البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الجدال : فعال مصدر : جادل، وهي المخاصمة الشديدة، مشتق ذلك من الجدالة، وهي الأرض.
كان كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب منه الجدالة، ومنه قول الشاعر :
قد أنزل الآلة بعد الآلة***
وأنزل العاجز بالجدالة
أي : بالأرض، وقيل : اشتق ذلك من الجدل وهو القتل، ومنه قيل : زمام مجدول، وقيل : له جديل، لقتله وقيل : للصقر : الأجدل لشدّته واجتماع حلقه، كأن بعضه فتل في بعض فقوي.
الزاد : معروف، وهو ما يستصحبه الإنسان للسفر من مأكول، ومشروب، ومركوب، وملبوس، إن احتاج إلى ذلك، وألفه منقلبة عن واو، يدل على ذلك قولهم : تزوّد، تفعَّل من الزاد.
﴿الحج أشهر معلومات﴾ لما أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة، وكانت العمرة لا وقت لها معلوماً.
بين أن الحج له وقت معلوم، فهذه مناسبة هذه الآية لما قبلها.
والحج أشهر، مبتدأ وخبر ولا بد من حذف، إذ الأشهر ليست الحج، وذلك الحذف أما في المبتدأ، فالتقدير : أشهر الحج، أو وقت الحج، أو : في الخبر، أي : الحج حج أشهر، أو يكون : الأصل في أشهر، فاتسع فيه، وأخبر بالظرف عن الحج لما كان يقع فيه، وجعل إياه على سبيل التوسع والمجاز، وعلى هذا التقدير كان يجوز النصب، ولا يمتنع في العربية.
قال ابن عطية : ومن قدر الكلام : في أشهر، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد.
انتهى كلامه.
ولا يلزم نصب الأشهر مع سقوط حرف الجر، كما ذكر ابن عطية : لأنا قد ذكرنا أنه يرفع على الاتساع، وهذا لا خلاف فيه عند البصريين، أعني أنه إذا كان ظرف الزمان نكرة خبراً عن المصادر، فإنه يجوز عندهم الرفع والنصب، وسواء كان الحدث مستغرقاً للزمان أو غير مستغرق، وأما الكوفيون فعندهم في ذلك تفصيل، وهو : أن الحدث إما أن يكون مستغرقاً للزمان، فيرفع، ولا يجوز فيه النصب، أو غير مستغرق فذهب هشام أنه يجب في الرفع، فيقول : ميعادك يوم، وثلاثة أيام، وذهب الفراء إلى جواز النصب والرفع كالبصريين، ونقل عن الفراء في هذا الموضع أنه لا يجوز نصب الأشهر، لأن : أشهراً، نكرة غير محصورة.
وهذا النقل مخالف لما نقلنا نحن عنه، فيمكن أن يكون له القولان، قول البصريين، وقول هشام، وجمع شهر على أفعل لأنه جمع قلة بخلاف قوله ﴿إن عدة الشهور﴾ فإنه جاء على : فعول، وهو جمع الكثرة.
وظاهر لفظ أشهر الجمع، وهو : شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، كله، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والزهري، والربيع، ومالك.
وقال ابن عباس، وابن الزبير، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، والنخعي، وقتادة، ومكحول، والسدي، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حبيب، عن مالك، هي : شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وروي هذا عن ابن مسعود، وابن عمر، وحكى الزمخشري، وصاحب ( المنتخب ) عن الشافعي : أن الثالث التسعة من ذي الحجة مع ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع الفجر.
وهذان القولان فيهما مجاز، إذ أطلق على بعض الشهر، شهر.
وقال الفراء : تقول العرب : له اليوم يومان لم أره، وإنما هو وبعض يوم آخر، وإنما قالوا ذلك تغليباً لأكثر الزمان على أقله، وهو كما نقل في الحديث : أيام منى ثلاثة أيام وإنما هي يومان وبعض الثالث، وهو من باب إطلاق بعض على كل، وكما قال الشاعر :
ثلاثون شهراً في ثلاثة أحوال***
على أحد التأويلين، قيل : ولأن العرب توقع الجمع على التثنية إذا كانت التثنية أقل الجمع، وقال الزمخشري.
فإن قلت : فكيف كان الشهران.
وبعض الشهر أشهراً ؟ قلت : اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله تعالى ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ فلا سؤال فيه إذن، وإنما يكون موضعاً للسؤال لو قيل : ثلاثة أشهر معلومات.
انتهى كلامه.
وما ذكره الدعوى فيه عامة، وهو أن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، وهذا فيه النزاع.
والدليل الذي ذكره خاص، وهو :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ وهذا لا خلاف فيه، ولإطلاق الجمع في مثل هذا على التثنية شروط ذكرت في النحو و : أشهر، ليس من باب ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ فلا يمكن أن يستدل به عليه.
وقوله : فلا سؤال فيه، إذن ليس بجيد، لأنه فرض السؤال بقوله : فإن قلت ؟ وقوله فإنما كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل : ثلاثة أشهر معلومات، ولا فرق عندنا بين شهر وبين قوله ثلاثة أشهر، لأنه كما يدخل المجاز في لفظ أشهر، كذلك قد يدخل المجاز في العدد، ألا ترى إلى ما حكاه الفراء : له اليوم يومان لم أره ؟ قال : وإنما هو يوم وبعض يوم آخر، وإلى قول امرء :
ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
على ما قدّمنا ذكره، وإلى ما حكي عن العرب، ما رأيته مذ خمسة أيام وإن كنت قد رأيته في اليوم الأول والخامس فلم يشمل الإنتفاء خمسة أيام جميعها بل تجعل ما رأيته في بعضه، وانتفت الرؤية في بعضه، كان يوم كامل لم تره فيه، فإذا كان هذا موجوداً في كلامهم فلا فرق بين أشهر، وبين ثلاثة أشهر، ولكن مجاز الجمع أقرب من مجاز العدد.
قالوا : وثمرة الخلاف بين قول من جعل الأشهر هي الثلاثة بكمالها، وبين من جعلها شهرين وبعض الثالث، يظهر في تعلق الذم فيما يقع من الأعمال يوم النحر، فعلى القول الأول لا يلزمه دم لأنها وقعت في أشهر الحج، وعلى الثاني يلزمه، لأنه قد انقضى الحج بيوم النحر، وأخَّر عمل ذلك عن وقته.
وفائدة التوقيت بالأشهر أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلاَّ فيها، ويكره الإحرام بالحج في غيرها عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وبه قال النخعي.
قال : ولا يحل حتى يقضي حجه.
وقال عطاء، ومجاهد، والأوزاعي، والشافعي، وأبو الثور : لا يصح، وينقلب عمرة ويحل لها.
وقال ابن عباس : من سنة الحج الإحرام به.
وسبب الخلاف اختلافهم في المحذوف في قوله :﴿الحج أشهر معلومات﴾ هل التقدير : الإحرام بالحج أو أفعال الحج ؟ وذكر الحج في هذه الأشهر لا يدل على أن العمرة لا تقع، وما روي عن عمر وابنه عبد الله أن العمرة لا تستحب فيها، فكأن هذه الأشهر مخلصة للحج.
وروي أن عمر كان يخفق الناس بالدرّة، وينهاهم عن الاعتمار فيهن، وعن ابن عمر أنه قال لرجل : إن أطلقني انتظرت، حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة.
ومعنى : معلومات، معروفات عند الناس، وأن مشروعية الحج فيها إنما جاءت على ما عرفوه وكان مقرراً عندهم.
﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ أي : من ألزم نفسه الحج فيهن، وأصل الفرض الحرَ الذي يكون في السهام والقسي وغيرها، ومنه فرضة النهر والجبل، والمراد بهذا الفرض ما يصير به المحرم محرماً، قال ابن مسعود : وهو الإهلال بالحج والإحرام، وقال عطاء، وطاووس : هو أن يلبي، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين رحمهم الله، وهي رواية شريك عن ابن عباس : إن فرض الحج بالتلبية.
وروي عن عائشة : لا إحرام إلاَّ لمن أهلَّ ولبَّى، وأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، وابن حبيب، وقالوا، هم وأهل الظاهر : إنها ركن من أركان الحج.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قلد بدنته وساقها يريد الإحرام.
فقد أحرم، قول هذا على أن مذهبه وجوب التلبية، أو ما قام مقامها من الدم، وروي عن ابن عمر : إذا قلد بدنته وساقها فقد أحرم، وروي عن علي، وقيس بن سعد، وابن عباس، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وابن جبير : أنه لا يكون محرماً بذلك، وقال ابن عباس، وقتادة، والحسن : فرض الحج الإحرام به، وبه قال الشافعي.
وهذه الأقوال كلها مع اشتراط النية.
وملخص ذلك أنه يكون محرماً بالنية، والإحرام عند مالك، والشافعي، وبالنية والتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة، أو النية وإشعار الهدي أو تقليده عند جماعة من العلماء.
و : مَنْ، شرطية أو موصولة، و : فيهن، متعلق بفرض، والضمير عائد على : أشهر، ولم يقل : فيها، لأن أشهراً جمع قلة، وهو جار على الكثير المستعمل من أن جمع القلة لما لا يعقل يجرى مجرى الجمع مطلقاً للعاقلات على الكثير المستعمل أيضاً، وقال قوم : هما سواء في الاستعمال.
﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ الرفث هنا قال ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، والزهري، والسدي : هو الجماع ؛ وقال ابن عمر، وطاووس، وعطاء، وغيرهم : هو الإفحاش للمرأة بالكلام، كقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا، لا يكني، وقال قوم : الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهن أم لا ؛ وقال قوم : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من أهله، وقال أبو عبيدة : هو اللغو من الكلام، وقال ابن الزبير : هو التعرض بمعانقة ومواعدة أو مداعبة أو غمز.
وملخص هذه الأقوال أنها دائرة بين شيء يفسده وهو الجماع، أو شيء لا يليق لمن كان ملتبساً بالحج لحرمة الحج.
والفسوق : فسر هذا بفعل ما نهى عنه في الإحرام من قتل صيد، وحلق شعر، والمعاصي كلها لا يختص منها شيء دون شيء قاله ابن عباس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وطاووس.
أو الذبح للأصنام ومنه :﴿أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ قاله ابن زيد، ومالك، أو التنابذ بالألقاب قال :﴿بئس الاسم الفسوق﴾ قاله الضحاك، أو السباب منه :«سباب المسلم فسوق ».
قاله ابن عمر أيضاً، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم، والسدي، ورجح محمد بن جرير أنه ما نهي عنه الحاج في إحرامه لقوله :﴿فمن فرض فيهن الحج﴾.
وقد علم أن جميع المعاصي محرم على كل أحد من محرم وغيره، وكذلك التنابذ، ورجح ابن عطية، والقرطبي المفسر وغيرهما قول من قال : إنه جميع المعاصي لعمومه جميع الأقوال والأفعال، ولأنه قول الأكثر من الصحابة والتابعين، ولأنه روي :" والذي نفسي بيده، ما بين السماء والأرض عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله، أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال "
وقال العلماء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله في أثناء أدائه ؛ وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله بعده.
والجدال : هنا مماراة المسلم حتى يغضب، فأما في مذاكرة العلم فلا نهي عنها، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد.
أو السباب، قاله ابن عمر، وقتادة.
أو : الاختلاف : أيهم صادف موقف أبيهم ؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، تقف قريش في غير موقف العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك، قاله ابن زيد، ومالك.
أو يقول قوم : الحج اليوم، وقوم الحج غداً، قاله القاسم.
أو المماراة في الشهور حسبما كانت العرب عليه من الذي كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم بجمع، وبعضهم بعرفة، ويتمارون في الصواب من ذلك، قاله مجاهد.
قال ابن عطية : وهذا أصح الأقوال، وأظهرها قرر الشرع وقت الحج وإحرامه حتم لا جدال فيه.
أو قول طائفة : حجنا أبر من حجكم، وتقول الأخرى مثل ذلك، قاله محمد بن كعب القرطبي، أو الفخر بالآباء، قاله بعضهم، أو قول الصحابة للنبي ﷺ إنا أهللنا بالحج، حين قال في حجة الوداع :« من لم يكن معه هدي فليحلل من إحرامه وليجعلها عمرة » قاله مقاتل.
أو المراء مع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى