
١١ -من ط ع، في الأصل و ط م: أصلا..
١٢ - من ط ع، في الأصل و م: بأن..
١٣ - يف النسخ الثلاث فعلها..
١٤ - في النسخ الثلاث: لأدائها أوقات..
١٥ - من ط ع، في الأصل و م: فأكل..
١٦ - في النسخ الثلاث: وكقوله..
١٧ - من ط ع، في الأصل و م: تزيل..
١٨ -في النسخ الثلث: كقوله..
١٩ -من ط ع، و م، في الأصل: أنه قال..
٢٠ -إنه ابن عباس..
٢١ -من ط ع و م، في الأصل: يحبسه..
٢٢ -من ط ع، في الأصل و م: من..
٢٣ - ط ع: الرخصة..
٢٤ - في النسخ الثلاث: فقال..
٢٥ - الواو ساقطة من الأصل و م..
٢٦ - من ط ع و م، في الأصل: افترق..
٢٧ - في ط ع و م: المرض..
٢٨ - في النسخ الثلاث: عذرا..
٢٩ - في الأصل: يقال، في ط ع و م: يقاتل..
٣٠ - ساقطة من ط ع..
٣١ - من ط ع، في الأصل و م: يخبر..
٣٢ -في ط ع و م: وعروة بن الزبير رضي الله عنها..
٣٣ ساقطة من النسخ الثلاث..
٣٤ من ط ع و م، ساقطة من الأصل..
٣٥ -في ط ع: عليه الصلاة والسلام..
٣٦ -من ط ع والأصل، في م: سأل..
٣٧ - من ط ع، في الأصل و م: وجد..
٣٨ - في النسخ الثلاث: هديا..
٣٩ - من ط ع، في الأصل وم: قلنا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى