التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
استمع إلى سورة البقرة وهي تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول :
﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ...﴾
تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه، وسنحاول - بعون الله - أن نبين ما اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى الإِيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإِطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام.
والحج في اللغة : القصد يقال حج فلان الشيء : إذا قصده مرة بعد أخرى.
وفي الشرع : القصد لزيارة بيت الله الحرام في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة الإِسلامية.
والعمرة في اللغة : الزيارة، مأخوذة من العمارة التي هي ضد الخراب ثم أطلقت على الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان.
وفي الشرع : زيارة بيت الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبي ﷺ أركانها وشروطها وكيفيتها.
وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإِسلام، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يسيروا في أدائها على الطريقة التي سار عليها فقال : " خذوا عني مناسككم ".
قال ابن كثير : " وقد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر. وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته ".
وقد اختلف العلماء في المقصود من الإِتمام في قوله - تعالى - ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ﴾ فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما : إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى : أقيموا الحج والعمرة لله : أي أدوهما وائتوا بهما. فالأمر في " أتموا " منصب على الإِنشاء والأداء. فهو كقوله - تعالى - :﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ وأصحاب هذا الرأي يرون أن العمرة واجبة كالحج، لأن الله - تعالى - أمر بهما معاً، ولأن الرسول ﷺ قال : " تابعوا بين الحج والعمرة.. ".
وإلى هذا الرأي أتجه سعيد بن جبير، وعطاء، وسفيان الثوري، والشافعية.
ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية - أن المراد بإتمامهما : الإِتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله - تعالى - وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو في أحدهما أن يتمه ويأتي به كاملا، كما فعل النبي ﷺ وأصحابه في عمرة القضاء.
فيكون المعنى : ائتوا بالحج والعمرة كاملي الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله - تعالى -.
فالأمر على هذا الرأي منصب على الإِتمام لا على أصل الأداء.
وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس في الآية ما يفيد الوجوب، بل فيها ما يفيد وجوب الإِتمام إن شرع فيهما أو في أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى - :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وأيضاً، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل في ثنايا أفعال الحج وأركانه، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " إلى غير ذلك من الأدلة التي ساقها كل فريق لتدعيم رأيه.
ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف، انتصر كثير من العلماء فيه للرأي القائل بأنها ليست فرضاً للحج، بل هي سنة.
وقد كانت فرضية الحج في السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا في السنة التاسعة عندما أرسل النبي ﷺ أبا بكر أميراً على الحج، وكان ذلك تمهيداً لجحه ﷺ سنة عشر.
وقد أمر - سبحانه - بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الحوائج، وحضور الأسواق، دون أن يكون لله - تعالى - فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد، فأمر - سبحانه - المسلمين أن ينزهوا عباداتهم - وخصوصاً الحج - عن الأٌوال السيئة، والأفعال القبيحة، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإِخلاص والطاعة له - سبحانه -.
وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرة له، أردف ذلك ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ والإِحصار والحصر في اللغة : بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - في شأن قتال المشركين :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم﴾ أي : ضيقوا عليهم المنافذ. ويقال للذي لا يبوح بسره : حصر ؛ لأنه حبس نفسه عن البوح بسره.
ويرى بعض علماء اللغة أن الإِحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص، بل بسبب أمر خارجي كالعدو ونحوه.
﴿الهدي﴾ :- بتخفيف الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول، أي : المهدي والمراد به ما يهدي إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقرة والشاة ليذبح تقرباً إلى الله - تعالى -.
و ﴿استيسر﴾ هنا بمعنى يسر وتيسر أي : ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب.
والمعنى : أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك، فإن ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أي منعتم بعد الإِحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أز مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإِحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى.
وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإِحصار في الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية، أما إذا كان الإِحصار بسبب مرض، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعاً، ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه، ولا يتحلل بالذبح، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإِحصار بسبب العدو. أما الأحناف فيرون أن الإِحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع، وعلى من أحصر أن يقضي الحج أو العمرة فيما بعد.
وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإِسلام تلك المبادئ التي تتوخى في كل شئونها التيسير لا التعسسير، والرفق لا التشديد قال - تعالى - :﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ وقال - تعالى - :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم قال - تعالى - :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾.
حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإِحرام، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك. والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال : " اللهم أغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله وللمقصرين. قال : اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله وللمقصرين : قال : وللمقصرين " أما بالنسبة للنساء فيكفي التقصير.
والمحل : اسم لزمان الحلول أو مكانه. يقال : بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه، كما يقال : بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به.
قال الآلوسي : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية.
والمعنى : أتموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه، وهو الحرم.
وهذا رأي الأحناف، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام، فهو اسم مكان، لأن الله - تعالى - قد قال في آية أخرى :﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح.
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي حدث فيه الإِحصار، ودليلهم أن الرسول ﷺ قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحدبيبة وهي ليست من الحرم، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة.
وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله ﷺ كما يقول الآلوسي - كان في طريق الحديبية بأسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم.
وعلى رأي جمهور الفقهاء يكون المعنى : ولا تتحللوا من إحرامكم بالحق حتى تذبحوا الهدى في الموضع الذي أحصرتم فيه، فإذا تم الذبح فأحلقوا وتحللوا. والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذكور.
ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقاً مع السنة النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير، ولا شك أن ذبحهم لهديهم في مكان إحصارهم أيسر لهم، وحمولا قوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ على أنه خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند الإِحصار فقد بينه النبي ﷺ بذبحه لهديه في الحديبية وهي ليست من الحرم عند المحققين.
قال الإِمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقال قال الشافعي وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان.
وبعد أن بين - سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمراً على إحرامه، أردف ذلك ببيان بعض الحالات التي يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على إحرامه فقال - تعالى - :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
أي : فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضاً بمرض يضطر معه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
وقوله :﴿فَفِدْيَةٌ﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أي : فعليه فدية، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية.
والفدية : هي العوض عن الشيء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها.
وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة، لأن الذي به مرض و أذى من رأسه لم يرتكب ذنباً أو إثماً حتى يكفر عنه.
قال القرطبي : والنسك : جمع نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله - تعالى - وتكون من الإِبل والبقر والغنم - ويجمع - أيضاً - على نسائك. والنسك : العبادة في الأصل، ومنه قوله - تعالى - :
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي : متعبداتنا
﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ...﴾
تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه، وسنحاول - بعون الله - أن نبين ما اشتملت عليه من آداب سامية، وتوجيهات حكيمة، بأسلوب هو إلى الإِيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإِطناب، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام.
والحج في اللغة : القصد يقال حج فلان الشيء : إذا قصده مرة بعد أخرى.
وفي الشرع : القصد لزيارة بيت الله الحرام في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، وبكيفية مخصوصة، بينتها الشريعة الإِسلامية.
والعمرة في اللغة : الزيارة، مأخوذة من العمارة التي هي ضد الخراب ثم أطلقت على الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان.
وفي الشرع : زيارة بيت الحرام للتقرب إليه، وقد بين النبي ﷺ أركانها وشروطها وكيفيتها.
وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإِسلام، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يسيروا في أدائها على الطريقة التي سار عليها فقال : " خذوا عني مناسككم ".
قال ابن كثير : " وقد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر. وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته ".
وقد اختلف العلماء في المقصود من الإِتمام في قوله - تعالى - ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ﴾ فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما : إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى : أقيموا الحج والعمرة لله : أي أدوهما وائتوا بهما. فالأمر في " أتموا " منصب على الإِنشاء والأداء. فهو كقوله - تعالى - :﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ وأصحاب هذا الرأي يرون أن العمرة واجبة كالحج، لأن الله - تعالى - أمر بهما معاً، ولأن الرسول ﷺ قال : " تابعوا بين الحج والعمرة.. ".
وإلى هذا الرأي أتجه سعيد بن جبير، وعطاء، وسفيان الثوري، والشافعية.
ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية - أن المراد بإتمامهما : الإِتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله - تعالى - وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو في أحدهما أن يتمه ويأتي به كاملا، كما فعل النبي ﷺ وأصحابه في عمرة القضاء.
فيكون المعنى : ائتوا بالحج والعمرة كاملي الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله - تعالى -.
فالأمر على هذا الرأي منصب على الإِتمام لا على أصل الأداء.
وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها، وليس في الآية ما يفيد الوجوب، بل فيها ما يفيد وجوب الإِتمام إن شرع فيهما أو في أحدهما. وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى - :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وأيضاً، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل في ثنايا أفعال الحج وأركانه، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " إلى غير ذلك من الأدلة التي ساقها كل فريق لتدعيم رأيه.
ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف، انتصر كثير من العلماء فيه للرأي القائل بأنها ليست فرضاً للحج، بل هي سنة.
وقد كانت فرضية الحج في السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات. ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا في السنة التاسعة عندما أرسل النبي ﷺ أبا بكر أميراً على الحج، وكان ذلك تمهيداً لجحه ﷺ سنة عشر.
وقد أمر - سبحانه - بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتفاخر، وقضاء الحوائج، وحضور الأسواق، دون أن يكون لله - تعالى - فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد، فأمر - سبحانه - المسلمين أن ينزهوا عباداتهم - وخصوصاً الحج - عن الأٌوال السيئة، والأفعال القبيحة، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإِخلاص والطاعة له - سبحانه -.
وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرة له، أردف ذلك ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال :﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ والإِحصار والحصر في اللغة : بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما يشبه ذلك. قال - تعالى - في شأن قتال المشركين :﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم﴾ أي : ضيقوا عليهم المنافذ. ويقال للذي لا يبوح بسره : حصر ؛ لأنه حبس نفسه عن البوح بسره.
ويرى بعض علماء اللغة أن الإِحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص، بل بسبب أمر خارجي كالعدو ونحوه.
﴿الهدي﴾ :- بتخفيف الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول، أي : المهدي والمراد به ما يهدي إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقرة والشاة ليذبح تقرباً إلى الله - تعالى -.
و ﴿استيسر﴾ هنا بمعنى يسر وتيسر أي : ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب.
والمعنى : أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك، فإن ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أي منعتم بعد الإِحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أز مرض أو نحوهما، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإِحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى.
وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإِحصار في الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية، أما إذا كان الإِحصار بسبب مرض، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعاً، ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه، ولا يتحلل بالذبح، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإِحصار بسبب العدو. أما الأحناف فيرون أن الإِحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح، إذ الآية عندهم تعم كل منع، وعلى من أحصر أن يقضي الحج أو العمرة فيما بعد.
وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإِسلام تلك المبادئ التي تتوخى في كل شئونها التيسير لا التعسسير، والرفق لا التشديد قال - تعالى - :﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ وقال - تعالى - :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم قال - تعالى - :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾.
حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإِحرام، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك. والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال : " اللهم أغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله وللمقصرين. قال : اللهم اغفر للمحلقين. قالوا : يا رسول الله وللمقصرين : قال : وللمقصرين " أما بالنسبة للنساء فيكفي التقصير.
والمحل : اسم لزمان الحلول أو مكانه. يقال : بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه، كما يقال : بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به.
قال الآلوسي : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية.
والمعنى : أتموا الحج والعمرة لله، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه، وهو الحرم.
وهذا رأي الأحناف، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام، فهو اسم مكان، لأن الله - تعالى - قد قال في آية أخرى :﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح.
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي حدث فيه الإِحصار، ودليلهم أن الرسول ﷺ قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحدبيبة وهي ليست من الحرم، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة.
وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله ﷺ كما يقول الآلوسي - كان في طريق الحديبية بأسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم.
وعلى رأي جمهور الفقهاء يكون المعنى : ولا تتحللوا من إحرامكم بالحق حتى تذبحوا الهدى في الموضع الذي أحصرتم فيه، فإذا تم الذبح فأحلقوا وتحللوا. والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذكور.
ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقاً مع السنة النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير، ولا شك أن ذبحهم لهديهم في مكان إحصارهم أيسر لهم، وحمولا قوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾ على أنه خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند الإِحصار فقد بينه النبي ﷺ بذبحه لهديه في الحديبية وهي ليست من الحرم عند المحققين.
قال الإِمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية، فقال قال الشافعي وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان.
وبعد أن بين - سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمراً على إحرامه، أردف ذلك ببيان بعض الحالات التي يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على إحرامه فقال - تعالى - :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
أي : فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضاً بمرض يضطر معه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
وقوله :﴿فَفِدْيَةٌ﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أي : فعليه فدية، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية.
والفدية : هي العوض عن الشيء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها.
وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة، لأن الذي به مرض و أذى من رأسه لم يرتكب ذنباً أو إثماً حتى يكفر عنه.
قال القرطبي : والنسك : جمع نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله - تعالى - وتكون من الإِبل والبقر والغنم - ويجمع - أيضاً - على نسائك. والنسك : العبادة في الأصل، ومنه قوله - تعالى - :
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي : متعبداتنا