اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" الحَجُّ " مبتدأ، و " أشْهُرٌ " خبره، والمبتدأ والخبر لا بدّ أن يصدقا على ذاتٍ واحدٍ، و " الحَجُّ " فعلٌ من الإفعال، و " أشْهُرٌ " زمانٌ، فيهما غيران، فلا بدَّ من تأويل، وفيه ثلاثة احتمالات :
أحدها : أنَّه على حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره : أشهر الحج أشهر معلوماتٌ. أي : لا حجَّ إلاَّ في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهيلَّة في غيرها، كقوله البرد شهران، أي : وقت البرد شهران.
الثاني : الحذف من الثاني تقديره : الحجّ حجّ أشهرٍ، فيكون حذف من كل واحدٍ ما أثبت نظيره.
الثالث : أن تجعل الحدث نفس الزَّمان مبالغةً، ووجه المجاز كونه حالاًّ فيه، فلما اتُّسع في الظَّرف جعل نفس الحدث، ونظيره :
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وإذا كان ظرف الزمان نكرةً مخبراً به عن حدثٍ، جاز فيه الرفع والنَّصب مطلقاً، أي : سواءً كان الحدث مستوعباً للظَّرف، أم لا، هذا مذهب البصريين.
وأمَّا الكوفيُّون فقالوا : إن كان الحدث مستوعباً، فالرَّفع فقط نحو :" الصَّوْمُ يومٌ "، وإن لم يكن مستوعباً، فهشامٌ يلتزم رفعه أيضاً نحو :" مِيَعَادُكَ يَوْمٌ " والفرَّاء يجيز نصبه مثل البصريّين، وقد نقل عنه أنَّه منع نصب " أشْهُر "، يعني : في الآية الكريمة، لأنها نكرةٌ، فيكون له في المسألة قولان، وهذه مسألةٌ طويلةٌ.
قال ابن عطيَّة :" ومنْ قَدَّر الكَلاَم : الحج في أشهر، فيلزَمُهُ مع سقوطِ حَرْفِ الجَرّ نصبُ الأَشْهُر، ولم يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ " قال أبَو حيان رحمه الله : ولا يَلْزَمُ ذلك ؛ لأنَّ الرَّفْع على جِهة الاتِّساع، وإن كان أصلُهُ الجرَّ ب " في ".
أجمع المفسِّرون على أنَّ شوَّالاً، وذا القعدة، من أشهر الحج، واختلفوا فى ذي الحَّجة فقال عروة بن الزُّبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك، وداود.
وقال أبو حنيفة : العشر الأول من ذي الحجَّة من أشهر الحجِّ ؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، وابن عمر، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والحسن(١).
وقال الشافعيُّ – رحمه الله – التسعة الأول، مع ليلة النَّحر من أشهر الحج(٢).
حجَّة الأوَّل : أن الأشهر جمعٌ، وأقلُّه ثلاثةٌ(٣)، وأيضاً فإنَّ أيَّام النَّحر يفعل فيها بعض ما يتَّصل بالحج : من رمي الجمار، والذَّبح، والحلق، وطواف الزِّيارة، والبيتوتة يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، فقد تؤخِّر الطَّواف الذي لا بدَّ منه إلى انقضاء أيَّامٍ بعد العشرة. ومذهب عروة(٤) تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
والجواب أنَّ لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ؛ بدليل قوله :
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقال – عليه السَّلام :" الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ(٥) " وأيضاً فإنَّه نزَّل بعض الشَّهر منزلة كلِّه، فإنّ العرب تسمِّي الوقت تامّاً بقليله، وكثيره، يقال زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه، وأيضاً فإنَّ الجمع ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا جاز أن يسمَّى الاثنان جماعةً، جاز أن يسمَّى الاثنان، وبعض الثَّالث جماعةً، وأمَّا رمي الجمار، فإنما يفعله الإنسان، وقد حلّ بالحلق والطَّواف، والنَّحر، فكأنه ليس من أعمال الحجِّ، والحائضُ إذا طافت بعده، فكأنه في حكم القضاء، لا في حكم الأداء.
حجَّة الثاني : أنَّ المفسرين قالوا : أنّ يوم الحجِّ الأكبر، هو يوم النَّحر، لأنَّ معظم أفعال الحج يفعل فيه : من طواف الزيارة ؛ الذي هو ركنٌ في الحج، والرَّمي، والذَّبح، والحلق، فدخوله في أيام الحج أولى.
حجَّة الشافعي – رحمه الله تعالى - : أنَّ الحجَّ يفوت بطلوع الفجر يوم النَّحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها.
قال بعض العلماء : لا يجوز أن يُهِلَّ بالحج قيل أشهر الحج، وهو قول ابن عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد(٦)، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعيُّ، وأحمد فى رواية، وإسحاقٌ.
وقال مالكٌ، والثوريُّ وأبو حنيفة – رضي الله عنه – يجوز.
حجَّة الأول : قوله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾.
جمع الأشهر جمع تقليلٍ، على سبيل التَّنكير ؛ لا يتناول الكلَّ، وأكثر الجمع إلى عشرةٍ، وأدناه إلى ثلاثةٍ، وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، واتفق المفسِّرون على أنّ تلك الثَّلاثة، شوَّال وذو القعدة، وبعض ذي الحجَّة.
وإذا تقرَّر هذا، وجب ألاَّ يجوز الإحرام بالحجِّ قبل الوقت ؛ لأنَّ الإحرام بالعبادة قبل وقت أدائها لا يصحّ ؛ كالصَّلاة، وخطبة الجمعة قبل الوقت.
حجَّة الثاني : قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فجعل الأهلَّة كلَّها مواقيت الحجِّ، وليس مواقيتاً للأداء، فثبت أنها مواقيت لصحَّة الإحرام، ويجوز أن يسمَّى الإحرام حجّاً ؛ مجازاً، كما سمّيَ الوقت حجّاً في قوله :" الحَجُّ أَشْهُرٌ " بل هنا أولى ؛ لأن الإحرام أقرب إلى الحج من الوقت. وقد اشتهر بين أكابر الصّحابة أنَّهم قالوا : إتمام الحجِّ والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، ومن يكن منزله بعيداً يجب أن يكون في المشرق أو في المغرب، فلا بدَّ وأن يحرم بالحج قبل أشهرٍ، وأيضاً فإنَّ الإحرام التزامٌ بالحجِّ، فجاز تقديمه على الوقت ؛ كالنَّذر.
وأجاب الأوَّلون عن قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ بأنَّ قوله " الحجُّ أَشْهُرٌ " أخصُّ منها، وفرَّقوا بين النَّذر، والإحرام : بأنَّ الوقت معتبرٌ للأداء، ولا اتِّصال للنذر بالأداء، بدليل أنّ الأداء لا يتصور إلاَّ بعقد مبتدأ، والإحرام مع كونه التزاماً، فهو شروعٌ في الأداء، وعقدٌ عليه ؛ فلا جرم افتقر إلى الوقت.
قوله :" مَعْلُومَاتٌ " أي : معلومات عندهم، مقررة لبيان الشرع، بخلاف مرادهم بها. أو معلوماتٌ ببيان الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام وأنها مؤقتةٌ في أوقات معينة، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، كما فعلوه في النَّسيء.
قوله :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
يجوز في " مَنْ " أن تكون شرطيةً، وأن تكون موصولةً، كما تقدَّم في نظائرها، و " فِيهنَّ " متعلِّقٌ ب " فَرَضَ ". والضَّمير في " فِيهِنَّ " يعود على " أَشْهُر " وجيء به كضمير الإناث، لما تقدم من أنَّ جمع غير العاقل في القلَّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح ؛ فلذلك جاء " فِيهِنَّ " دون " فِيهَا "، وهذا بخلاف قوله :
﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] لأنه هناك جمع كثرة.
وفرض في اللُّغة : ألزم وأوجب، يقال فرضت عليك كذا، أي : أوجبته، وأصل الفرض في اللغة : التَأثير والحزُّ والقطع.
قال ابن الأعرابي(٧) – رحمه الله تعالى - : الفرض الحزُّ في القدح، [ وفي الوتد، وفي غيره ]، وفرضة القوس : الحزُّ الذي فيه الوتر، وفرضه الوتد الحزُّ الذي فيه، ومنه فرض الصلاة ؛ لأنها لازمةٌ للعبد كلزوم الحزّ للقدح، ففرض ها هنا – بمعنى : أوجب، وقد جاء في القرآن " فَرَضَ " بمعنى أبان ؛ قال تعالى :﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] بالتخفيف، وقوله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وهو راجع إلى معنى القطع ؛ لأنَّ من قطع شيئاً، فقد أبانه من غيره، والله تعالى إذا فرض شيئاً، أبانه عن غيره، ففرض بمعنى : أوجب : وفرض : بمعنى أبان ؛ كلاهما راجعٌ إلى أصل واحدٍ ؛ ومن ها هنا فرَّق بعضهم بين الفرض والواجب(٨)، فقالوا :
الفرضُ ما ثبت بدليل قطعيّ ؛ لأن أصله القطع، وسمَّاه بالركن.
والواجب ما ثبت بدليل ظنِّي، وجعل الفرض لا يسامح به، عمداً ولا سهواً، وليس له جابر، والواجب ما يجبر ويسامح فيه العباد لسهوة، قال أبو العباس المقرىء : ورد لفظ " فَرَضَ " في القرآن بإزاء خمسة معان :
الأول : فرض بمعنى أوجب، كهذه الآية الكريمة، ومثله :﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي أوجبتم.
الثاني : فرض بمعنى بيَّن، قال تعالى :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
ومثله ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١].
الثالث : فرض : بمعنى أحلَّ ؛ قال تعالى :﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي أحلَّ.
الرابع : فرض : بمعنى أنزل ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ﴾
[القصص: ٨٥] أي : أنزل.
الخامس : الفرض : الفريضة في قسمة المواريث ؛ كما قال تبارك وتعالى :﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١].
قوله :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يدلُّ على أنّه لا بدَّ للمحرم من فعل يفعله ؛ يصير به محرماً وحاجاً، واختلفوا في ذلك الفعل.
فقال الشَّافعيُّ، وأحمد : ينعقد الإحرام بمجرد النِّية، من غير حاجةٍ إلى التَّلبية.
وقال أبو حنيفة : لا يصحُّ الشُّروع في الإحرام بمجرد النية ؛ حتى يضمَّ إليه التَّلبية أو سوق الهدي.
وقال القفَّال في تفسيره(٩) : ويروى عن جماعةٍ من العلماء ؛ أنّ من أشعر هديه أو قلَّده، فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال : إذا قلَّد أو أشعر، فقد أحرم(١٠)، وعن ابن عباسٍ : إذا قلَّد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحجَّ، فقد أحرم(١١).
قوله :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حسب القولين المتقدِّمين.
وقرأ(١٢) أبو عمرٍ وابن كثير : بتنوين " رَفَثَ " و " فُسُوقَ "، ورفعهما، وفتح " جِدَالَ ".
والباقون : بفتح الثَّلاثة.
وأبو جعفر – ويروى عن عاصم – برفع الثلاثة والتنوين.
فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان :
أظهرهما : أنَّ " لا " ملغاةٌ، وما بعدها رفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة ؛ تقدُّم النفي عليها، و " في الحجّ " خبر المبتدأ الثالث، وحذف خبر الأول، والثاني ؛ لدلالة خبر الثالث عليهما، أو يكون " في الحج " خبر الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني، والثالث ؛ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أنْ يكونَ " في الحج " خبرَ الثلاثة، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ " في الحجِّ " خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ، والثالث ؛ لقبح مثل هذا التركيب، ولتأديته إلى الفصل.
والثاني : أن تكون " لاَ " عاملةً عمل ليس، ولعملها عمل ليس شروطٌ : تنكير الاسم، وألاَّ يتقدَّم الخبر، ولا ينتقض النفيُ ؛ فيكونُ " رَفَثَ " اسمَها، وما بعده عطْفٌ عليه، و " في الحجِّ " الخبرُ على حسب ما تقدَّم من التقادير فيما قبله.
وخرَّجه ابن عطية بهذا الوجه، وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ إعمال " لا " عمل ليس لم يقم عليه دليل صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياء محتملةً، أنشد سيبويه :[ مجزوء الكامل ]
وأنشد غيره :[ الطويل ]
٩٨٨ – تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى ا
أحدها : أنَّه على حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره : أشهر الحج أشهر معلوماتٌ. أي : لا حجَّ إلاَّ في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهيلَّة في غيرها، كقوله البرد شهران، أي : وقت البرد شهران.
الثاني : الحذف من الثاني تقديره : الحجّ حجّ أشهرٍ، فيكون حذف من كل واحدٍ ما أثبت نظيره.
الثالث : أن تجعل الحدث نفس الزَّمان مبالغةً، ووجه المجاز كونه حالاًّ فيه، فلما اتُّسع في الظَّرف جعل نفس الحدث، ونظيره :
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وإذا كان ظرف الزمان نكرةً مخبراً به عن حدثٍ، جاز فيه الرفع والنَّصب مطلقاً، أي : سواءً كان الحدث مستوعباً للظَّرف، أم لا، هذا مذهب البصريين.
وأمَّا الكوفيُّون فقالوا : إن كان الحدث مستوعباً، فالرَّفع فقط نحو :" الصَّوْمُ يومٌ "، وإن لم يكن مستوعباً، فهشامٌ يلتزم رفعه أيضاً نحو :" مِيَعَادُكَ يَوْمٌ " والفرَّاء يجيز نصبه مثل البصريّين، وقد نقل عنه أنَّه منع نصب " أشْهُر "، يعني : في الآية الكريمة، لأنها نكرةٌ، فيكون له في المسألة قولان، وهذه مسألةٌ طويلةٌ.
قال ابن عطيَّة :" ومنْ قَدَّر الكَلاَم : الحج في أشهر، فيلزَمُهُ مع سقوطِ حَرْفِ الجَرّ نصبُ الأَشْهُر، ولم يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ " قال أبَو حيان رحمه الله : ولا يَلْزَمُ ذلك ؛ لأنَّ الرَّفْع على جِهة الاتِّساع، وإن كان أصلُهُ الجرَّ ب " في ".
فصل
أجمع المفسِّرون على أنَّ شوَّالاً، وذا القعدة، من أشهر الحج، واختلفوا فى ذي الحَّجة فقال عروة بن الزُّبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك، وداود.
وقال أبو حنيفة : العشر الأول من ذي الحجَّة من أشهر الحجِّ ؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، وابن عمر، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والحسن(١).
وقال الشافعيُّ – رحمه الله – التسعة الأول، مع ليلة النَّحر من أشهر الحج(٢).
حجَّة الأوَّل : أن الأشهر جمعٌ، وأقلُّه ثلاثةٌ(٣)، وأيضاً فإنَّ أيَّام النَّحر يفعل فيها بعض ما يتَّصل بالحج : من رمي الجمار، والذَّبح، والحلق، وطواف الزِّيارة، والبيتوتة يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، فقد تؤخِّر الطَّواف الذي لا بدَّ منه إلى انقضاء أيَّامٍ بعد العشرة. ومذهب عروة(٤) تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
والجواب أنَّ لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ؛ بدليل قوله :
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقال – عليه السَّلام :" الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ(٥) " وأيضاً فإنَّه نزَّل بعض الشَّهر منزلة كلِّه، فإنّ العرب تسمِّي الوقت تامّاً بقليله، وكثيره، يقال زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه، وأيضاً فإنَّ الجمع ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا جاز أن يسمَّى الاثنان جماعةً، جاز أن يسمَّى الاثنان، وبعض الثَّالث جماعةً، وأمَّا رمي الجمار، فإنما يفعله الإنسان، وقد حلّ بالحلق والطَّواف، والنَّحر، فكأنه ليس من أعمال الحجِّ، والحائضُ إذا طافت بعده، فكأنه في حكم القضاء، لا في حكم الأداء.
حجَّة الثاني : أنَّ المفسرين قالوا : أنّ يوم الحجِّ الأكبر، هو يوم النَّحر، لأنَّ معظم أفعال الحج يفعل فيه : من طواف الزيارة ؛ الذي هو ركنٌ في الحج، والرَّمي، والذَّبح، والحلق، فدخوله في أيام الحج أولى.
حجَّة الشافعي – رحمه الله تعالى - : أنَّ الحجَّ يفوت بطلوع الفجر يوم النَّحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها.
فصل
قال بعض العلماء : لا يجوز أن يُهِلَّ بالحج قيل أشهر الحج، وهو قول ابن عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد(٦)، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعيُّ، وأحمد فى رواية، وإسحاقٌ.
وقال مالكٌ، والثوريُّ وأبو حنيفة – رضي الله عنه – يجوز.
حجَّة الأول : قوله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾.
جمع الأشهر جمع تقليلٍ، على سبيل التَّنكير ؛ لا يتناول الكلَّ، وأكثر الجمع إلى عشرةٍ، وأدناه إلى ثلاثةٍ، وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، واتفق المفسِّرون على أنّ تلك الثَّلاثة، شوَّال وذو القعدة، وبعض ذي الحجَّة.
وإذا تقرَّر هذا، وجب ألاَّ يجوز الإحرام بالحجِّ قبل الوقت ؛ لأنَّ الإحرام بالعبادة قبل وقت أدائها لا يصحّ ؛ كالصَّلاة، وخطبة الجمعة قبل الوقت.
حجَّة الثاني : قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فجعل الأهلَّة كلَّها مواقيت الحجِّ، وليس مواقيتاً للأداء، فثبت أنها مواقيت لصحَّة الإحرام، ويجوز أن يسمَّى الإحرام حجّاً ؛ مجازاً، كما سمّيَ الوقت حجّاً في قوله :" الحَجُّ أَشْهُرٌ " بل هنا أولى ؛ لأن الإحرام أقرب إلى الحج من الوقت. وقد اشتهر بين أكابر الصّحابة أنَّهم قالوا : إتمام الحجِّ والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، ومن يكن منزله بعيداً يجب أن يكون في المشرق أو في المغرب، فلا بدَّ وأن يحرم بالحج قبل أشهرٍ، وأيضاً فإنَّ الإحرام التزامٌ بالحجِّ، فجاز تقديمه على الوقت ؛ كالنَّذر.
وأجاب الأوَّلون عن قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ بأنَّ قوله " الحجُّ أَشْهُرٌ " أخصُّ منها، وفرَّقوا بين النَّذر، والإحرام : بأنَّ الوقت معتبرٌ للأداء، ولا اتِّصال للنذر بالأداء، بدليل أنّ الأداء لا يتصور إلاَّ بعقد مبتدأ، والإحرام مع كونه التزاماً، فهو شروعٌ في الأداء، وعقدٌ عليه ؛ فلا جرم افتقر إلى الوقت.
فصل
قوله :" مَعْلُومَاتٌ " أي : معلومات عندهم، مقررة لبيان الشرع، بخلاف مرادهم بها. أو معلوماتٌ ببيان الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام وأنها مؤقتةٌ في أوقات معينة، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، كما فعلوه في النَّسيء.
قوله :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
يجوز في " مَنْ " أن تكون شرطيةً، وأن تكون موصولةً، كما تقدَّم في نظائرها، و " فِيهنَّ " متعلِّقٌ ب " فَرَضَ ". والضَّمير في " فِيهِنَّ " يعود على " أَشْهُر " وجيء به كضمير الإناث، لما تقدم من أنَّ جمع غير العاقل في القلَّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح ؛ فلذلك جاء " فِيهِنَّ " دون " فِيهَا "، وهذا بخلاف قوله :
﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] لأنه هناك جمع كثرة.
وفرض في اللُّغة : ألزم وأوجب، يقال فرضت عليك كذا، أي : أوجبته، وأصل الفرض في اللغة : التَأثير والحزُّ والقطع.
قال ابن الأعرابي(٧) – رحمه الله تعالى - : الفرض الحزُّ في القدح، [ وفي الوتد، وفي غيره ]، وفرضة القوس : الحزُّ الذي فيه الوتر، وفرضه الوتد الحزُّ الذي فيه، ومنه فرض الصلاة ؛ لأنها لازمةٌ للعبد كلزوم الحزّ للقدح، ففرض ها هنا – بمعنى : أوجب، وقد جاء في القرآن " فَرَضَ " بمعنى أبان ؛ قال تعالى :﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] بالتخفيف، وقوله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وهو راجع إلى معنى القطع ؛ لأنَّ من قطع شيئاً، فقد أبانه من غيره، والله تعالى إذا فرض شيئاً، أبانه عن غيره، ففرض بمعنى : أوجب : وفرض : بمعنى أبان ؛ كلاهما راجعٌ إلى أصل واحدٍ ؛ ومن ها هنا فرَّق بعضهم بين الفرض والواجب(٨)، فقالوا :
الفرضُ ما ثبت بدليل قطعيّ ؛ لأن أصله القطع، وسمَّاه بالركن.
والواجب ما ثبت بدليل ظنِّي، وجعل الفرض لا يسامح به، عمداً ولا سهواً، وليس له جابر، والواجب ما يجبر ويسامح فيه العباد لسهوة، قال أبو العباس المقرىء : ورد لفظ " فَرَضَ " في القرآن بإزاء خمسة معان :
الأول : فرض بمعنى أوجب، كهذه الآية الكريمة، ومثله :﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي أوجبتم.
الثاني : فرض بمعنى بيَّن، قال تعالى :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
ومثله ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١].
الثالث : فرض : بمعنى أحلَّ ؛ قال تعالى :﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي أحلَّ.
الرابع : فرض : بمعنى أنزل ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ﴾
[القصص: ٨٥] أي : أنزل.
الخامس : الفرض : الفريضة في قسمة المواريث ؛ كما قال تبارك وتعالى :﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١].
فصل
قوله :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يدلُّ على أنّه لا بدَّ للمحرم من فعل يفعله ؛ يصير به محرماً وحاجاً، واختلفوا في ذلك الفعل.
فقال الشَّافعيُّ، وأحمد : ينعقد الإحرام بمجرد النِّية، من غير حاجةٍ إلى التَّلبية.
وقال أبو حنيفة : لا يصحُّ الشُّروع في الإحرام بمجرد النية ؛ حتى يضمَّ إليه التَّلبية أو سوق الهدي.
وقال القفَّال في تفسيره(٩) : ويروى عن جماعةٍ من العلماء ؛ أنّ من أشعر هديه أو قلَّده، فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال : إذا قلَّد أو أشعر، فقد أحرم(١٠)، وعن ابن عباسٍ : إذا قلَّد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحجَّ، فقد أحرم(١١).
قوله :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حسب القولين المتقدِّمين.
وقرأ(١٢) أبو عمرٍ وابن كثير : بتنوين " رَفَثَ " و " فُسُوقَ "، ورفعهما، وفتح " جِدَالَ ".
والباقون : بفتح الثَّلاثة.
وأبو جعفر – ويروى عن عاصم – برفع الثلاثة والتنوين.
فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان :
أظهرهما : أنَّ " لا " ملغاةٌ، وما بعدها رفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة ؛ تقدُّم النفي عليها، و " في الحجّ " خبر المبتدأ الثالث، وحذف خبر الأول، والثاني ؛ لدلالة خبر الثالث عليهما، أو يكون " في الحج " خبر الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني، والثالث ؛ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أنْ يكونَ " في الحج " خبرَ الثلاثة، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ " في الحجِّ " خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ، والثالث ؛ لقبح مثل هذا التركيب، ولتأديته إلى الفصل.
والثاني : أن تكون " لاَ " عاملةً عمل ليس، ولعملها عمل ليس شروطٌ : تنكير الاسم، وألاَّ يتقدَّم الخبر، ولا ينتقض النفيُ ؛ فيكونُ " رَفَثَ " اسمَها، وما بعده عطْفٌ عليه، و " في الحجِّ " الخبرُ على حسب ما تقدَّم من التقادير فيما قبله.
وخرَّجه ابن عطية بهذا الوجه، وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ إعمال " لا " عمل ليس لم يقم عليه دليل صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياء محتملةً، أنشد سيبويه :[ مجزوء الكامل ]
| ٩٨٧ – مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا | فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ(١٣) |
٩٨٨ – تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى ا
١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٣ - اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة أو يصار فيه إلى التوقف؟ وليس محل الخلاف في المفهوم في لفظ الجمع لغة- وهو ضم شيء إلى شيء- فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع والخلاف هو في اللفظ الذي هو مسمى بالجمع، نحو: الرجال والمسلمين، لا في لفظ الجمع الذي هو مركب من الجيم، والميم، والعين، فذهب جماعة: إلى أن أقل الجمع ثلاثة، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وعليه أكثر الصحابة والمتكلمين وأهل اللغة وعزي هذا المذهب إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود.
ينظر: البرهان ١/٣٤٨، المحصول ١/٢/٦٠٦، اللمع ص ١٥، التبصرة ١٢٧، الإبهاج ٢/١٢٩، المعتمد ١/ ٢٤٨، العدة ٢/٦٤٩، المنخول ١٤٨، شرح التنقيح ٢٣٣، الإحكام للآمدي ٤٠٢، روضة الناظر (١٢١)، جمع الجوامع ١/٤١٩، شرح الكوكب المنير ٣/١٤٤، المنتهى لابن الحاجب (٧٧)، أصول السرخسي ١/ ١٥١، كشف الأسرار ٢/٢٨، فواتح الرحموت ١/٢٦٩، المسودة ١٤٩، نشر البنود ١/٢٣٤، شرح اللمع ١/٣٣٠، الوصول لابن برهان ١/٣٠٠، مفتاح الوصول ٧٣، تقريب الوصول (٧٨)..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٥ - أخرجه ابن ماجه (١/٣١٢) رقم (٩٧٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٢) والبيهقي (٣/ ٦٩) والدارقطني (١/٢٨٠) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٤١٥ و ١١/٤٥-٤٦) وابن عدي (٥/ ١٨٩٠) وابن سعد (٧/٣٤) وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣١٧).
قال البوصيري في "الزوائد (١/٣٣١): هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمر.
وقال البيهقي: رواه جماعة عن الربيع بن بدر وهو ضعيف..
٦ - أخرجه الطبري "تفسيره" ٤/ ١١٥ عن ابن عباس..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٨..
٨ - الفرض والواجب لفظان مترادفان عند غير الحنفية، معناهما واحد: هو الفعل الذي طلبه الشاع طلبا جازما، سواه كان الطلب بدليل قطعي؛ كالقرآن، والسنة المتواترة، أو كان بدليل ظني؛ كخبر الآحاد.
أما الحنفية فإنهم يفرقون بين الفرض والواجب.
فالفرض عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا حازما بدليل قطعي؛ كالصلاة، ومطلق القراءة فيها؛ والزكاة فإنها مطلوبة طلبا جازما بأدلة قطعية، هي قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة-وآتوا الزكاة- فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾؛ إذ لا شك أنها قطعية الثبوت، ومثل القرآن في ذلك السنة المتواترة.
والواجب عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما بدليل ظني؛ كخصوص قراءة الفاتحة في الصلاة المدلول على طلبها طلبا جازما بخبر الآحاد؛ كما في الصحيحين: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وعللوا هذه التفرقة: بأن الفرض معناه في اللغة: القطع؛ لأنه مأخوذ من فرض الشيء بمعنى: حزّه أي: قطع بعضه، فالفرض بمعنى المفروض، أي: المقطوع به، والذي فرضه الله علينا لا يمكن علمه يقينا، إلا إذا كان ثابتا بالدليل القطعي.
والواجب هو الساقط؛ لأنه مأخوذ من وجب بمعنى: سقط؛ يدل له قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي: سقطت، والذي أوجبه الله علينا بدليل ظني لما لم يعلم يقينا فرضه، وتقديره علينا، كان ساقطا، أي: غير معدود من القسم الذي يتعلق به العلم؛ لأنه خاص بالمقطوع به، ومن هنا سمّوا ما ثبت بقطعي بـ"الواجب" علما وعملا، وما ثبت بظني بـ"الواجب" عملا فقط.
ولكن يرد عليهم بأن تخصيص الفرض بالمقطوع به فقط تحكم؛ لأن الفرض في اللغة التقدير مطلقا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا فالتخصيص بأحد القسمين دون الآخر تخصيص بلا دليل، فلا يكون مقبولا.
وبأنه وردت في اللغة كلمة "وجب" بمعنين:
الأول: بمعنى: سقط، ومصدرها حينئذ: الوجبة، وليس هذا محل النزاع.
الثاني: بمعنى ثبت؛ ومنه قوله-عليه الصلاة والسلام-: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" أي: إذا ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب، فلا تبكين باكية؛ لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة، فمصدرها حينئذ الوجوب بمعنى: الثبوت، فيقال: وجب الشيء وجوبا، أي: ثبت ثبوتا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا، فتخصيص الواجب بما ثبت بدليل ظني؛ لأنه ساقط، أي: نازل عن اعتباره من قسم المعلوم لا أساس له.
على أن كثرة استعمال أهل اللغة العربية لهذين اللفظين في معنييهما مطلقا، سواء كان مقطوعا بهما أو مظنونا يرجح ما نقول، ومن هنا نجد أن الحنفية قد نقضوا أصلهم هذا، واستعملوا الفرض فيما ثبت بظني، والواجب فيما ثبت بقطعي: كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض؛ وكقولهم: الصلاة واجبة، والزكاة واجبة.
والواقع أن الخلاف بين الحنفية وغيرهم خلاف لفظي وليس حقيقيا؛ لأنهم جميعا متفقون على أن ما ثبت بدليل ظني لا يكون في قوة ما ثبت بدليل قطعي، وأن جاحد الأول لا يكفر، بخلاف جاحد الثاني؛ كما أنهم متفقون على أن تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة.
وإنما الخلاف بينهم في التسمية فقط، فنحن نقول: إن الفرض والواجب لفظان مترادفان اصطلاحا، نقلا عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد، هو الفعل المطلوب طلبا جازما، سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني، والحنفية يخصون كلا منهما باسم خاص، ويجعلونه اسما له، وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومقتضى كون الخلاف لفظيا: ألا يكون له أثر في الفروع يترتب على الفرق بين الفرض والواجب، وهو كذلك.
وما يظن من أن هذا الخلاف حقيقي؛ لأن له أثرا ظهر في ترك قراءة الفاتحة في الصلاة؛ حيث قيل بتأثيم التارك، وعدم فساد صلاته إن أتى بقراءة غيرها، بخلاف تارك القراءة فيها أصلا، حيث قيل بتأثيمه وفساد صلاته- غير سديد؛ لأن عدم الفساد عندهم ليس ناشئا من التفرقة بين الفرض والواجب، وإنما هو ناشئ عن الدليل الذي دل المجتهد على الحكم، وهو ظنية الدليل الذي تسبب عنه أمران: التسمية بالواجب، وعدم الفساد، ولا يلزم من سببية شيء، لأمرين: أن يكون أحدهما سببا للآخر، والذي كان في مقابلته الدليل القطعي الدال على فرضية مطلق القراءة الذي عدل عن الفاتحة إليها، فقيل بعدم الفساد عملا بظنية دليل الفاتحة، وقطعية دليل مطلقا القراءة.
ينظر: الإحكام للآمدي ١/٩٢-٩٤، الإبهاج ١/٥٥، نهاية السول ١/٧٣، التمهيد للإسنوي ص (٥٨)، المحصول ١/١/١١٧، البرهان ١/٣٠٨، المستصفى ١/٤٢، المنتهى لابن الحاجب ص (٢٣)، كشف الأسرار ٢/٣٠٠، أصول السرخسي ١/١٠٠، المنخول ص (٧٦)، فواتح الرحموت ١/٥٨، العدة ١/١٦٢، ٢/٣٧٦، شرح الكوكب المنير ١/٣٥١، سلاسل الذهب ص (١١٤)، البحر المحيط ١/١٨١، روضة الناظر ص (١٦)، الحدود للباجي ص (٥٣) مختصر ابن اللحام ص (٥٩)، ميزان الأصول ١/١٢٨-١٢٩، جمع الجوامع ١/٨٦-٨٨..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٠، والكشف ١/٢٨٥، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، والحجة ٢/٢٨٦، وشرح الطيبة ٤/٩٦، وشرح شعلة ٢٨٧، والعنوان ٧٣، وإتحاف ١/٤٣٣..
١٣ - البيت لسعد بن مالك. ينظر: خزانة الأدب ١/٤٦٧، سيبويه ١/٢٨، ٣٥٤، ٣٥٧، ابن يعيش ١/١٠٨، الإنصاف-٣٦٧، ابن الشجري ١/٢٣٩، ٢٧٢، ٣٢٣، ٢/ ٢٢٤، شرح شواهد المغني- ٢٠٨، العيني ٢/١٥٠، الهمع ٢/١١٩، ١/١٢٥، الأشموني ١/٢٥٤، التصريح ١/١٩٩، المقتضب ٤/٣٦٠، الجمل للزجاجي ٢٤٢، المغني ٢٣٩، ٦٣١، (٢٠٨) منهج السالك (١/٢٥٤، الدرر اللوامع ١/٩٧، شرح اللمع ١/٩٢، البسيط في شرح جمل الزجاجي ١/٥٤٣، شرح أبيات المغني ٤/٣١٣، ٧/٣١٩، أوضح المسالك رقم ١٠٧، شرح شواهد سيبويه للنحاس ٧٧، الأصول ١/١١١، كتاب اللامات-١٠٧، شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي ٢/٨، شرح أبيات الجمل لابن سيده ١٣٨، الحلل ٣٢٥، الفصول والجمل -٢٠٩، معاني الحروف للرماني ٨٣، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٠٦، الفصول الخمسون-٢٠٩، رصف المباني ٢٦٦، الأشباه والنظائر ٤/١٩٤، التمام في تفسير أشعار هذيل-٥٤ شرح ديوان المتنبي ١/٩٦.
و"لا" من الحروف غير المختصة في إعمالها أقوال:
أحدها-وهو المشهور-: أنها تعمل إلحاقا بـ"ليس" كقوله:
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
الثاني: أنها لا تعمل أصلا، ويرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، ولا ينصب أصلا، وعليه أبو الحسن، وإنما لم يقدروها مهملة، والرفع بالابتداء؛ لأنها حينئذ واجبة التكرار، وفيه نظر؛ لجواز تركه في الشعر.
الثالث: أنها أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة فترفعه، ولا تعمل شيئا في الخبر، وعليه الزجاج، واستدل بأنه لم يسمع النصب في خبرها ملفوظا به، مع أنه قد ورد.
وحكمها حكم- ما- في الشبه والإعمال، ولها شرائط ثلاثة:
أحدها: أن تدخل على نكرة.
ثانيها: أن يكون الاسم مقدما على الخبر.
ثالثها: ألا يفصل بينها وبين الاسم بغيره، فتقول: لا رجل منطلقا؛ كما تقول: ليس زيد منطلقا، ويجوز أن تزاد الباء في خبرها؛ لتأكيد النفي، كما تدخل الباء في خبر "ليس"- و "ما"- تقول: لا رجل بقائم؛ كما تقول: ليس زيد بقائم، ويجوز حذف الخبر منه، كما في الشاهد: لا براح، جعل "لا" بمنزلة "ليس" ورفع بها –براح- والخبر محذوف، وتقديره: لا براح لي، ويجوز أن يكون رفع "براح" بالابتداء، وحذف الخبر وهو رأي أبي العباس المبرِّد، والأول أجود؛ لأنه كان يلزم تكرير "لا"، كقوله (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) هذا رأي سيبويه في إجرائها مجرى ليس في بعض اللغات.
وحال "لا" أنها في موضع ابتداء، وأنها لا تعمل في معرفة أبدا، ولم يعتبر ابن جني هذا الشرط، فأجاز إعمالها في المعارف؛ كقوله:
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها متراخيا
وقيل: يجوز أن يكون "براح" مبتدأ، ورُدّ بأن "لا" الداخلة على الجملة الاسمية يجب إعمالها وتكرارها، فلما لم تتكرر عرف أنها عاملة، ورُدّ بأن هذا شعر؛ فيجوز فيه أن ترد غير عاملة، ولا مكررة، ورُدّ بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة.
قال ابن مالك: عملها أكثر من عمل "إن" وقال أبو حيان: الصواب عكسه؛ لأن "إن" قد عملت نثرا ونظما، و"لا" إعمالها قليل جدا، بل لم يرد منه صريحا إلا البيت السابق، والبيت والبيتان لا تبنى عليهما القواعد..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٣ - اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة أو يصار فيه إلى التوقف؟ وليس محل الخلاف في المفهوم في لفظ الجمع لغة- وهو ضم شيء إلى شيء- فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع والخلاف هو في اللفظ الذي هو مسمى بالجمع، نحو: الرجال والمسلمين، لا في لفظ الجمع الذي هو مركب من الجيم، والميم، والعين، فذهب جماعة: إلى أن أقل الجمع ثلاثة، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وعليه أكثر الصحابة والمتكلمين وأهل اللغة وعزي هذا المذهب إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود.
ينظر: البرهان ١/٣٤٨، المحصول ١/٢/٦٠٦، اللمع ص ١٥، التبصرة ١٢٧، الإبهاج ٢/١٢٩، المعتمد ١/ ٢٤٨، العدة ٢/٦٤٩، المنخول ١٤٨، شرح التنقيح ٢٣٣، الإحكام للآمدي ٤٠٢، روضة الناظر (١٢١)، جمع الجوامع ١/٤١٩، شرح الكوكب المنير ٣/١٤٤، المنتهى لابن الحاجب (٧٧)، أصول السرخسي ١/ ١٥١، كشف الأسرار ٢/٢٨، فواتح الرحموت ١/٢٦٩، المسودة ١٤٩، نشر البنود ١/٢٣٤، شرح اللمع ١/٣٣٠، الوصول لابن برهان ١/٣٠٠، مفتاح الوصول ٧٣، تقريب الوصول (٧٨)..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٥ - أخرجه ابن ماجه (١/٣١٢) رقم (٩٧٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٢) والبيهقي (٣/ ٦٩) والدارقطني (١/٢٨٠) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٤١٥ و ١١/٤٥-٤٦) وابن عدي (٥/ ١٨٩٠) وابن سعد (٧/٣٤) وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣١٧).
قال البوصيري في "الزوائد (١/٣٣١): هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمر.
وقال البيهقي: رواه جماعة عن الربيع بن بدر وهو ضعيف..
٦ - أخرجه الطبري "تفسيره" ٤/ ١١٥ عن ابن عباس..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٨..
٨ - الفرض والواجب لفظان مترادفان عند غير الحنفية، معناهما واحد: هو الفعل الذي طلبه الشاع طلبا جازما، سواه كان الطلب بدليل قطعي؛ كالقرآن، والسنة المتواترة، أو كان بدليل ظني؛ كخبر الآحاد.
أما الحنفية فإنهم يفرقون بين الفرض والواجب.
فالفرض عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا حازما بدليل قطعي؛ كالصلاة، ومطلق القراءة فيها؛ والزكاة فإنها مطلوبة طلبا جازما بأدلة قطعية، هي قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة-وآتوا الزكاة- فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾؛ إذ لا شك أنها قطعية الثبوت، ومثل القرآن في ذلك السنة المتواترة.
والواجب عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما بدليل ظني؛ كخصوص قراءة الفاتحة في الصلاة المدلول على طلبها طلبا جازما بخبر الآحاد؛ كما في الصحيحين: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وعللوا هذه التفرقة: بأن الفرض معناه في اللغة: القطع؛ لأنه مأخوذ من فرض الشيء بمعنى: حزّه أي: قطع بعضه، فالفرض بمعنى المفروض، أي: المقطوع به، والذي فرضه الله علينا لا يمكن علمه يقينا، إلا إذا كان ثابتا بالدليل القطعي.
والواجب هو الساقط؛ لأنه مأخوذ من وجب بمعنى: سقط؛ يدل له قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي: سقطت، والذي أوجبه الله علينا بدليل ظني لما لم يعلم يقينا فرضه، وتقديره علينا، كان ساقطا، أي: غير معدود من القسم الذي يتعلق به العلم؛ لأنه خاص بالمقطوع به، ومن هنا سمّوا ما ثبت بقطعي بـ"الواجب" علما وعملا، وما ثبت بظني بـ"الواجب" عملا فقط.
ولكن يرد عليهم بأن تخصيص الفرض بالمقطوع به فقط تحكم؛ لأن الفرض في اللغة التقدير مطلقا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا فالتخصيص بأحد القسمين دون الآخر تخصيص بلا دليل، فلا يكون مقبولا.
وبأنه وردت في اللغة كلمة "وجب" بمعنين:
الأول: بمعنى: سقط، ومصدرها حينئذ: الوجبة، وليس هذا محل النزاع.
الثاني: بمعنى ثبت؛ ومنه قوله-عليه الصلاة والسلام-: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" أي: إذا ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب، فلا تبكين باكية؛ لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة، فمصدرها حينئذ الوجوب بمعنى: الثبوت، فيقال: وجب الشيء وجوبا، أي: ثبت ثبوتا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا، فتخصيص الواجب بما ثبت بدليل ظني؛ لأنه ساقط، أي: نازل عن اعتباره من قسم المعلوم لا أساس له.
على أن كثرة استعمال أهل اللغة العربية لهذين اللفظين في معنييهما مطلقا، سواء كان مقطوعا بهما أو مظنونا يرجح ما نقول، ومن هنا نجد أن الحنفية قد نقضوا أصلهم هذا، واستعملوا الفرض فيما ثبت بظني، والواجب فيما ثبت بقطعي: كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض؛ وكقولهم: الصلاة واجبة، والزكاة واجبة.
والواقع أن الخلاف بين الحنفية وغيرهم خلاف لفظي وليس حقيقيا؛ لأنهم جميعا متفقون على أن ما ثبت بدليل ظني لا يكون في قوة ما ثبت بدليل قطعي، وأن جاحد الأول لا يكفر، بخلاف جاحد الثاني؛ كما أنهم متفقون على أن تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة.
وإنما الخلاف بينهم في التسمية فقط، فنحن نقول: إن الفرض والواجب لفظان مترادفان اصطلاحا، نقلا عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد، هو الفعل المطلوب طلبا جازما، سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني، والحنفية يخصون كلا منهما باسم خاص، ويجعلونه اسما له، وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومقتضى كون الخلاف لفظيا: ألا يكون له أثر في الفروع يترتب على الفرق بين الفرض والواجب، وهو كذلك.
وما يظن من أن هذا الخلاف حقيقي؛ لأن له أثرا ظهر في ترك قراءة الفاتحة في الصلاة؛ حيث قيل بتأثيم التارك، وعدم فساد صلاته إن أتى بقراءة غيرها، بخلاف تارك القراءة فيها أصلا، حيث قيل بتأثيمه وفساد صلاته- غير سديد؛ لأن عدم الفساد عندهم ليس ناشئا من التفرقة بين الفرض والواجب، وإنما هو ناشئ عن الدليل الذي دل المجتهد على الحكم، وهو ظنية الدليل الذي تسبب عنه أمران: التسمية بالواجب، وعدم الفساد، ولا يلزم من سببية شيء، لأمرين: أن يكون أحدهما سببا للآخر، والذي كان في مقابلته الدليل القطعي الدال على فرضية مطلق القراءة الذي عدل عن الفاتحة إليها، فقيل بعدم الفساد عملا بظنية دليل الفاتحة، وقطعية دليل مطلقا القراءة.
ينظر: الإحكام للآمدي ١/٩٢-٩٤، الإبهاج ١/٥٥، نهاية السول ١/٧٣، التمهيد للإسنوي ص (٥٨)، المحصول ١/١/١١٧، البرهان ١/٣٠٨، المستصفى ١/٤٢، المنتهى لابن الحاجب ص (٢٣)، كشف الأسرار ٢/٣٠٠، أصول السرخسي ١/١٠٠، المنخول ص (٧٦)، فواتح الرحموت ١/٥٨، العدة ١/١٦٢، ٢/٣٧٦، شرح الكوكب المنير ١/٣٥١، سلاسل الذهب ص (١١٤)، البحر المحيط ١/١٨١، روضة الناظر ص (١٦)، الحدود للباجي ص (٥٣) مختصر ابن اللحام ص (٥٩)، ميزان الأصول ١/١٢٨-١٢٩، جمع الجوامع ١/٨٦-٨٨..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٠، والكشف ١/٢٨٥، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، والحجة ٢/٢٨٦، وشرح الطيبة ٤/٩٦، وشرح شعلة ٢٨٧، والعنوان ٧٣، وإتحاف ١/٤٣٣..
١٣ - البيت لسعد بن مالك. ينظر: خزانة الأدب ١/٤٦٧، سيبويه ١/٢٨، ٣٥٤، ٣٥٧، ابن يعيش ١/١٠٨، الإنصاف-٣٦٧، ابن الشجري ١/٢٣٩، ٢٧٢، ٣٢٣، ٢/ ٢٢٤، شرح شواهد المغني- ٢٠٨، العيني ٢/١٥٠، الهمع ٢/١١٩، ١/١٢٥، الأشموني ١/٢٥٤، التصريح ١/١٩٩، المقتضب ٤/٣٦٠، الجمل للزجاجي ٢٤٢، المغني ٢٣٩، ٦٣١، (٢٠٨) منهج السالك (١/٢٥٤، الدرر اللوامع ١/٩٧، شرح اللمع ١/٩٢، البسيط في شرح جمل الزجاجي ١/٥٤٣، شرح أبيات المغني ٤/٣١٣، ٧/٣١٩، أوضح المسالك رقم ١٠٧، شرح شواهد سيبويه للنحاس ٧٧، الأصول ١/١١١، كتاب اللامات-١٠٧، شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي ٢/٨، شرح أبيات الجمل لابن سيده ١٣٨، الحلل ٣٢٥، الفصول والجمل -٢٠٩، معاني الحروف للرماني ٨٣، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٠٦، الفصول الخمسون-٢٠٩، رصف المباني ٢٦٦، الأشباه والنظائر ٤/١٩٤، التمام في تفسير أشعار هذيل-٥٤ شرح ديوان المتنبي ١/٩٦.
و"لا" من الحروف غير المختصة في إعمالها أقوال:
أحدها-وهو المشهور-: أنها تعمل إلحاقا بـ"ليس" كقوله:
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
الثاني: أنها لا تعمل أصلا، ويرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، ولا ينصب أصلا، وعليه أبو الحسن، وإنما لم يقدروها مهملة، والرفع بالابتداء؛ لأنها حينئذ واجبة التكرار، وفيه نظر؛ لجواز تركه في الشعر.
الثالث: أنها أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة فترفعه، ولا تعمل شيئا في الخبر، وعليه الزجاج، واستدل بأنه لم يسمع النصب في خبرها ملفوظا به، مع أنه قد ورد.
وحكمها حكم- ما- في الشبه والإعمال، ولها شرائط ثلاثة:
أحدها: أن تدخل على نكرة.
ثانيها: أن يكون الاسم مقدما على الخبر.
ثالثها: ألا يفصل بينها وبين الاسم بغيره، فتقول: لا رجل منطلقا؛ كما تقول: ليس زيد منطلقا، ويجوز أن تزاد الباء في خبرها؛ لتأكيد النفي، كما تدخل الباء في خبر "ليس"- و "ما"- تقول: لا رجل بقائم؛ كما تقول: ليس زيد بقائم، ويجوز حذف الخبر منه، كما في الشاهد: لا براح، جعل "لا" بمنزلة "ليس" ورفع بها –براح- والخبر محذوف، وتقديره: لا براح لي، ويجوز أن يكون رفع "براح" بالابتداء، وحذف الخبر وهو رأي أبي العباس المبرِّد، والأول أجود؛ لأنه كان يلزم تكرير "لا"، كقوله (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) هذا رأي سيبويه في إجرائها مجرى ليس في بعض اللغات.
وحال "لا" أنها في موضع ابتداء، وأنها لا تعمل في معرفة أبدا، ولم يعتبر ابن جني هذا الشرط، فأجاز إعمالها في المعارف؛ كقوله:
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها متراخيا
وقيل: يجوز أن يكون "براح" مبتدأ، ورُدّ بأن "لا" الداخلة على الجملة الاسمية يجب إعمالها وتكرارها، فلما لم تتكرر عرف أنها عاملة، ورُدّ بأن هذا شعر؛ فيجوز فيه أن ترد غير عاملة، ولا مكررة، ورُدّ بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة.
قال ابن مالك: عملها أكثر من عمل "إن" وقال أبو حيان: الصواب عكسه؛ لأن "إن" قد عملت نثرا ونظما، و"لا" إعمالها قليل جدا، بل لم يرد منه صريحا إلا البيت السابق، والبيت والبيتان لا تبنى عليهما القواعد..