معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. قرأ علقمة و إبراهيم النخعي ( وأقيموا الحج والعمرة لله ) واختلفوا في إتمامهما. فقال بعضهم : هو أن يتمها بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم النخعي ومجاهد، وأركان الحج خمسة : الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير. وللحج تحللان، وأسباب التحلل ثلاثة : رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق، فإذا وجد شيئان من هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل الأول، وبالثلاث حصل التحلل الثاني، وبعد التحلل الأول يستبيح جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وبعد الثاني يستبيح الكل، و أركان العمرة أربعة : الإحرام، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق، وقال سعيد بن جبير وطاووس : تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما مفردين، مستأنفين من دويرة أهلك، وسئل علي بن أبي طالب عن قوله تعالى :﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال : أن تحرم بهما من دويرة أهلك. ومثله عن ابن مسعود، قال قتادة : تمام العمرة أن تعتمر في غير أشهر الحج، فإن كانت في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فهي تمتعه، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلها حتى لا يلزمه عما ترك دم بسبب قران ولا متعة. وقال الضحاك : إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً، وينتهي عما نهى الله عنه، وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج من أهلك، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة. قال عمر بن الخطاب : الوفد كثير والحاج قليل، واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، واختلفوا في وجوب العمرة، فذهب أكثر أهل العلم إلى وجوبها، وهو قول عمر وعلي وابن عمر.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : والله أن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله، قال الله تعالى :( وأتموا الحج والعمرة لله ). وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد والحسن، وقتادة، سعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوري والشافعي في أصح قوليه، وذهب قوم إلى أنها سنة، وهو قول جابر، وبه قال الشعبي وإليه ذهب مالك وأهل العراق وتأولوا قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) على معنى، أتموهما إذا دخلتم فيهما، أما ابتداء الشروع فيها فتطوع، واحتج من لم يوجبها بما روي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه سئل عن العمرة أواجبة هي ؟ " فقال : لا وأن تعتمروا خير لكم " والقول الأول أصح، ومعنى قوله ( وأتموا الحج والعمرة لله ) أي ابتدئوهما، فإذا دخلتم فيهما فأتموهما، فهو أمر بالابتداء والإتمام، أي أقيموهما كقوله تعالى :( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أي ابتدئوه وأتموه.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة، أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة " وقال ابن عمر :" ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلاً كما قال الله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع "، واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه : الإفراد والتمتع والقران.
فصورة الإفراد : أن يفرد الحج، ثم بعد الفراغ منه يعتمر، وصورة التمتع : أن يعتمر في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة، يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام، وصورة القران : أن يحرم بالحج والعمرة معاً، يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارناً، واختلفوا في الأفضل من هذه الوجوه : فذهب جماعة إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمنع ثم القران. وهو قول مالك والشافعي لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت :" خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بالعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر ".
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وهو يحدث عن حجة النبي ﷺ قال : خرجنا مع النبي ﷺ لا ننوي إلا الحج، ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة "، وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ أفرد الحج وذهب قوم إلى أن القرآن أفضل وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا محمد بن هشام بن ملا بن النميري، أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري، أخبرنا حميد قال : قال أنس بن مالك : أهل رسول الله ﷺ فقال :" لبيك بحج وعمرة ". وذهب قوم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال :" تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، بين الصفا والمروة، ويقصر وليتحلل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط، ومشى أربعاً، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس ".
وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ. قال شيخنا الإمام رضي الله عنه : قد اختلفت الرواة في إحرام النبي ﷺ كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب، اختلاف الأحاديث، كلاماً موجزاً أن أصحاب رسول الله ﷺ كان منهم المفرد، والقارن والمتمتع، وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن فيه، فيجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له، كما يقال بنى فلان داراً، وأريد أنه أمر ببنائها، وكما روي أن النبي ﷺ " رجم ماعزاً "، وإنما أمر برجمه، واختار الشافعي لرواية جابر، وعائشة، وابن عمرو، وقدمها على رواية غيرهم لتقدم صحبة جابر النبي صلى الله عليه وحسن سياقه لابتداء قصة حجة الوداع وآخرها، ولفضل حفظ عائشة، وقرب ابن عمر من النبي ﷺ. ومال الشافعي في اختلاف الأحاديث إلى التمتع، وقال : ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحاً من جهة أنه مباح، لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافاً، يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج والقرآن، واسع كله أي التمتع والإفراد والقرآن. وقال : من قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما يعرف من أهل العلم الذين أدركوا دور رسول الله ﷺ أن أحدا لا يكون مقيما على الحج وقد ابتدأ إحرامه بالحج. قال شيخنا الإمام : ومما يدل على أنه كان متمتعاً أن الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة، وقد روينا عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال : تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وقال ابن شهاب عن عروة إن عائشة أخبرته عن النبي ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر وقال ابن عباس : قال رسول الله ﷺ " هذه عمرة استمتعنا بها ". وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة : صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه. قال شيخنا الإمام : وما روي عن جابر أنه قال : خرجنا لا ننوي إلا الحج، لا ينافي التمتع، لأن خروجهم كان لقصد الحج، ثم منهم من قدم العمرة، ومنهم من أهل بالحج إلى أن أمره النبي ﷺ أن يجعله متعة. قوله تعالى :﴿فإن أحصرتم﴾. اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه، فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى البيت الحرام والمضي في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة، يبيح له التحلل، وبه قال ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري، وأهل العراق وقالوا : إن الإحصار في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض، وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال : منه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس عدو، أو سجن يقال : منه حصر محصور، وإنما جعل هاهنا حبس العدو إحصاراً قياساً على المرض إذ كان في معناه، واحتجوا بما روي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : قال رسول الله ﷺ :" من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ".
قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا : صدق. وذهب جماعة إلى أنه لا يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر العدو، وروي معناه عن ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد. وقال ثعلب تقول العرب : حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا منعه عن السير فهو محصر، واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وكان ذلك حبساً من جهة العدو، ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية ( فإذا أمنتم ) والأمن يكون من الخوف، وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو بما ثبت عن ابن عباس

تفسير هذه الآية من كتب أخرى