البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿أحصرتم﴾ قال يونس بن حبيب : أحصر الرجل رد عن وجه يريده، قيل : حصر وأحصر لمعنى واحد، قاله الشيباني، والزجاج، وقاله ابن عطية عن الفراء، وقال ابن ميادة :
وما هجر ليلى أن يكون تباعدت***
عليك ولا أن أحصرتك شغول
وقيل : أحصر بالمرض، وحصره العدوّ، قاله يعقوب.
وقال الزجاج أيضاً : الرواية عن أهل العلم في العلم الذي يمنعه الخوف والمرض : أحصر، والمحبوس : حصر، وقال أبو عبيدة والفراء أيضاً أحصر فهو محصَر، فإن حبس في سجن أو دار قيل حُصِر فهو : محصور، وقال ثعلب : أصل الحصر والإحصار : الحبس، وحصر في الحبس أقوى من أحصر، وقال ابن فارس في ( المجمل ) : حصر بالمرض، وأحصر بالعدوّ.
ويقال : حصره صدره أي : ضاق، ورجل حصر : وهو الذي لا يبوح بسره، قال جرير :
ولقد تكنفني الوشاة فصادفوا***
حَصِراً بسرِّك يا تميم ضنينا
والحصر : احتباس الغائط، والحصير : الملك، لأنه كالمحبوس بالحجاب.
قال لبيد :
حتى لدى باب الحصير قيام***
والحصير معروف : وهو سقيف من بردى سمى بذلك لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس الشيء مع غيره.
﴿الهدي﴾ الهدي ما يهدى إلى بيت الله تعالى تقرباً إليه، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره.
يقال : أهديت إلى البيت الحرام هدياً وهديّاً بالتشديد، والتخفيف، فالتشديد جمع هديَّة، كمطية ومطيّ، والتخفيف جمع هديَة كجذية السرج، وجذي.
قال الفراء : لا واحد للهدي، وقيل : التشديد لغة تميم، ومنه قول زهير :
فلم أر معشراً أسروا هديّاً***
ولم أر جار بيت يستباء
وقيل : الهديّ، بالتشديد فعيل بمعنى مفعول، وقيل : الهدي بالتخفيف مصدر في الأصل، وهو بمعنى الهدي كالرهن ونحوه، فيقع للأفراد والجمع.
وفي اللغة ما أهدي من دراهم أو متاع أو نِعم أو غير ذلك يسمى هدياً، لكن الحقيقة الشرعية خصت الهدي بالنعم.
وقد وقع الخلاف فيما يسمى من النعم هدياً على ما سيأتي ذكره إن شاء الله.
الحلق : مصدر حلق يحلق إذا أزال الشعر بموسى أو غيره من محدّد ونورة، والحلق مجرى الطعام بعد الفم.
الأذى : مصدر، وهو بمعنى الألم، تقول : آذاني زيد إيذاءً آلمني.
الصدقة : ما أعطي من مال بلا عوض تقرباً إلى الله تعالى.
النسك : قال ابن الأعرابي : النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها، كالنسيكة المخلصة من الدنس، ثم قيل للذبيحة : نسك، لأنها من أشرف العبادات التي تتقرب بها إلى الله تعالى، وقيل : النسك مصدر نسك ينسك نَسكاً ونُسكاً، كما تقول حلم الرجل، حُلماً وحِلماً.
الأمن : زوال ما يحذر، يقال : أمن يأمن أمناً وأمنة.
الثلاثة : عدد معروف، ويقال منه : ثلثت القوم أثلثهم، أي صيرتهم ثلاثة بي.
والثلاثون عدد معروف، والثلث بضم اللام وتسكينها أحد أجزاء المنقسم إلى ثلاثة، وثلث ممنوعاً من الصرف، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
العقاب : مصدر عاقب أي جازى المسيء على إساءته، وهو مشتق من العاقبة، كأنه يراد عاقبة فعله المسيء.
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ الإتمام كما تقدّم ضد النقص، والمعنى : إفعلوهما كاملين ولا تأتوا بهما ناقصين شيئاً من شروطهما، وأفعالهما التي تتوقف وجود ماهيتهما عليهما، كما قال غيلان :
تمام الحج أن تقف المطايا***
على خرقاء واضعة اللثام
جعل : وقوف المطايا على محبوبته، وهي : مي، كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلاَّ به.
هذا ظاهر اللفظ، وقد فسر : الإتمام، بغير ما يقتضيه الظاهر.
قال الشعبي، وابن زيد : إتمامهما أن لا ينفسخ، وأن تتمهما إذا بدأت بهما.
وقال علي، وابن مسعود، وابن عباس، وسعيد، وطاووس : إتمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك، وفعله عمران بن حصين.
وقال الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله : لله.
وقال القاسم بن محمد وقتادة : إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم، وقالت فرقة : إتمامهما أن تفرد كل واحد من حج أو عمرة ولا تقرن، والإفراد عند هؤلاء أفضل.
وقال قوم : إتمامهما : أن تقرن بينهما، والقران عند هؤلاء أفضل.
وقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، وغيرهم : إتمامها أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء، وهذا يقرب من القول الأول، وقال قوم : أن يفرد لكل واحد منهما سفراً.
وقيل : أن تكون النفقة حلالاً وقال مقاتل : إتمامهما أن لا تستحلٍ فيهما ما لا يجوز، وكانوا يشركون في إحرامهم، يقولون : لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
فقال : أتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً.
وقال الماتريدي : إنما قال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ لأن الكفرة كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم، وقال المروزي : كان الكفار يحجون للأصنام.
وقرأ علقمة : وأقيموا الحج وقرأ طلحة بن مصرف : الحج، بالكسر هنا، وفي آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن وتقدّم قراءة ابن إسحاق : الحج بالكسر في جميع القرآن، وسيأتي ذكر الخلاف في قوله :﴿حج البيت﴾ في موضعه.
وقرأ ابن مسعود : واتموا الحج والعمرة إلى البيت لله، وقرأ علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر والشعبي، وأبو حيوة، والعمرة لله بالرفع على الابتداء والخبر، فيخرج العمرة عن الأمر، وينفرد به الحج.
وروي عنه أيضاً : وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
و : لله، متعلق بأتموا وهو مفعول من أجله، ويجوز أن يكون في موضع الحال، ويكون العامل محذوفاً تقديره : كائنين لله، ولا خلاف في أن الحج فرض، وأنه أحد الأركان التي بني الإسلام عليها، وفروضه : النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي بين الصفا والمروة، خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة، على قول ابن الماجشون، والوقوف بمزدلفة على قول الأوزاعي.
وأما أعمال العمرة : فنية، وإحرام، وطواف، وسعي.
ولا يدل الأمر بإتمام الحج والعمرة على فرضية العمرة، ولا على، أنها سنة، فقد يصح صوم رمضان وشيئاً من شوال بجامع ما اشتركا فيه من المطلوبية، وإن اختلفت جهتا الطلب، ولذلك ضعف قول من استدل على أن العمرة فرض بقوله : وأتموا.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، ومسروق، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين، والشعبي، وابن جبير، وأبي بردة، وعبد الله بن شدّاد ؛ ومن علماء الأمصار : الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وابن حميم، من المالكيين.
وذهب جماعة من الصحابة إلى أن العمرة سنة، منهم : ابن مسعود، وجابر، ومن التابعين : النخعي، ومن علماء الأمصار : مالك، وأبو حنيفة، إلاَّ أنه إذا شرع فيها عندهما وجب إتمامها.
وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة القولين، والحجج منقولة في كتب الفقه.
﴿فإن أحصرتم﴾ ظاهره ثبوت هذا الحكم للأمة، وأنه يتحلل بالإحصار.
وروي عن عائشة وابن عباس : أنه لا يتحلل من إحرامه إلاَّ بأداء نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره.
وليس لمحرم أن يتحلل بالإحصار بعد النبي ﷺ، فإن كان إحرامه بعمرة لم يفت، وإن كان بحج ففاته قضاه بالفوات بعد إحلاله منه وتقدم الكلام في الإحصار.
وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة : أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدوّ، وبالمرض، وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار.
وليس في الآية تقييد، وبهذا قال قتادة، والحسن، وعطاء، والنخعي، ومجاهد، وأبو حنيفة، وقال علقمة، وعروة : الآية نزلت فيمن أحصر بالمرض لا بالعدوّ، وقال ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ومالك، والشافعي.
لا يكون الإحصار إلاَّ بالعدوّ فقط.
قال ابن عباس : والآية نزلت فيمن أحصر بالعدوّ لا بالمرض.
وقال مالك، والشافعي : ولو أحصر بمرض فلا يحله إلاَّ البيت، ويقيم حتى يفيق، ولو أقام سنين.
وظاهر قوله :﴿فان أحصرتم﴾ استواء المكي والآفاقي في ذلك، وقال عروة، والزهري، وأبو حنيفة : ليس على أهل مكة إحصار.
وظاهر لفظ : أحصرتم، مطلق الإحصار، وسواء علم بقاء العدوّ استيطانه لقوته وكثرته، فيحل المحصر مكانه من ساعته على قول الجمهور، أو رجا زواله، وقيل : لا يباح له التحلل إلاَّ بعد أن يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه لو زال العدوّ لم يدرك الحج، فيحل حينئذ، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون.
وقيل : من حصر عن الحج بعذر حتى يوم النحر فلا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة، ومطلق الإحصار يشمل قبل عرفة وبعدها خلافاً لأبي حنيفة، فإن من أحصر بمكة أو بعد الوقوف فلا يكون محصراً ؛ وبناء الفعل للمفعول يدل على أن المحصر بمسلم أو كافر سواء.
﴿فما استيسر من الهدي﴾ هو شاة، قاله علي، وابن عباس، وعطاء، وابن جبير، وقتادة، وإبراهيم، والضحاك، ومغيرة.
وقد سميت هدياً في قوله :﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ وقال الحسن، وقتادة : أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة.
وبه قال مالك، وأبو يوسف، وزفر، يكون من الثلاثة، يكون المستيسر على حكم حال المهدي، وعلى حكم الموجود.
وروى طاووس عن ابن عباس : أنه على قدر الميسرة، وقال ابن عمر، وعائشة، والقاسم، وعروة : هو جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة، ولا يكون الهدي إلاَّ من هذين، ولا يكون الشاة من الهدي، وبه قال أبو حنيفة.
قال ابن شبرمة : من الإبل خاصة، وقال الأوزاعي يهدي الذكور من الإبل والبقر.
ولو عدم المحصر الهدي فهل له بدل ينتقل إليه ؟ قال أبو حنيفة : تكون في ذمته أبداً ولا يحل حتى يجد هدياً فيذبح عنه، وقال أحمد : له بدل، والقولان عن الشافعي، فعلى القول الأول : يقيم على إحرامه أو يتحلل، قولان.
وعلى الثاني : يقوم الهدي بالدراهم، ويشترى بها الطعام، والكل أنه لا بدل للهدي، والظاهر أن العمرة كالحج في حكم الإحصار، وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال ابن سيرين لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة.
والظاهر أنه لا يشترط سن في الهدي، وقال أبو حنيفة، والشافعي : لا يجزى إلاَّ الثني فصاعداً، وقال مالك : لا يجزي من الإبل إلاَّ الثني فصاعداً، ويجوز اشتراك سبعة في بقرة أو بدنة، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي.
وقال مالك : يجوز ذلك في التطوع لا في الواجب، والظاهر وجوب ﴿ما استيسر من الهدي﴾ وقال ابن القاسم : لا يهدي شيئاً إلاَّ إن كان معه هدي، والجمهور على أنه يحل حيث أحصر وينجز هديه إن كان ثم هدي، ويحلق رأسه.
وقال قتادة، وإبراهيم : يبعث هديه إن أمكنه، فإذا بلغ محله صار حلالاً.
وقال أبو حنيفة : إن كان حاجاً فبالحرم متى شاء، وقال أبو يوسف، ومحمد في أيام النحر : وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقت عندهم جميعاً، ونحر رسول الله ﷺ هديه حيث أحصر، وكان طرف ال
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنهم يسألون رسول الله ﷺ عن حال الأهلة، وفائدتها في تنقلها من الصغر إلى الكبر، وكان من الإخبار بالمغيب، فوقع السؤال عن ذلك، وأجيبوا بأن حكمة ذلك كونها جعلت مواقيت لمصالح العباد ومعاملاتهم ودياناتهم، ومن أعظم فائدتها كونها مواقيت للحج، ثم ذكر شيئاً مما كان يفعله من أحرم بالحج، وكانوا يرون ذلك براً، فرد عليهم فيه، وأمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وأخبروا أن البر هو في تقوى الله، ثم أمروا بالتقوى راجين للفلاح عند حصولها.
ثم أمروا بالقتال في نصرة الدين من قاتلهم، ونهوا عن الاعتداء، وأخبر أن الله تعالى لا يحب من اعتدى.
ثم أمروا بقتل من ظفروا به، وبإخراج من أخرجهم من المكان الذي أخرجوه منه، ثم أخبر أن الفتنة في الدين أو بالإخراج من الوطن، أو بالتعذيب أشد من القتل، لأن في القتل راحة من هذا كله، ثم لما تضمن الأمر بالإخراج أن يخرجوا من المكان الذي أخرجوا منه، وكان ذلك من جملته المسجد الحرام نهوا عن مقاتلتهم فيه إلاَّ إن قاتلوكم، وذلك لحرمة المسجد الحرام جاهلية واسلاماً، ثم أمر تعالى بقتلهم إذا ناشبوا القتال، وكان فيه بشارة بأنا نقتلهم، إذ أمرنا بقتلهم لا بقتالهم، ولا يقتل الإنسان إلاَّ من كان متمكناً من قتله، ثم ذكر أن من كفر بالله فمثل هذا الجزاء جزاؤه من مقاتلته وإخراجه من وطنه وقتله.
ثم أخبر تعالى أنه غفور رحيم لمن انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله
ولما كان الأمر بالقتال، فيما سبق، مقيداً مرة بمن قاتل، ومرة بمكان حتى يبدأ بالقتال فيه، أمرهم بالقتال على كل حال من قاتل ومن لم يقاتل، وعند المسجد الحرام وغيره، فنسخ هذا الأمر تلك القيود، وصار مغياً أو معللاً بانتفاء الفتنة وخلوص الدين لله.
وختم هذا الأمر بأن من انتهى ودخل في الإسلام فلا اعتداء عليه، وإنما الاعتداء على الظالمين، وهم الكافرون، كما ختم الأمر السابق بأن من انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام غفر الله له ورحمه.
ثم أخبر تعالى أن هتك حرمة الشهر الحرام بسبب القتال فيه، وهو شهر ذي القعدة، وكانوا يكرهون القتال فيه حين خرجوا لعمرة القضاء جائز لكم بسبب هتكهم حرمته فيه حين قاتلوكم فيه عام الحديبية، وصدوكم عن البيت، ثم أكد ذلك بقوله :﴿والحرمات قصاص﴾ فاقتضى أن كل من هتك أي حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فكما هتكوا حرمة شهركم لا تبالوا بهتك حرمته لهم، ثم أمر بالمجازاة لمن اعتدى علينا بعقوبة مثل عقوبته، تأكيد لما سبق، وأمر بالتقوى، فلا يوقع في المجازاة غير ما سوَّغه له، ثم قال إنه تعالى مع من اتقى، ومن كان الله معه فهو المنصور على عدوه.
ثم أمر تعالى بإنفاق المال في سبيله ونصرة دينه، وأن لا يخلد إلى الدعة والرغبة في إصلاح هذه الدنيا والإخلاد إليها، ونهانا عن الالتباس بالدعة والهوينا فنضعف عن أعدائنا، ويقوون هم علينا، فيؤول أمرنا معهم لضعفنا وقوتهم إلى هلاكنا، وفي هذا الأمر وهذا النهي من الحض على الجهاد ما لا يخفى، ثم أمرهم تعالى بالإحسان، وأنه تعالى يحب من أحسن.
ثم أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة بأن يأتوا بهما تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وأن يكون فعل ذلك لوجه الله تعالى لا يشوب فعلها رياء ولا سمعة، وكانوا في الجاهلية قد يحجون لبعض أصنامهم، فأمروا بإخلاص العمل في ذلك لله تعالى.
ثم ذكر أن من أحصر وحبس عن إتمام الحج أو العمرة فيجب عليه ما يسر من الهدي، والهدي يشمل : البعير، والبقرة، والشاة، ثم نهى عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله، والذي جرت العادة به في الهدي أنه محله هو الحرم، فخوطبوا بما كان سابقاً لهم علمه به، ولما غيا الحلق بوقوع هذه الغاية من بلوغ الهدي محله، وكان قد يعرض للإنسان ما يقتضي حلق رأسه لمرض أو أذى برأسه من قمل أو قرح أو غير ذلك، فأوجب تعالى عليه بسبب ذلك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وبين رسول الله ﷺ ما انبهم من هذا الإطلاق في هذه الثلاثة في حديث كعب بن عجرة على ما مر تفسيره، واقتضى هذا التركيب التخيير بين هذه الثلاثة، ثم ذكر تعالى أنهم إذا كانوا آمنين، وتمتع أحدهم بالعمرة إلى وقت الإحرام بالحج فإنه يلزمه ما استيسر من الهدي، وقد فسرنا ما استيسر من الهدي، وأنه إذا لم يجد ذلك بتعذر ثمن الهدي، أو فقدان الهدي، فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، أي : في زمن وقوع الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ووطنه.
ثم أخبر أن هذه الأيام، وإن اختلف زمان صيامها، فمنها ما يصومه وهو ملتبس بهذه الطاعة الشريفة، ومنها ما يصومه غير ملتبس بها، لكن الجميع كامل في الثواب والأجر، إذ هو ممثل ما أمر الله تعالى به، فلا فرق في الثواب بين ما أمر بإيقاعه في الحج، وما أمر بإيقاعه في غير الحج.
ثم ذكر أن هذا التمتع، ولازمه من الهدي أو الصوم، هو مشروع لغير المكي، ثم لما تقدّم منه تعالى في هذه الآيات أوامر ونواهي، كرر الأمر بالتقوى، وأعلم أنه تعالى شديد العقاب لمن خالف ما شرع تعالى.
وجاءت هذه الآية شديدة الالتئام، مستحكمة النظام، منسوقاً بعضها على بعض، ولا كنسق اللآلىء مشرقة الدلالة ولا كإشراق الشمس في برجها العالي.
سامية في الفصاحة إلى أعالي الذرى، معجزة أن يأتى بمثلها أحد من الورى.
وما هجر ليلى أن يكون تباعدت***
عليك ولا أن أحصرتك شغول
وقيل : أحصر بالمرض، وحصره العدوّ، قاله يعقوب.
وقال الزجاج أيضاً : الرواية عن أهل العلم في العلم الذي يمنعه الخوف والمرض : أحصر، والمحبوس : حصر، وقال أبو عبيدة والفراء أيضاً أحصر فهو محصَر، فإن حبس في سجن أو دار قيل حُصِر فهو : محصور، وقال ثعلب : أصل الحصر والإحصار : الحبس، وحصر في الحبس أقوى من أحصر، وقال ابن فارس في ( المجمل ) : حصر بالمرض، وأحصر بالعدوّ.
ويقال : حصره صدره أي : ضاق، ورجل حصر : وهو الذي لا يبوح بسره، قال جرير :
ولقد تكنفني الوشاة فصادفوا***
حَصِراً بسرِّك يا تميم ضنينا
والحصر : احتباس الغائط، والحصير : الملك، لأنه كالمحبوس بالحجاب.
قال لبيد :
حتى لدى باب الحصير قيام***
والحصير معروف : وهو سقيف من بردى سمى بذلك لانضمام بعضه إلى بعض، كحبس الشيء مع غيره.
﴿الهدي﴾ الهدي ما يهدى إلى بيت الله تعالى تقرباً إليه، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره.
يقال : أهديت إلى البيت الحرام هدياً وهديّاً بالتشديد، والتخفيف، فالتشديد جمع هديَّة، كمطية ومطيّ، والتخفيف جمع هديَة كجذية السرج، وجذي.
قال الفراء : لا واحد للهدي، وقيل : التشديد لغة تميم، ومنه قول زهير :
فلم أر معشراً أسروا هديّاً***
ولم أر جار بيت يستباء
وقيل : الهديّ، بالتشديد فعيل بمعنى مفعول، وقيل : الهدي بالتخفيف مصدر في الأصل، وهو بمعنى الهدي كالرهن ونحوه، فيقع للأفراد والجمع.
وفي اللغة ما أهدي من دراهم أو متاع أو نِعم أو غير ذلك يسمى هدياً، لكن الحقيقة الشرعية خصت الهدي بالنعم.
وقد وقع الخلاف فيما يسمى من النعم هدياً على ما سيأتي ذكره إن شاء الله.
الحلق : مصدر حلق يحلق إذا أزال الشعر بموسى أو غيره من محدّد ونورة، والحلق مجرى الطعام بعد الفم.
الأذى : مصدر، وهو بمعنى الألم، تقول : آذاني زيد إيذاءً آلمني.
الصدقة : ما أعطي من مال بلا عوض تقرباً إلى الله تعالى.
النسك : قال ابن الأعرابي : النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها، كالنسيكة المخلصة من الدنس، ثم قيل للذبيحة : نسك، لأنها من أشرف العبادات التي تتقرب بها إلى الله تعالى، وقيل : النسك مصدر نسك ينسك نَسكاً ونُسكاً، كما تقول حلم الرجل، حُلماً وحِلماً.
الأمن : زوال ما يحذر، يقال : أمن يأمن أمناً وأمنة.
الثلاثة : عدد معروف، ويقال منه : ثلثت القوم أثلثهم، أي صيرتهم ثلاثة بي.
والثلاثون عدد معروف، والثلث بضم اللام وتسكينها أحد أجزاء المنقسم إلى ثلاثة، وثلث ممنوعاً من الصرف، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
العقاب : مصدر عاقب أي جازى المسيء على إساءته، وهو مشتق من العاقبة، كأنه يراد عاقبة فعله المسيء.
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ الإتمام كما تقدّم ضد النقص، والمعنى : إفعلوهما كاملين ولا تأتوا بهما ناقصين شيئاً من شروطهما، وأفعالهما التي تتوقف وجود ماهيتهما عليهما، كما قال غيلان :
تمام الحج أن تقف المطايا***
على خرقاء واضعة اللثام
جعل : وقوف المطايا على محبوبته، وهي : مي، كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلاَّ به.
هذا ظاهر اللفظ، وقد فسر : الإتمام، بغير ما يقتضيه الظاهر.
قال الشعبي، وابن زيد : إتمامهما أن لا ينفسخ، وأن تتمهما إذا بدأت بهما.
وقال علي، وابن مسعود، وابن عباس، وسعيد، وطاووس : إتمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك، وفعله عمران بن حصين.
وقال الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله : لله.
وقال القاسم بن محمد وقتادة : إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم، وقالت فرقة : إتمامهما أن تفرد كل واحد من حج أو عمرة ولا تقرن، والإفراد عند هؤلاء أفضل.
وقال قوم : إتمامهما : أن تقرن بينهما، والقران عند هؤلاء أفضل.
وقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، وغيرهم : إتمامها أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء، وهذا يقرب من القول الأول، وقال قوم : أن يفرد لكل واحد منهما سفراً.
وقيل : أن تكون النفقة حلالاً وقال مقاتل : إتمامهما أن لا تستحلٍ فيهما ما لا يجوز، وكانوا يشركون في إحرامهم، يقولون : لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
فقال : أتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً.
وقال الماتريدي : إنما قال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ لأن الكفرة كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم، وقال المروزي : كان الكفار يحجون للأصنام.
وقرأ علقمة : وأقيموا الحج وقرأ طلحة بن مصرف : الحج، بالكسر هنا، وفي آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن وتقدّم قراءة ابن إسحاق : الحج بالكسر في جميع القرآن، وسيأتي ذكر الخلاف في قوله :﴿حج البيت﴾ في موضعه.
وقرأ ابن مسعود : واتموا الحج والعمرة إلى البيت لله، وقرأ علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر والشعبي، وأبو حيوة، والعمرة لله بالرفع على الابتداء والخبر، فيخرج العمرة عن الأمر، وينفرد به الحج.
وروي عنه أيضاً : وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
و : لله، متعلق بأتموا وهو مفعول من أجله، ويجوز أن يكون في موضع الحال، ويكون العامل محذوفاً تقديره : كائنين لله، ولا خلاف في أن الحج فرض، وأنه أحد الأركان التي بني الإسلام عليها، وفروضه : النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي بين الصفا والمروة، خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة، على قول ابن الماجشون، والوقوف بمزدلفة على قول الأوزاعي.
وأما أعمال العمرة : فنية، وإحرام، وطواف، وسعي.
ولا يدل الأمر بإتمام الحج والعمرة على فرضية العمرة، ولا على، أنها سنة، فقد يصح صوم رمضان وشيئاً من شوال بجامع ما اشتركا فيه من المطلوبية، وإن اختلفت جهتا الطلب، ولذلك ضعف قول من استدل على أن العمرة فرض بقوله : وأتموا.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وابن عمر، ومسروق، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين، والشعبي، وابن جبير، وأبي بردة، وعبد الله بن شدّاد ؛ ومن علماء الأمصار : الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وابن حميم، من المالكيين.
وذهب جماعة من الصحابة إلى أن العمرة سنة، منهم : ابن مسعود، وجابر، ومن التابعين : النخعي، ومن علماء الأمصار : مالك، وأبو حنيفة، إلاَّ أنه إذا شرع فيها عندهما وجب إتمامها.
وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة القولين، والحجج منقولة في كتب الفقه.
﴿فإن أحصرتم﴾ ظاهره ثبوت هذا الحكم للأمة، وأنه يتحلل بالإحصار.
وروي عن عائشة وابن عباس : أنه لا يتحلل من إحرامه إلاَّ بأداء نسكه، والمقام على إحرامه إلى زوال إحصاره.
وليس لمحرم أن يتحلل بالإحصار بعد النبي ﷺ، فإن كان إحرامه بعمرة لم يفت، وإن كان بحج ففاته قضاه بالفوات بعد إحلاله منه وتقدم الكلام في الإحصار.
وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة : أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدوّ، وبالمرض، وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار.
وليس في الآية تقييد، وبهذا قال قتادة، والحسن، وعطاء، والنخعي، ومجاهد، وأبو حنيفة، وقال علقمة، وعروة : الآية نزلت فيمن أحصر بالمرض لا بالعدوّ، وقال ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ومالك، والشافعي.
لا يكون الإحصار إلاَّ بالعدوّ فقط.
قال ابن عباس : والآية نزلت فيمن أحصر بالعدوّ لا بالمرض.
وقال مالك، والشافعي : ولو أحصر بمرض فلا يحله إلاَّ البيت، ويقيم حتى يفيق، ولو أقام سنين.
وظاهر قوله :﴿فان أحصرتم﴾ استواء المكي والآفاقي في ذلك، وقال عروة، والزهري، وأبو حنيفة : ليس على أهل مكة إحصار.
وظاهر لفظ : أحصرتم، مطلق الإحصار، وسواء علم بقاء العدوّ استيطانه لقوته وكثرته، فيحل المحصر مكانه من ساعته على قول الجمهور، أو رجا زواله، وقيل : لا يباح له التحلل إلاَّ بعد أن يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه لو زال العدوّ لم يدرك الحج، فيحل حينئذ، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون.
وقيل : من حصر عن الحج بعذر حتى يوم النحر فلا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة، ومطلق الإحصار يشمل قبل عرفة وبعدها خلافاً لأبي حنيفة، فإن من أحصر بمكة أو بعد الوقوف فلا يكون محصراً ؛ وبناء الفعل للمفعول يدل على أن المحصر بمسلم أو كافر سواء.
﴿فما استيسر من الهدي﴾ هو شاة، قاله علي، وابن عباس، وعطاء، وابن جبير، وقتادة، وإبراهيم، والضحاك، ومغيرة.
وقد سميت هدياً في قوله :﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ وقال الحسن، وقتادة : أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة.
وبه قال مالك، وأبو يوسف، وزفر، يكون من الثلاثة، يكون المستيسر على حكم حال المهدي، وعلى حكم الموجود.
وروى طاووس عن ابن عباس : أنه على قدر الميسرة، وقال ابن عمر، وعائشة، والقاسم، وعروة : هو جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة، ولا يكون الهدي إلاَّ من هذين، ولا يكون الشاة من الهدي، وبه قال أبو حنيفة.
قال ابن شبرمة : من الإبل خاصة، وقال الأوزاعي يهدي الذكور من الإبل والبقر.
ولو عدم المحصر الهدي فهل له بدل ينتقل إليه ؟ قال أبو حنيفة : تكون في ذمته أبداً ولا يحل حتى يجد هدياً فيذبح عنه، وقال أحمد : له بدل، والقولان عن الشافعي، فعلى القول الأول : يقيم على إحرامه أو يتحلل، قولان.
وعلى الثاني : يقوم الهدي بالدراهم، ويشترى بها الطعام، والكل أنه لا بدل للهدي، والظاهر أن العمرة كالحج في حكم الإحصار، وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال ابن سيرين لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة.
والظاهر أنه لا يشترط سن في الهدي، وقال أبو حنيفة، والشافعي : لا يجزى إلاَّ الثني فصاعداً، وقال مالك : لا يجزي من الإبل إلاَّ الثني فصاعداً، ويجوز اشتراك سبعة في بقرة أو بدنة، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي.
وقال مالك : يجوز ذلك في التطوع لا في الواجب، والظاهر وجوب ﴿ما استيسر من الهدي﴾ وقال ابن القاسم : لا يهدي شيئاً إلاَّ إن كان معه هدي، والجمهور على أنه يحل حيث أحصر وينجز هديه إن كان ثم هدي، ويحلق رأسه.
وقال قتادة، وإبراهيم : يبعث هديه إن أمكنه، فإذا بلغ محله صار حلالاً.
وقال أبو حنيفة : إن كان حاجاً فبالحرم متى شاء، وقال أبو يوسف، ومحمد في أيام النحر : وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقت عندهم جميعاً، ونحر رسول الله ﷺ هديه حيث أحصر، وكان طرف ال
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنهم يسألون رسول الله ﷺ عن حال الأهلة، وفائدتها في تنقلها من الصغر إلى الكبر، وكان من الإخبار بالمغيب، فوقع السؤال عن ذلك، وأجيبوا بأن حكمة ذلك كونها جعلت مواقيت لمصالح العباد ومعاملاتهم ودياناتهم، ومن أعظم فائدتها كونها مواقيت للحج، ثم ذكر شيئاً مما كان يفعله من أحرم بالحج، وكانوا يرون ذلك براً، فرد عليهم فيه، وأمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وأخبروا أن البر هو في تقوى الله، ثم أمروا بالتقوى راجين للفلاح عند حصولها.
ثم أمروا بالقتال في نصرة الدين من قاتلهم، ونهوا عن الاعتداء، وأخبر أن الله تعالى لا يحب من اعتدى.
ثم أمروا بقتل من ظفروا به، وبإخراج من أخرجهم من المكان الذي أخرجوه منه، ثم أخبر أن الفتنة في الدين أو بالإخراج من الوطن، أو بالتعذيب أشد من القتل، لأن في القتل راحة من هذا كله، ثم لما تضمن الأمر بالإخراج أن يخرجوا من المكان الذي أخرجوا منه، وكان ذلك من جملته المسجد الحرام نهوا عن مقاتلتهم فيه إلاَّ إن قاتلوكم، وذلك لحرمة المسجد الحرام جاهلية واسلاماً، ثم أمر تعالى بقتلهم إذا ناشبوا القتال، وكان فيه بشارة بأنا نقتلهم، إذ أمرنا بقتلهم لا بقتالهم، ولا يقتل الإنسان إلاَّ من كان متمكناً من قتله، ثم ذكر أن من كفر بالله فمثل هذا الجزاء جزاؤه من مقاتلته وإخراجه من وطنه وقتله.
ثم أخبر تعالى أنه غفور رحيم لمن انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله
ولما كان الأمر بالقتال، فيما سبق، مقيداً مرة بمن قاتل، ومرة بمكان حتى يبدأ بالقتال فيه، أمرهم بالقتال على كل حال من قاتل ومن لم يقاتل، وعند المسجد الحرام وغيره، فنسخ هذا الأمر تلك القيود، وصار مغياً أو معللاً بانتفاء الفتنة وخلوص الدين لله.
وختم هذا الأمر بأن من انتهى ودخل في الإسلام فلا اعتداء عليه، وإنما الاعتداء على الظالمين، وهم الكافرون، كما ختم الأمر السابق بأن من انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام غفر الله له ورحمه.
ثم أخبر تعالى أن هتك حرمة الشهر الحرام بسبب القتال فيه، وهو شهر ذي القعدة، وكانوا يكرهون القتال فيه حين خرجوا لعمرة القضاء جائز لكم بسبب هتكهم حرمته فيه حين قاتلوكم فيه عام الحديبية، وصدوكم عن البيت، ثم أكد ذلك بقوله :﴿والحرمات قصاص﴾ فاقتضى أن كل من هتك أي حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فكما هتكوا حرمة شهركم لا تبالوا بهتك حرمته لهم، ثم أمر بالمجازاة لمن اعتدى علينا بعقوبة مثل عقوبته، تأكيد لما سبق، وأمر بالتقوى، فلا يوقع في المجازاة غير ما سوَّغه له، ثم قال إنه تعالى مع من اتقى، ومن كان الله معه فهو المنصور على عدوه.
ثم أمر تعالى بإنفاق المال في سبيله ونصرة دينه، وأن لا يخلد إلى الدعة والرغبة في إصلاح هذه الدنيا والإخلاد إليها، ونهانا عن الالتباس بالدعة والهوينا فنضعف عن أعدائنا، ويقوون هم علينا، فيؤول أمرنا معهم لضعفنا وقوتهم إلى هلاكنا، وفي هذا الأمر وهذا النهي من الحض على الجهاد ما لا يخفى، ثم أمرهم تعالى بالإحسان، وأنه تعالى يحب من أحسن.
ثم أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة بأن يأتوا بهما تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وأن يكون فعل ذلك لوجه الله تعالى لا يشوب فعلها رياء ولا سمعة، وكانوا في الجاهلية قد يحجون لبعض أصنامهم، فأمروا بإخلاص العمل في ذلك لله تعالى.
ثم ذكر أن من أحصر وحبس عن إتمام الحج أو العمرة فيجب عليه ما يسر من الهدي، والهدي يشمل : البعير، والبقرة، والشاة، ثم نهى عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله، والذي جرت العادة به في الهدي أنه محله هو الحرم، فخوطبوا بما كان سابقاً لهم علمه به، ولما غيا الحلق بوقوع هذه الغاية من بلوغ الهدي محله، وكان قد يعرض للإنسان ما يقتضي حلق رأسه لمرض أو أذى برأسه من قمل أو قرح أو غير ذلك، فأوجب تعالى عليه بسبب ذلك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وبين رسول الله ﷺ ما انبهم من هذا الإطلاق في هذه الثلاثة في حديث كعب بن عجرة على ما مر تفسيره، واقتضى هذا التركيب التخيير بين هذه الثلاثة، ثم ذكر تعالى أنهم إذا كانوا آمنين، وتمتع أحدهم بالعمرة إلى وقت الإحرام بالحج فإنه يلزمه ما استيسر من الهدي، وقد فسرنا ما استيسر من الهدي، وأنه إذا لم يجد ذلك بتعذر ثمن الهدي، أو فقدان الهدي، فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، أي : في زمن وقوع الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ووطنه.
ثم أخبر أن هذه الأيام، وإن اختلف زمان صيامها، فمنها ما يصومه وهو ملتبس بهذه الطاعة الشريفة، ومنها ما يصومه غير ملتبس بها، لكن الجميع كامل في الثواب والأجر، إذ هو ممثل ما أمر الله تعالى به، فلا فرق في الثواب بين ما أمر بإيقاعه في الحج، وما أمر بإيقاعه في غير الحج.
ثم ذكر أن هذا التمتع، ولازمه من الهدي أو الصوم، هو مشروع لغير المكي، ثم لما تقدّم منه تعالى في هذه الآيات أوامر ونواهي، كرر الأمر بالتقوى، وأعلم أنه تعالى شديد العقاب لمن خالف ما شرع تعالى.
وجاءت هذه الآية شديدة الالتئام، مستحكمة النظام، منسوقاً بعضها على بعض، ولا كنسق اللآلىء مشرقة الدلالة ولا كإشراق الشمس في برجها العالي.
سامية في الفصاحة إلى أعالي الذرى، معجزة أن يأتى بمثلها أحد من الورى.