روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
وأتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } أي اجعلوهما تامين إذا تصديتم لأدائهما لوجه الله تعالى فلا دلالة في الآية على أكثر من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية رضي الله تعالى عنهم، فإن إفساد الحج والعمرة مطلقاً يوجب المضيّ في بقية الأفعال والقضاء، ولا تدل على وجوب الأصل، والقول بالدلالة بناءاً على أن الأمر بالإتمام مطلقاً يستلزم الأمر/ بالأداء لما تقرر من أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ليس بشيء لأن الأمر بالإتمام يقتضي سابقية الشروع الأمر بالإتمام مقيداً بالشروع، وادعاء أن المعنى ائتوا بهما حال كونهما تامين مستجمعي الشرائط والأركان، وهذا يدل على وجوبهما لأن الأمر ظاهر فيه، ويؤيده قراءة ( وأقيموا الحج والعمرة ) ليس بسديد. أما أولاً : فلأنه خلاف الظاهر وبتقدير قبوله في مقام الاستدلال يمكن أن يجعل الوجوب المستفاد من الأمر فيه متوجهاً إلى القيد أعني تامين لا إلى أصل الإتيان كما في قوله ﷺ :" بيعوا سواء بسواء " وأما ثانياً : فلأن الأمر في القراءة محمول على المعنى المجازي المشترك بين الواجب والمندوب أعني طلب الفعل والقرينة على ذلك الأحاديث الدالة على استحباب العمرة، فقد أخرج الشافعي في «الأم » وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ماجه أنه ﷺ قال :" الحج جهاد والعمرة تطوع " وأخرج الترمذي وصححه عن جابر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن العمرة، أواجبة هي ؟ قال :" لا، وأن تعتمروا خير لكم " ويؤيد ذلك أن ابن مسعود صاحب هذه القراءة قال فيما أخرجه عند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد :" الحج فريضة والعمرة تطوع " وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف » عنه أيضاً أنه كان يقرأ ذلك ثم يقول : والله لولا التحرج أني لم أسمع فيها من رسول الله ﷺ شيئاً لقلت : إن العمرة واجبة مثل الحج، وهذا يدل على أنه رضي الله تعالى عنه لم يجعل الأمر بالنسبة إليها للوجوب لأنه لم يسمع شيئاً فيه ولعله سمع ما يخالفه ولهذا جزم في الرواية الأولى عنه بفرضية الحج واستحباب العمرة، وكأنه لذلك حمل الأمر في قراءته على القدر المشترك الذي قلناه لا غير بناء على امتناع استعمال المشترك في معنييه ؛ وعدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز والميل إلى عدم تقدير فعل موافق للمذكور يراد به الندب، نعم لا يعد ما ذكر صارفاً إلا إذا ثبت كونه قبل الآية، أما إذا ثبت كونه بعدها فلا لأنه يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد لما أن الأمر ظاهر في الوجوب، وليس مجملاً في معانيه على الصحيح حتى يحمل الخبر على تأخير البيان على ما وهم والقول بأن أحاديث الندب سابقة ولا تصرف الأمر عن ظاهره بل يكون ذلك ناسخاً لها سهو ظاهر لأن الأحاديث نص في الاستحباب، والقرآن ظاهر في الوجوب فكيف يكون الظاهر ناسخاً للنص، والحال أن النص مقدم على الظاهر عن التعارض.
ثم إن هذا الذي ذكرناه وإن لم يكن مبطلاً لأصل التأييد إلا أنه يضعفه جداً، وادعى بعضهم أن الأحاديث الدالة على استحباب العمرة معارضة بما يدل على وجوبها منها، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت » وأخرج أبو داود، والنسائي أن رجلاً قال لعمر : إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال : هديت لسنة نبيك، فإن هذا يدل على أن الإهلال بهما طريقة النبي ﷺ لأن الاستدلال بما حكاه الصحابي من سنته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالاً بالحديث الفعلي الذي رواه الصحابي، والقول بأن أهللت بهما جملة مفسرة لقوله وجدت فيجوز أن يكون الوجوب بسبب الإهلال بهما فلا يدل الحديث على الوجوب ابتداءاً ليس بشيء لأن الجملة مستأنفة كأنه قيل : فما فعلت ؟ فقال : أهللت فيدل على أن الوجدان سبب الإهلال دون العكس لأن مقصود السائل السؤال عن صحة إهلاله بهما فكيف يقول وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما فإنه إنما يصح على تقدير علمه بصحة إهلاله بهما، وجواب عمر رضي الله تعالى عنه بمعزل عن وجوب الإتمام لأن كون الشروع/ في الشيء موجباً لإتمامه، لا يقال فيه أنه طريقة النبي ﷺ بل يقال في أداء المناسك والعبادات، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات فأهللت بالفاء الدالة على الترتب، وما ذكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه معارض بما روي عنه من القول بالوجوب وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وكان يقرأ :( وأقيموا ) أيضاً كما رواه عنه ابن جرير وغيره، وكذا ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم انتهى، والإنصاف تسليم تعارض الأخبار، وقد أخذ كل من الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع، والاختلاف في أمثالها رحمة وإن الحق أن الآية لا تصلح دليلاً للشافعية ومن وافقهم كالإمامية علينا، وليس فيها عند التحقيق أكثر من بيان وجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المخلة بذلك من الاحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما من الوجوب وعدمه، ووجوب الحج مستفاد من قوله تعالى :
﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ آل عمران : ٧ ٩ ] ومن ادعى من المخالفين أنها دليل له فقد ركب شططاً وقال غلطاً كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه : إتمام الحج والعمرة لله أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ومثله عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج، وقيل : إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً، وقيل : أن تحدث لكل منهما سفراً، وقيل : أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ونحوها، وقرئ ( إلى البيت )، و( للبيت ) والأول : مروي عن ابن مسعود، والثاني : عن عليّ كرم الله تعالى وجهه.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مقابل لمحذوف أي هذا إن قدرتم على إتمامهما والإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقاً، وليس الحصر مختصاً بما يكون من العدو، والإحصار بما يكون من المرض، والخوف كما توهم الزجاج من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال : حصره العدو وأحصره كصده وأصده فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكراراً ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازاً وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك، والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حصر إلا حصر العدو فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بمواقع التنزيل. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما، فقد أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحجاج بن عمرو «من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل » وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال :«أهلّ رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال : ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل » وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس، وروى البخاري مثله عنه، وقال عروة : كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم مجاب عنه، أما الأول : فستعلم ما فيه، وأما الثاني : فإنه لا عبرة بخصوص السبب، والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً، والقول بأن أحصرتم ليس عاماً إذ الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه إن لم يكن عاماً لكنه مطلق فيجري على إطلاقه.
وأما الثالث : فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس/ رضي الله تعالى عنه في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال : يقول :«من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي » فكما خصص في الرواية الأولى : عمم في هذه وهو أعلم بمواقع التنزيل والقول بأن حديث الحجاج ضعيف ضعيف ؛ إذ له طرق مختلفة في السنن وقد روى أبو داود أن عكرمة سأل العباس وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقالا : صدق، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله ﷺ لضباعة :" حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني " لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى.
﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ أي فعليكم أو فالواجب أو فاهدوا ما استيسر أي تيسر فهو كصعب واستصعب، وليست السين للطلب، والهدي مصدر بمعنى المفعول أي المهدي ولذلك يطلق على المفرد والجمع أو جمع هدية كجدي وجدية وقرئ ( هدي ) بالتشديد جمع هدية كمطي ومطية وهو في موضع الحال من الضمير المستكن، والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : وما عظم فهو أفضل، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه خص الهدي ببقرة أو جزور فقيل له : أو ما يكفيه شاة ؟ فقال : لا ويذبحه حيث أحصر عند الأكثر لأنه ﷺ ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل، وعندنا يبعث من أحصر به ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل لقوله تعالى :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ﴾ فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى :
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾ [ المائدة : ٥ ٩ ] وما روي من ذبحه ﷺ في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم، والحنفية يقولون : إن محصر رسول الله ﷺ كان في طريق الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله ﷺ وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله ﷺ نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعن
ثم إن هذا الذي ذكرناه وإن لم يكن مبطلاً لأصل التأييد إلا أنه يضعفه جداً، وادعى بعضهم أن الأحاديث الدالة على استحباب العمرة معارضة بما يدل على وجوبها منها، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله ﷺ :«إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت » وأخرج أبو داود، والنسائي أن رجلاً قال لعمر : إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال : هديت لسنة نبيك، فإن هذا يدل على أن الإهلال بهما طريقة النبي ﷺ لأن الاستدلال بما حكاه الصحابي من سنته عليه الصلاة والسلام يكون استدلالاً بالحديث الفعلي الذي رواه الصحابي، والقول بأن أهللت بهما جملة مفسرة لقوله وجدت فيجوز أن يكون الوجوب بسبب الإهلال بهما فلا يدل الحديث على الوجوب ابتداءاً ليس بشيء لأن الجملة مستأنفة كأنه قيل : فما فعلت ؟ فقال : أهللت فيدل على أن الوجدان سبب الإهلال دون العكس لأن مقصود السائل السؤال عن صحة إهلاله بهما فكيف يقول وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما فإنه إنما يصح على تقدير علمه بصحة إهلاله بهما، وجواب عمر رضي الله تعالى عنه بمعزل عن وجوب الإتمام لأن كون الشروع/ في الشيء موجباً لإتمامه، لا يقال فيه أنه طريقة النبي ﷺ بل يقال في أداء المناسك والعبادات، ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات فأهللت بالفاء الدالة على الترتب، وما ذكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه معارض بما روي عنه من القول بالوجوب وبذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه وكان يقرأ :( وأقيموا ) أيضاً كما رواه عنه ابن جرير وغيره، وكذا ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم انتهى، والإنصاف تسليم تعارض الأخبار، وقد أخذ كل من الأئمة بما صح عنده والمسألة من الفروع، والاختلاف في أمثالها رحمة وإن الحق أن الآية لا تصلح دليلاً للشافعية ومن وافقهم كالإمامية علينا، وليس فيها عند التحقيق أكثر من بيان وجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المخلة بذلك من الاحصار ونحوه من غير تعرض لحالهما من الوجوب وعدمه، ووجوب الحج مستفاد من قوله تعالى :
﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ آل عمران : ٧ ٩ ] ومن ادعى من المخالفين أنها دليل له فقد ركب شططاً وقال غلطاً كما لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه : إتمام الحج والعمرة لله أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ومثله عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر وأن يعتمر في غير أشهر الحج، وقيل : إتمامهما أن تكون النفقة حلالاً، وقيل : أن تحدث لكل منهما سفراً، وقيل : أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ونحوها، وقرئ ( إلى البيت )، و( للبيت ) والأول : مروي عن ابن مسعود، والثاني : عن عليّ كرم الله تعالى وجهه.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ مقابل لمحذوف أي هذا إن قدرتم على إتمامهما والإحصار والحصر كلاهما في أصل اللغة بمعنى المنع مطلقاً، وليس الحصر مختصاً بما يكون من العدو، والإحصار بما يكون من المرض، والخوف كما توهم الزجاج من كثرة استعمالهما كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفراده، والدليل على ذلك أنه يقال : حصره العدو وأحصره كصده وأصده فلو كانت النسبة إلى العدو معتبرة في مفهوم الحصر لكان التصريح بالإسناد إليه تكراراً ولو كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو مجازاً وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك، والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى :﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله عام الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا حصر إلا حصر العدو فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بمواقع التنزيل. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن المراد به ما يعم كل منع من عدو ومرض وغيرهما، فقد أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث الحجاج بن عمرو «من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل » وروى الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال :«أهلّ رجل بعمرة يقال له عمر بن سعيد فلسع فبينا هو صريع في الطريق إذ طلع عليه ركب فيهم ابن مسعود فسألوه فقال : ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة فإذا كان ذلك فليحل » وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس، وروى البخاري مثله عنه، وقال عروة : كل شيء حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم مجاب عنه، أما الأول : فستعلم ما فيه، وأما الثاني : فإنه لا عبرة بخصوص السبب، والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه ذكره باللام استقلالاً، والقول بأن أحصرتم ليس عاماً إذ الفعل المثبت لا عموم له فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء لأنه إن لم يكن عاماً لكنه مطلق فيجري على إطلاقه.
وأما الثالث : فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس/ رضي الله تعالى عنه في أمثال ذلك معارض بما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عنه في تفسير الآية أنه قال : يقول :«من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي » فكما خصص في الرواية الأولى : عمم في هذه وهو أعلم بمواقع التنزيل والقول بأن حديث الحجاج ضعيف ضعيف ؛ إذ له طرق مختلفة في السنن وقد روى أبو داود أن عكرمة سأل العباس وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فقالا : صدق، وحمله على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية لقوله ﷺ لضباعة :" حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني " لا يتمشى على ما تقرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا اتحد الحادثة والحكم وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى.
﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ أي فعليكم أو فالواجب أو فاهدوا ما استيسر أي تيسر فهو كصعب واستصعب، وليست السين للطلب، والهدي مصدر بمعنى المفعول أي المهدي ولذلك يطلق على المفرد والجمع أو جمع هدية كجدي وجدية وقرئ ( هدي ) بالتشديد جمع هدية كمطي ومطية وهو في موضع الحال من الضمير المستكن، والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : وما عظم فهو أفضل، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه خص الهدي ببقرة أو جزور فقيل له : أو ما يكفيه شاة ؟ فقال : لا ويذبحه حيث أحصر عند الأكثر لأنه ﷺ ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل، وعندنا يبعث من أحصر به ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل لقوله تعالى :﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ﴾ فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى :
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾ [ المائدة : ٥ ٩ ] وما روي من ذبحه ﷺ في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم، والحنفية يقولون : إن محصر رسول الله ﷺ كان في طريق الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله ﷺ وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله ﷺ نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعن