تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اختلف أهل العربية في قوله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم :[ تقديره ](١) الحج حَجُّ أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السّنَةِ مذهبُ مالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهويه، وبه يقول إبراهيم النخَعي، والثوري، والليث بن سعد. واحْتَجّ لهم بقوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وبأنه أحد النسكين. فصح الإحرام به في جميع السَّنَةِ كالعمرة.
وذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره(٢) فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عُمْرة ؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مَرْويّ عن ابن عباس، وجابر، وبه يقول عطاء، وطاوس، ومجاهد، رحمهم الله، والدليل عليه قوله تعالى :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن : وقت الحج أشهر مَعْلُومات، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدلّ على أنه لا يصح قبلها، كميقات الصلاة.
قال الشافعي، رحمه الله : أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عُمَر بن عَطَاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال : لا ينبغي لأحد أن يُحْرِم بالحج إلا في شهور(٣) الحج، من أجل قول الله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به. ورواه ابن مَرْدويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عُتَيبة(٤) عن مِقْسَم، عن ابن عباس : أنه قال : من السُّنَّة ألا يحرم [ بالحج ](٥) إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقْسَم، عن ابن عباس، قال : لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج(٦). وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي :" من السنة كذا " في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرا للقرآن، وهو ترجمانه.
وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال(٧) ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن قانع(٨) حدثنا الحسن بن المُثَنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال :" لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ".
وإسناده لا بأس به. لكن(٩) رواه الشافعي، والبيهقي من طُرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل : أيُهَلّ بالحج قبل أشهر الحج ؟ فقال : لا(١٠).
وهذا الموقوف أصحّ وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذ مذهب صحابي، يتقوّى بقول ابن عباس :" من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره ". والله أعلم.
وقوله :﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال البخاري : قال ابن عمر : هي شوال، وذو القَعْدة، وعشر من ذي الحجة(١١). وهذا الذي علقه البخاري عنه بصيغة الجزم رواه ابن جرير موصولا حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرْزة(١٢) حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال : شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة(١٣).
إسناد(١٤) صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه، عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله(١٥) عن نافع، عن ابن عمر - فذكره وقال : على شرط الشيخين(١٦).
قلت : وهو مَرْويّ عن عُمَر، وعليّ، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حَيّان. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثَوْر، رحمهم الله. واختار هذا القول ابن جرير، قال : وصح إطلاق الجمع(١٧) على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب :" زرته العام، ورأيته اليوم ". وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم ؛ قال الله تعالى :﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما تعجل في يوم ونصف.
وقال الإمام مالك بن أنس [ والشافعي في القديم ](١٨) : هي(١٩) : شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عَن ابن عُمَر أيضًا ؛ قال ابن جرير :
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال : شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال : قلت لنافع : أسمعت عبد الله بن عُمَر يسمي شُهُور الحج ؟ قال : نعم، كان عبد الله يسمي :" شوال وذو القعدة وذو الحجة ". قال(٢٠) ابن جريج : وقال ذلك ابن شُهاب، وعطاء، وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج. وقد حُكي هذا أيضًا عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس، وقتادة. وجاء فيه حديث مرفوع، ولكنه موضوع، رواه الحافظ بن مَرْدويه، من طريق حُصَين بن مخارق - وهو متهم بالوضع - عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة، قال : قال رسول الله ﷺ :" الحج أشهر معلومات : شوال وذو القعدة وذو الحجة " (٢١).
وهذا كما رأيت لا يَصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك أنَّه إلى آخر ذي الحجة، بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية
ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مُسلم، عن طارق بن شهاب، قال : قال عبد الله : الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة. وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير : إنما أراد من ذَهَب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أنّ هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين : ما أحد مِن أهل العلم يَشُكّ في أن عمرة في غير أشهر الحجّ أفضل من عمرة في أشهر الحج.
وقال ابن عون : سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج، فقال : كانوا لا يرونها تامة.
قلت : وقد ثبت عن عمر وعثمان، رضي الله عنهما، أنهما كانا يحبان(٢٢) الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله :﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي : أوجب بإحرامه حَجًّا. فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير : أجمعوا على أن المراد من الفَرْض هاهنا الإيجاب والإلزام.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول : من أحرم بحَجّ أو عمرة. وقال عطاء : الفرضُ الإحرامُ. وكذا قال إبراهيم، والضحاك، وغيرهم.
وقال ابن جُرَيج : أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنه قال ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم : ورَوُي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخَعي، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وسفيان الثوري، والزهري، ومقاتل بن حَيّان - نحو ذلك.
وقال طاوس، والقاسمُ بن محمد : هو التلبية.
وقوله :﴿فَلا رَفَثَ﴾ أي : من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى :﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير : حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس : أن نافعا أخبره : أن عبد الله بن عمر كان يقول : الرفثُ إتيانُ النساء، والتكلم بذلك : الرجالُ والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم.
قال ابن وهب : وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كَعْب، مثله.
قال ابن جرير : وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرَّياحي، عن ابن عباس : أنه كان يحدو - وهو محرم - وهو يقول :
وَهُنَّ يَمْشينَ بنَا هَمِيسَاإنْ يَصْدُق الطَّيْرُ نَنَلْ لَميسَا
قال أبو العالية فقلت : تَكَلّمُ بالرفث وأنت محرم ؟ ! قال : إنما الرفث ما قيل عند النساء(٢٣).
ورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا : حدثنا ابن أبي عدي، عن عَون(٢٤) حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس، قال : أصْعَدْتُ مع ابن عباس في الحاجِّ، وكنت خليلا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس، فأخذ بذَنَب بعيره فجعل يلويه و[ هو ](٢٥) يرتجز، ويقول :
وَهُنَّ يَمْشِينَ بنَا هَمِيسَاإنْ يَصْدُق الطَّيْرُ نَنَلْ لَميسَا
قال : فقلت : أترفث وأنت محرم ؟ فقال : إنما الرفث ما قيل عند النساء(٢٦).
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى :﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ قال : الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العَرَابَة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث.
وقال عطاء بن أبي رباح : الرفثُ : الجماع، وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار. وقال عطاء : كانوا يكرهون العَرَابة، وهو التعريض بذكر الجماع وهو مُحْرِم.
وقال طاوس : هو أن تقُول للمرأة : إذا حَلَلْت أصبتُك. وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : الرفث : غِشْيان النساء والقُبَل والغَمْز، وأن يُعَرّض لهَا بالفحش(٢٧) من الكلام، ونحو ذلك.
وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر : الرفثُ : غشيانُ النساء. وكذا قال سعيدُ بن جُبَير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم، وأبو العالية، وعطاء، ومكحول، وعطاء بن يسار، وعطية، وإبراهيم النَّخَعي، والربيع، والزهري، والسدي، ومالك بن أنس، ومقاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك، والحسن، وقتادة والضحاك، وغيرهم.
وقوله :﴿وَلا فُسُوقَ﴾ قال مِقْسَم وغير واحد، عن ابن عباس : هي المعاصي. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والزهري، ومكحول، وابن أبان، والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر(٢٨) قال : الفسوق : ما أصيبَ من معاصي الله به صَيْد أو غيره. وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال آخرون : الفسوقُ هاهنا السباب، قاله ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم والحسن. وقد يتمسك لهؤلاء(٢٩) بما ثبت في الصحيح(٣٠) " سباب المس
١ زيادة من جـ، أ، و..
٢ في جـ: "إلا في أشهر الحج"..
٣ في أ: "في أشهر"..
٤ في أ، و: "بن عيينة"..
٥ زيادة من جـ..
٦ صحيح ابن خزيمة برقم (٢٥٩٦)..
٧ في جـ: "وقال"..
٨ في جـ: "بن نافع"..
٩ في جـ: "ولكن"..
١٠ الأم للشافعي (٢/١٣٦) والسنن الكبرى للبيهقي (٤/٣٤٣)..
١١ صحيح البخاري (٣/٤١٩) "فتح"..
١٢ في جـ: "بن أبي عزرة"..
١٣ تفسير الطبري (٤/١١٦)..
١٤ في جـ: "إسناده"..
١٥ في هـ، أ: "عبد الله"، والصواب ما أثبتناه من جـ، ط، و..
١٦ المستدرك (٢/٢٧٦)..
١٧ في ط: "الجميع"..
١٨ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٩ في جـ: "هو"..
٢٠ في جـ: "وقال"..
٢١ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٦٩٣) "مجمع البحرين" من طريق محمد بن ثواب عن حصين بن مخارق به..
٢٢ في أ: "يحثان"..
٢٣ تفسير الطبري (٤/١٢٦)..
٢٤ في جـ، ط، أ: "عن عوف"..
٢٥ زيادة من جـ، ط، أ..
٢٦ تفسير الطبري (٤/١٢٦)..
٢٧ في جـ: "يعرض لها الفحشاء"..
٢٨ في جـ: "أن عبد الله بن عمر"..
٢٩ في جـ: "هؤلاء"..
٣٠ في أ: "الصحيحين"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى