جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنّ الْحَجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ وَاتّقُونِ يا أولي الألْبَابِ﴾
يعني جل ثناؤه بذلك : وقت الحجّ أشهر معلومات. «والأشهر » مرفوعات بالحجّ، وإن كان له وقتا لا صفة ونعتا، إذ لم تكن محصورات بتعريف بإضافة إلى معرفة أو معهود، فصار الرفع فيهن كالرفع في قول العرب في نظير ذلك من المحلّ «المسلمون جانب والكفار جانب »، برفع الجانب الذي لم يكن محصورا على حدّ معروف، ولو قيل جانب أرضهم أو بلادهم لكان النصب هو الكلام.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فقال بعضهم : يعني بالأشهر المعلومات : شوّالاً، وذا القعدة، وعشرا من ذي الحجة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ قال : شوّال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان وشريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن مقسم عن ابن عباس، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي، قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال : أشهر الحجّ شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وهنّ : شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، جعلهنّ الله سبحانه للحجّ، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحجّ إلا في أشهر الحجّ، والعمرة يحرم بها في كل شهر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ قال : شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن وأبو عامر قالا : حدثنا سفيان، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان وإسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، مثله.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني هشيم، قال : أخبرنا الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي. وأخبرنا يونس، عن الحسن. وأخبرنا جويبر، عن الضحاك. وأخبرنا حجاج، عن عطاء ومجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : شوّال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة في الحجّ أشهر معلومات.
حدثني أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ قال : شوّال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك، قال : شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
حدثني الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا حسين بن عقيل الخراساني، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر مثله.
وقال آخرون : بل يعني بذلك شوّالاً، وذا القعدة، وذا الحجة كله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قلت لنافع : أكان عبد الله يسمي أشهر الحجّ ؟ قال : نعم، شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن بكر، قال : حدثنا ابن جريج، قال : قلت لنافع : أسمعت ابن عمر يسمي أشهر الحجّ ؟ قال : نعم، كان يسمي شوّالاً، وذا القعدة، وذا الحجة.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن بكر، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : قال عطاء : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، قال عطاء : فهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أشهر الحج : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وربما قال : وعشر ذي الحجة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ قال : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال : أشهر الحج : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن قال لنا قائل : وما وجه قائلي هذه المقالة، وقد علمت أن عمل الحجّ لا يعمل بعد تقضي أيام منى ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي توهمته، وإنما عنوا بقيلهم الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهنّ الحجّ لا أشهر العمرة، وأن شهور العمرة سواهن من شهور السنة. ومما يدل على أن ذلك معناهم في قيلهم ذلك ما :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن نافع، قال : قال ابن عمر : أن تفصلوا بين أشهر الحجّ والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحجّ، أتمّ لحجّ أحدكم وأتمّ لعمرته.
حدثني نصر بن عليّ الجهضمي، قال : أخبرني أبي، قال : حدثنا شعبة، قال : ما لقيني أيوب أو قال : ما لقيت أيوب إلا سألني عن حديث قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال : قلت لعبد الله : امرأة منا قد حجت، أو هي تريد أن تحجّ، أفتجعل مع حجها عمرة ؟ فقال : ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحجّ. قال : فيقول لي أيوب ومن عنده : مثل هذا الحديث حدثك قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أنه سأل عبد الله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ابن عون، قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحجّ ليست بتامة. قال : فقيل له : العمرة في المحرّم ؟ فقال : كانوا لا يرونها تامة.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن ابن عون، قال : سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج، قال : كانوا لا يرونها تامة.
حدثنا ابن بيان الواسطي، قال : أخبرنا إسحاق عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين أنه كان يستحبّ العمرة في المحرّم، قال : تكون في أشهر الحجّ. قال : كانوا لا يرونها تامة.
حدثنا ابن بيان، قال : حدثنا إسحاق، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال : قال ابن عمر للحكم بن الأعرج أو غيره : إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهلّ المحرّم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن أبي يعقوب، قال : سمعت ابن عمر يقول : لأن أعتمر في عشر ذي الحجة أحبّ إليّ من أن أعتمر في العشرين.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال : سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال : أسمع الله يقول : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ما أراها إلا أشهر الحجّ.
حدثني أحمد بن المقدام، قال : حدثنا حزام القطعي، قال : سمعت محمد بن سيرين يقول : ما أحد من أهل العلم شكّ أن عمرة في غير أشهر الحجّ أفضل من عمرة في أشهر الحجّ.
ونظائر ذلك مما يطول باستيعاب ذكره الكتاب، مما يدلّ على أن معنى قيل من قال : وقت الحجّ ثلاثة أشهر كوامل، أنهنّ من غير شهور العمرة، وأنهنّ شهور لعمل الحجّ دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحجّ إنما يعمل في بعضهنّ لا في جميعهن.
وأما الذين قالوا : تأويل ذلك : شوّال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، فإنهم قالوا : إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة.
قالوا : فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في بعض شهور الحجّ، ثم لم يصحّ عنه بخلاف ذلك خبر.
قالوا : فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحجّ ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ إنما هو ميقات الحجّ شهران وبعض الثالث.
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : إن معنى ذلك الحج شهران وعشر من الثالث لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحجّ ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه صحّ قول من قال : وعشر ذي الحجة.
فإن قال قائل : فكيف قيل : الحَجّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وهو شهران وبعض الثالث ؟ قيل إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول له اليوم يومان منذ لم أره. وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه : فَمَنْ تَعَجّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول : زرته العام وأتيته اليوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك وفي ذلك الحين، فكذلك الحجّ أشهر، والمراد منه الحجّ شهران وبعض آخر.
فمعنى الآية إذا : ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث، وهو شوّال وذو القعدة وعشر ذي الحجة.

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنّ الحَجّ.


يعني بقوله جل ثناؤه : فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنّ الحَجّ فمن أوجب الحجّ على نفسه وألزمها إياه فيهن، يعني في الأشهر المعلومات التي بينها. وإيجابه إياه على نفسه العزم على عمل جميع ما أوجب الله على الحاجّ عمله وترك جميع ما أمره الله بتركه.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحجّ بعد إجماع جميعهم، على أن معنى الفرض : الإيجاب والإلزام، فقال بعضهم : فر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى