الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾.
قرأ ابن أبي إسحاق :( الحج ) بكسر الحاء في جميع القرآن وهي لغة تميم وقيس بن غيلان.
وذكر عن طلحة بن مصرف : بالكسر هاهنا، وفي سورة آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن.
وقرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم، برواية حفص : بالكسر في آل عمران وبالفتح في سائر القرآن.
وقرأ الباقون : بالفتح كل القرآن وهي لغة أهل الحجاز. قال الكسائي : هما لغتان ليس بينهما في المعنى شيء مثل رَطل ورِطل (. . . . . . ) بنصب وكسر.
وقال أبو معاذ :( الحج ) بالفتح مصدر والحج بالكسر الإسم مثل قسم وقِسم وشرب وشِرب وسَقي وسقِي وفي مصحف عبدالله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بالبيت.
وقرأ علقمة وإبراهيم : واتيموا الحج والعمرة.
واختلف المفسرون في اتمامهما.
فقال بعضم : معنى ذلك واتموا الحج والعمرة بمناسكهما وحدودهما وسنتهما، وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبرهيم ومجاهد.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال : من أحرم بحج أو عمرة ليس له أن يحل حتّى يتمها، وتمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت وقد حل من إحرامه كلّه بتمام العمرة، إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حلّ، وفرائض الحج أربعة : الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الافاضة، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وأعمال العمرة كلها أربعة : فرض الاحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، وأقله ثلاث شعرات.
روى سعيد بن جبير وطاوس : تمام الحج والعمرة أن يحرم بهما مفردين. . . . . .
وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة فقال جاء رجل إلى علي فقال : أرأيت قول الله عزّ وجلّ ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ قال : إن تحرم من دويرة أهلك.
قال قتادة ( إتمام العمرة ) أن يعتمر في غير أشهر الحج، وما كان في أشهر الحج ثمّ أقام حتّى يحج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجد، أو الصيام، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلها حتّى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة.
ابن جريج عن عطاء عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله :" عمرة في رمضان تعدل حجّة ".
وقال الضحاك : أيامها أن يكون النفقة حلالاً ( وينتهي ) عما نهى الله عنه.
وقال سفيان : تمامها أن يخرج من ( بلده ) لهما لا يريد غيرهما ولا يخرج لتجارة ولا لحاجة حتّى إذا كنت قريباً من مكّة قلت : لو حججت أو إعتمرت، وذلك يجزي ولكن التمام أن يخرج له ولا يخرج لغيره.
وروى جعفر بن سليمان ( البيعي ) عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله :" يأتي على الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزهة، وسائلهم للتجارة وقرّاؤهم للرياء والسمعة وفقرائهم للمسألة ".
وفي هذا المعنى كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الوفَّاد كثير والحجاج قليل.
حكم الآية
اختلف الفقهاء في العمرة، فقال قوم : هي سنّة حسنة وليست بفريضة واجبة وهو مذهب أحمد ومالك بن أنس وأبي ثور وقول الشافعي في القديم وهو اختيار جرير بن محمّد الطبري، وإحتجوا بقراءة الشعبي ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ لله رفعاً.
وبما روى محمّد بن المنكدر عن جابر عن النبيّ ﷺ إنّه سأل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ وأن تعتمروا خيرٌ لكم ؟ وفي مهاجر الحج فريضة والعمرة تطوع قالوا أيضاً لما ذكر الله فرض الحج لم يذكر معه العمرة، وقال عزّ من قائل ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال الآخرون : ان العمرة فريضة وهي الحج الأصغر، وهو قول علي وابن عبّاس وزيد ابن ثابت وعلي بن الحسين وعطاء وقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وقول الشافعي في الجديد والأصح من مذهبه واختيار أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وإحتجوا في ذلك بقراءة العامة والعمرة، نصباً على معنى وأتموا فرض الحج والعمرة.
وبما روي عن النبيّ ﷺ إنّه قال :" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".
وروى عكرمة عن ابن عبّاس إنّه قال : والله إن العمرة لفريضة الحج، في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ وقال ابن عمر : ليس من خلق الله أحد إلاّ وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، كما قال الله تعالى.
فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع.
وقال مسروق : أمرنا في كتاب الله بأربعة : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحجّ والعمرة فنزّلت العمرة من الحجّ منزلة الزكاة من الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾.
وقال عبدالملك بن سليمان : سأل رجل سعيد بن جبير عن النبيّ ﷺ ان العمرة فريضة هي أم تطوع ؟ فقال : فريضة، قال : فإن الشعبي يقول هي تطوع، قال : كذّب الشعبي، ثمّ قرأ ( واتموا الحج والعمرة لله )، فمن قال : إن العمرة ليست بفرض يأول الآية على معنى : أتموها إذا دخلتم فيها ولم يرد ابتدأ الدخول فيه فرضاً عليه، وذلك كالمتطوع بالحج لا خلاف فيه إذا أحرم أنَّ عليه المضي فيه وإتمامه، فإن لم يكن فرضاً عليه ابتدأ الدخول فيه وكذلك العمرة.
ومثله روي ابن وهب عن زيد قال : ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال : فقلت له : قول الله ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ قال : ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا شرع في أمر إلاّ أن يتمه وإذا خرج فيها لم ينبغي له أن يحل يوماً ثمّ يرجع كما لو صام يوماً لم ينبغي له أن يفطر في نصف النهار، ودليل هذا التأويل قوله ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] لم يرد به الابتداء وإنّما أراد به اتمام ما مضى من العهد والعقد، ومن أوجب العمرة تأول الاتمام على معنى الابتداء والالزام أي أقيموها وافعلوها يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي فعلهن وقام بهن، وقوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ أيّ ثمّ ابتدئوا الصيام وأتموه لأنه ذكره عقيب الأكل والشرب والصبح، وهذا هو الأصح والأوضح لأنه جمع بين الاثنين، وحمل الآية على عمومها فمعناه إبتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، فيكون جامع بين وجهي الاتمام، ولأن من أوجهها أكثر، والأخبار في إيجاب الحجّ والعمرة مقترنتين أظهر وأشهر.
عن أبي رزين العقيلي إنّه قال :" يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجّ والعمرة ولا الطعن، قال : حجَّ عن أبيك واعتمر ".
وقال أبو المشفق :" لقيت النبيّ ﷺ بعرفة فدنوت منه حتّى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته فقلت : يا رسول الله انبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني الجنّة ؟ قال : اعبد الله ولا تشرك به شيئاً وأقم الصلاة المكتوبة وأدّ الزكاة المفروضة وحجّ وإعتمر وصمّ رمضان وانظرما تحب من النّاس ان يأتوه إليك فافعله بهم وما تكره من الناس إن يأتوه إليك فذرهم منه ".
عاصم عن شفيق عن عبدالله قال : قال رسول الله ﷺ :" تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنّهم لينفيان الفقر والفاقة والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجّ المبرور ثواب دون الجنّة ".
في افراد الحج
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة " إن رسول الله ﷺ أفرد الحج ".
ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلاّ الحج.
حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت " خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، والأفراد ان يحرم بالحج من الميقات ويفرغ منه ثمّ يحرم بالعمرة من مكّة " وهو إختيار الشافعي وأصحابه.
في القِران
عبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل ويحيى بن إسحاق كلهم عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" لبيك عمرةً وحجاً لبيك عمرةً وحجاً " حميد بن هلال قال : سمعت مطرفاً يقول : قال لي عمران بن الحصين :" جمع رسول الله ﷺ بين حجة وعمرة " ثمّ توفي قبل أن ينهي عنهما وقبل أن ينزل القرآن بتحريمه. وعن أبي وائل قال : قال قيس بن معبد : كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فكنت حريصاً على الجهاد فوجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأتيت رجلاً من عشيرتي يقال له، هريم بن عبد الله فسألته فقال : إجمعها ثمّ إذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما، ثمّ أتيت العذيب يلقيني سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما، فقال أحدهما للآخر : ما هذا بأفقه من بعيرة، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت : يا أمير المؤمنين إني أسلمت وأنا حريص على الجهاد وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأتيت هريم بن عبد الله، فقال : إجمعهما ثمّ إذبح ما إستيسر من الهدي، وأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سليمان بن ربيعة وزيد فقال أحدهما للآخر : ما هذا بأفقه من بعيرة فقال عمر : هديت سنّة نبيك ﷺ.
علي بن الحسن عن عثمان بن الحكم ان عثمان نهى عن المتعة وأن يجمع الحج والعمرة.
فقال علي : لبيك بحج وعمرة معاً، وقال عثمان : أتفعلها وأنا أنهى عنها ؟
فقال علي : لم أكن لأدع سنّة رسول الله ﷺ لأحد من الناس.
والقرآن لم يحرم الحج والعمرة معاً من الميقات، وهو إختيار أبي حنيفة وأصحابه. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واختلف العلماء في معنى الاحصار الذي جعل الله على من ابتلى به في حجته وعمرته ما استيسر من الهدي.
وقال قوم : هو كل مانع أو حابس مَنَع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله تعالى عليه في احرامه ووصوله إلى البيت الحرام أي شيء كان من مرض أو جرح أو كسر أو خوف أو عدو أو لدغ أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلته أو غيرها من الاعذار، فإنه يقيم مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو من الهدي فإذا نحر الهدي حل من إحرامه، هذا قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل والكلبي ومذهب أهل العراق، وإحتجوا في أن الاحصار في كلام العرب هو صنع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة، فأما منع العدو بالحبس والقهر من سلطان قاهر فإن ذلك حصر لا إحصار، كذا قال : الكسائي وأبو عبيدة والفراء قالوا : ما كان من مرض وذهاب نفقه قيل فيه حصر فهو محصر، وما كان من خشية عدو أو سجن قيل فيه حصر فهو محصور، يدلّ عليه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء: ٨] أي محبساً، قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو إحصاراً قياساً على المرض، إذ كان في حكمه ( فلا دلالة ) ظاهرة.
وقال الآخرون : بالأُخرى أن يمنع عدو أو قاهر من بني آدم من الوصول إلى البيت، وأمّا المرض وسائر الاعذار فغير داخل في هذه الآية.
هذا قول ابن عمر وابن عبّاس وعبد الله بن الزبير وسعد بن المسيب وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب ومذهب الشافعي وأهل المدينة فاحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وذلك إحصار عدو، يدلّ عليه قوله في سياق الآية ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ ولا يكون إلامِن الخوف و

تفسير هذه الآية من كتب أخرى