تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ. . .﴾.
ابن عطية : أي وقت الحج أشهر(١).
ابن عرفة : أو الحج ذو أشهر كقولهم : زيد عدل أي ذو عدل.
ابن عرفة : وعادتهم يوردون في هذا تشكيكا وهو أن هذه القضية، إمّا صادقة أو كاذبة وكلاهما باطل، أمّا بطلان الثاني فظاهر وأمّا الأول فلأنّها إذا كانت معلومة كان الإخبار بها غير مفيد، إذ هو تحصيل الحاصل كقولك هذا ( الشهر )(٢) معلوم.
والجواب أن المعلوم قسمان : باق على أصله ومعلوميته لم يقع فيه ( تغيير )(٣) بوجه، ومعلوم غير عن وضعه وهذا منه، كما قالوه في النسيء : فإنهم كانوا ( يؤخرون )(٤) المحرم لصفر ويجعلونه كذلك عاما بعد عام حتى كانت حجّة أبي بكر رضي الله عنه في ذي القعدة سنة تسع، وحجّة سيّدنا رسول الله ﷺ أعني حجة الوداع في ذي الحجة ولذلك قال في خطبته :« إن الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض » فاقتضت الآية أنّ ( الحجّ )(٥) هو الأشهر المعلومات ( الأصلية )(٦) التي ليس فيها ذلك ( التغيير )(٧).
( والجواب الثاني )(٨) بأن فائدة ذلك التنبيه على هذه الأشهر المعلومة بالحج كما هو في شرع من قبلنا هي في شرعنا.
ورده ابن عرفة بأنّ اللّفظ لا يقتضى ذلك.
قال ابن عرفة : فإن قلت : ما فائدة ( العدول )(٩) عن الحقيقة إلى المجاز في الإخبار بظرف الزمان عن المصدر مثل : زيد عدل ؟
فأجاب عن ذلك بأن عادتهم يقولون :( فائدته )(١٠) [ ٤٦ظ ] التنبيه على مفارقة الصلاة / فإن الصلاة الفائتة تقضى في غير وقتها، والحج لا يقضى إلا في هذه الأشهر فجعلت كأنها هي نفس الحج لملازمته لها.
قال ابن عطية : وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، حكاه الشيخ ابن حبيب عن الإمام مالك رضي الله عنه(١١) وترك قولين آخرين في المذهب : أحدهما : أنّه شوال وذو القعدة وذو الحجة، والثاني أنه شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة وأيام الرمي(١٢).
قوله تعالى :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج. . .﴾.
نقل الفخر في المحصول عن أبي الدّبوسي من ( الحنفية )(١٣) : أن الفرض ما نشأ عن دليل قطعي لأنه مأخوذ من الفرض في ( الخشبة )(١٤)، والواجب ما نشأ عن دليل ( ظني )(١٥) لأن الوجوب في اللغة السقوط. قال الله تعالى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾(١٦) ولذلك يقولون : هذا واجب وجوب السنن ولا يقولون : هذا فريضة فرض السنن(١٧).
قال ابن عرفة : فإن قلت لم أعيد لفظ الحجّ مظهرا، وهلا قيل : فمن فرضه فيهن ؟
فأجاب عن ذلك بأنه لو قيل كذلك لكان فيه عود الضمير على اللفظ لا على المعنى مثل : عندي درهم ونصفه لأن الحج الأول مطلق يصدق بصورة فيتناول حج زيد وعمرو بالتعيين الواقع منهما وحجمها القابل لأن يفعلاه.
وقول الله جل جلاله :﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ مقيد بحج كل واحدٍ واحدٍ بعينه، والشخص المعين ( حجه مقيد لا )(١٨) مطلق، فلذلك أعيد لفظ الحج مظهرا فيتناول الفرض والتطوع.
قيل لابن عرفة : ما الفرق بين ( جواز تقديم )(١٩) إحرام الحجّ على أشهر الحج ومنع تقديم إحرام الصلاة على وقتها ؟
فقال : الإحرام قسمان منقطع ومستصحب، فالمنقطع كتكبيرة الإحرام والمستصحب النية، فالنية يصح تقديمها على الوقت لأنها لايزال حكمها منسحبا على المصلي في جميع أجزاء صلاته ولا يصح تقديم تكبيرة الإحرام لانقطاعها بالفراغ منها، ونظيره هنا السعي، لا يجوز تقديمه على أشهر الحج. وأما نية الإحرام والتوجه فهو مستصحب فيصح تقديمه على أشهر الحج. وفرقوا بين إحرام الصلاة وإحرام الحج بأنّ إحرام الصلاة متيسر ( لا مشقة )(٢٠) فيه فامتنع تقديمه وأمر المقدم له بإعادته واعتقاد وجوبه بخلاف إحرام الحج.
قوله تعالى :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج. . .﴾.
نقل ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية عن الإمام مالك رضي الله عنه : إنّ أقل الجمع اثنان، وقال الباجي في الفصول(٢١) : المشهور عن مالك وعن أصحابه أن أقل الجمع ثلاثة إلا ابن خويز منداد(٢٢) فإنه قال أقله اثنان. واحتج الأولون بقوله :﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾(٢٣) وأجيب باحتمال أنْ يريد بالضمير الفاعل والمفعول معا، أي الحاكم المحكوم عليه.
وردّه ابن التلمساني بإلزام كون الضمير فاعلا ومفعولا في حالة واحدة فيكون مرفوعا منصوبا، انظر المسألة الخامسة من الباب الثالث(٢٤) (٢٥).
قوله تعالى :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ. . .﴾.
قال أبو حيان : قرأ الأعمش(٢٦) رفوث(٢٧).
قال ابن عرفة : هو إما جمع بناء على أن جمع المصدر إذا اختلفت أنواعه إما قياسا كما قال ابن عصفور(٢٨) أو سماعا كما قال ابن أبي الربيع وابن هشام، وإمّا مفردا.
قلت : مثل قعود ووقوف وكقولك : أقل أفولا، ولزم لزوما، والجمع كالحلوم وأما « رَفَثَ » فمثل قولك وَجِلَ وَجَلا وخَجل خجلا.
قوله تعالى :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله. . .﴾.
إن قلت : المتقدم نهي وامتثاله بالترك كما أنّ امتثال الأمر بالفعل، فهلا عقب بأن يقال : وما تتركوا من شيء يَعْلَمَهُ اللهُ ؟
قيل لابن عرفة : نقول إن الترك فعل ؟ فقال : البحث على أنّه غير فعل.
قال : وإنّما الجواب بما قال ابن الحاجب من أنّ نقيض الجلي ( جلي )(٢٩)، ونقيض الخفي خفي(٣٠) فالإخبار بأن الله تعالى يعلم الفعل يستلزم معرفته نقيض ذلك وهو الترك وإنّما عدل على التنصيص على ذلك بالمطابقة إلى دلالة الالتزام ليفيد الكلام أمرين، وهو الحض على عدم الاقتصار على ترك ذلك فقط فيتضمن طلب تركه وطلب تعويضه بفعل الخير المحصل للثواب فإنه تعالى عالم بمن يترك ذلك ويفعل الخير فنبه على الترك والفعل.
١ - المحرر الوجيز: ٢/١٢٠..
٢ - ج: المهر..
٣ - أ: تعبير – ب: فغير..
٤ - أ: يؤرخون..
٥ - ج: الحكم..
٦ - هـ: نقص..
٧ - ج: نقص..
٨ - أ: ويجاب أيضا..
٩ - أ: العدل..
١٠ - أ ج: فائدة..
١١ - المحرر الوجيز ٢/١٢٠..
١٢ - انظر الموطأ: ٢٣٦ – ٢٣٧..
١٣ - ج: الجمعية..
١٤ - ج: الخشه – أ ب د هـ: الخشية..
١٥ - ج: قطعي..
١٦ - سورة الحج الآية: ٣٦..
١٧ - انظر القسم الأول في مباحث اللفظ ص ٧١ و – من كتاب المحصول في أصول الفقه للفخر. رقم: ٧٥٣١..
١٨ - أ: بياض – ج: مقو..
١٩ - د: نقص..
٢٠ - أ: للمشعة..
٢١ - سليمان بن خلف بن سعد القرطبي الباجي أصولي محدث ولد سنة ٤٠٣هـ وتوفي سنة ٤٧٤هـ - من مؤلفاته: إحكام الفصول في أحكام الأصول – كشف الظنون ١٩ – ٢٠. كحالة ٤/٢٦١..
٢٢ - محمد أبو بكر بن خويز منداد، كنيته أبو عبد الله. تفقه على الأبهري له كتاب كبير في الخلاف وكتاب في أصول الفقه. إن العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار – انظر الديباج ص ٢٦٨..
٢٣ - سورة الأنبياء الآية: ٧٨..
٢٤ - مكرر) الصحيح أن هذه المسألة ذكرها ابن التلمساني في المسألة الخامسة من الباب الثالث وهو الذي أثبته اما جميع النسخ المخطوطة (أ ب ج د هـ) فقد ذكرت الباب الثاني وهو خطأ..
٢٥ - انظر شرح المعالم الفقهية الباب الثالث في الخاص والعام المسألة الخامسة ص ٤٧ظ مخطوط رقم ٢٢٠٥٢ – جامعة أم القرى مكة المكرمة..
٢٦ - سليمان بن مهراش الأعمش (٦٠ هـ/١٤٨هـ) إمام جليل مقرئ صاحب النوادر. انظر ترجمته في طبقات القراء لابن الجزري ١/٣١٥ رقم ١٣٨٩..
٢٧ - قال أبو حيان:... وقرأ ابن مسعود والأعمش رفوت – البحر المحيط ٢/٨٨..
٢٨ - انظر المقرب لابن عصفور في باب المصادر ٢/١٣٠..
٢٩ - ج: نقص..
٣٠ - انظر منتهى ابن الحاجب – مبحث الكلام على المقدمات البرهانية ص ٧ وما بعدها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى