تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ( البقرة : ٢٥١ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿فهزموهم﴾ أي غلبوهم ﴿بإذن الله﴾ أي بتقديره ؛ فالإذن هنا كوني.
قوله تعالى :﴿وقتل داود جالوت﴾ ؛ داود كان من جنود طالوت ؛ لكنه عليه الصلاة والسلام كان قوياً شجاعاً ؛ يقال : إن جالوت طلب البراز ؛ لأن جالوت قائد جبار عنيد قوي ؛ فخرج إليه داود، فقتله ؛ وقد ذكروا في كيفية قتله ما لا حاجة إلى ذكره، ولا سند صحيح في إثباته ؛ وليس لنا في كيفية قتله كبير فائدة ؛ ولذا لم يصف الله تعالى لنا القتل ؛ فالمقصود قتله، وقد حصل ؛ وإذا قُتل - وهو القائد - انهزم الجنود.
قوله تعالى :﴿وآتاه الله﴾ ضمير المفعول به يعود إلى ﴿داود﴾ ؛ أي أعطاه الله ﴿الملك﴾ فصار ملكاً ؛ وآتاه ﴿الحكمة﴾ فصار رسولاً ؛ واجتمع له ما به صلاح الدين، والدنيا : الشرع، والإمارة.
قوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ أي من الذي يشاؤه ؛ ومن ذلك ما ذكره الله تعالى في قوله :﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ [الأنبياء: ٨٠].
قوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ ؛ ﴿دفع﴾ بفتح الدال، وإسكان الفاء ؛ وفي قراءة :«دفاع » بكسر الدال، وفتح الفاء، وألف بعدها ؛ وهما سبعيتان ؛ و ﴿دفع﴾ مصدر مضاف إلى فاعله ؛ و ﴿الناس﴾ مفعول به ؛ و ﴿بعضهم﴾ بدل منه ؛ و ﴿ببعض﴾ متعلق ب ﴿دفع﴾ ؛ وخبر المبتدأ محذوف تقديره : موجود ؛ يعني : لولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض موجود لفسدت الأرض.
وقوله تعالى :﴿لفسدت الأرض﴾ جواب «لولا » ؛ و «الفساد » ضد «الصلاح » ؛ ومن أنواعه ما ذكره الله تعالى بقوله :﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ [الحج: ٤٠].
قوله تعالى :﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ أي صاحب فضل ؛ و «الفضل » هو العطاء الزائد الواسع الكثير ؛ ﴿على العالمين﴾ أي جميع الخلق ؛ وسموا عالماً ؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : أن مَنْ صَدَق اللجوء إلى الله، وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.
٢ - ومنها : أنه يجب على المرء إذا اشتدت به الأمور أن يرجع إلى الله عزّ وجلّ.
٣ - ومنها : إضافة الحوادث إلى الله عزّ وجلّ - وإن كان من فعل الإنسان ؛ لقوله تعالى :﴿فهزموهم﴾ : هذا فعلهم - لكن ﴿بإذن الله﴾ ؛ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء، وخذلان هؤلاء.
٤ - ومنها : شجاعة داود - عليه الصلاة والسلام -، حيث قتل جالوت حين برز لهم ؛ والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة ؛ لأنه إذا قُتِل المبارِز أمام جنده فلا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوهن، والرعب ؛ ويجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه ؛ لأن المقام مقام حرب ؛ وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه ؛ فلا حرج أن يخدعه ؛ ويُذكر أن عمرو بن ودّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به عليّ، وقال :«ما خرجت لأبارز رجلين » ؛ فظن عمرو أن أحداً قد لحقه، فالتفت، فضربه علي(١) ؛ هذه خدعة ؛ ولكنها جائزة ؛ لأن المقام مقام حرب ؛ هو يريد أن يقتله بكل وسيلة.
٥ - ومن فوائد الآية : أن داود - عليه الصلاة والسلام - أوتي الملك، والنبوة ؛ لقوله تعالى :﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾.
٦ - ومنها : أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله ؛ لقوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ ؛ فالنبي نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله سبحانه وتعالى ؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ [النساء: ١١٣].
٧ - ومنها : إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ ؛ ولكن اعلم أن مشيئة الله تابعة لحكمته، كما قال الله تعالى :﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].
٨ - ومنها : أن الله عزّ وجلّ يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض، ومن عليها ؛ لقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ ؛ وفساد الأرض يكون بالمعاصي، وترك الواجبات ؛ لقوله تعالى :﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤٠]، وقوله تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠].
٩ - ومنها : إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضاً ليقوم دين الله، فدفعَ الكافرين بجهاد المؤمنين ؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض ؛ لأنه لا معارض لهم ؛ ولكن الله عزّ وجلّ يعارض هذا بهذا.
١٠ - ومنها : أن من الفساد في الأرض هدم بيوت العبادة ؛ لقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ [الحج: ٤٠] ؛ وهذا تفسير لقوله تعالى هنا :﴿لفسدت الأرض﴾ ؛ أو هو ذكر لنوع من الفساد.
١١ - ومنها : إثبات فضل الله تعالى على جميع الخلق ؛ لقوله تعالى :﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ حتى الكفار ؛ لكن فضل الله على الكفار فضل في الدنيا فقط بإعطائهم ما به قوام أبدانهم ؛ أما في الآخرة فيعاملهم بعدله بعذابهم في النار أبد الآبدين ؛ وأما بالنسبة للمؤمنين فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا، والآخرة.
التفسير :
قوله تعالى :﴿فهزموهم﴾ أي غلبوهم ﴿بإذن الله﴾ أي بتقديره ؛ فالإذن هنا كوني.
قوله تعالى :﴿وقتل داود جالوت﴾ ؛ داود كان من جنود طالوت ؛ لكنه عليه الصلاة والسلام كان قوياً شجاعاً ؛ يقال : إن جالوت طلب البراز ؛ لأن جالوت قائد جبار عنيد قوي ؛ فخرج إليه داود، فقتله ؛ وقد ذكروا في كيفية قتله ما لا حاجة إلى ذكره، ولا سند صحيح في إثباته ؛ وليس لنا في كيفية قتله كبير فائدة ؛ ولذا لم يصف الله تعالى لنا القتل ؛ فالمقصود قتله، وقد حصل ؛ وإذا قُتل - وهو القائد - انهزم الجنود.
قوله تعالى :﴿وآتاه الله﴾ ضمير المفعول به يعود إلى ﴿داود﴾ ؛ أي أعطاه الله ﴿الملك﴾ فصار ملكاً ؛ وآتاه ﴿الحكمة﴾ فصار رسولاً ؛ واجتمع له ما به صلاح الدين، والدنيا : الشرع، والإمارة.
قوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ أي من الذي يشاؤه ؛ ومن ذلك ما ذكره الله تعالى في قوله :﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ [الأنبياء: ٨٠].
قوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ ؛ ﴿دفع﴾ بفتح الدال، وإسكان الفاء ؛ وفي قراءة :«دفاع » بكسر الدال، وفتح الفاء، وألف بعدها ؛ وهما سبعيتان ؛ و ﴿دفع﴾ مصدر مضاف إلى فاعله ؛ و ﴿الناس﴾ مفعول به ؛ و ﴿بعضهم﴾ بدل منه ؛ و ﴿ببعض﴾ متعلق ب ﴿دفع﴾ ؛ وخبر المبتدأ محذوف تقديره : موجود ؛ يعني : لولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض موجود لفسدت الأرض.
وقوله تعالى :﴿لفسدت الأرض﴾ جواب «لولا » ؛ و «الفساد » ضد «الصلاح » ؛ ومن أنواعه ما ذكره الله تعالى بقوله :﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ [الحج: ٤٠].
قوله تعالى :﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ أي صاحب فضل ؛ و «الفضل » هو العطاء الزائد الواسع الكثير ؛ ﴿على العالمين﴾ أي جميع الخلق ؛ وسموا عالماً ؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : أن مَنْ صَدَق اللجوء إلى الله، وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.
٢ - ومنها : أنه يجب على المرء إذا اشتدت به الأمور أن يرجع إلى الله عزّ وجلّ.
٣ - ومنها : إضافة الحوادث إلى الله عزّ وجلّ - وإن كان من فعل الإنسان ؛ لقوله تعالى :﴿فهزموهم﴾ : هذا فعلهم - لكن ﴿بإذن الله﴾ ؛ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء، وخذلان هؤلاء.
٤ - ومنها : شجاعة داود - عليه الصلاة والسلام -، حيث قتل جالوت حين برز لهم ؛ والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة ؛ لأنه إذا قُتِل المبارِز أمام جنده فلا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوهن، والرعب ؛ ويجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من بارزه ؛ لأن المقام مقام حرب ؛ وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه ؛ فلا حرج أن يخدعه ؛ ويُذكر أن عمرو بن ودّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به عليّ، وقال :«ما خرجت لأبارز رجلين » ؛ فظن عمرو أن أحداً قد لحقه، فالتفت، فضربه علي(١) ؛ هذه خدعة ؛ ولكنها جائزة ؛ لأن المقام مقام حرب ؛ هو يريد أن يقتله بكل وسيلة.
٥ - ومن فوائد الآية : أن داود - عليه الصلاة والسلام - أوتي الملك، والنبوة ؛ لقوله تعالى :﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾.
٦ - ومنها : أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله ؛ لقوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ ؛ فالنبي نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله سبحانه وتعالى ؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ [النساء: ١١٣].
٧ - ومنها : إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى :﴿وعلمه مما يشاء﴾ ؛ ولكن اعلم أن مشيئة الله تابعة لحكمته، كما قال الله تعالى :﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].
٨ - ومنها : أن الله عزّ وجلّ يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض، ومن عليها ؛ لقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ ؛ وفساد الأرض يكون بالمعاصي، وترك الواجبات ؛ لقوله تعالى :﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤٠]، وقوله تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠].
٩ - ومنها : إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضاً ليقوم دين الله، فدفعَ الكافرين بجهاد المؤمنين ؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض ؛ لأنه لا معارض لهم ؛ ولكن الله عزّ وجلّ يعارض هذا بهذا.
١٠ - ومنها : أن من الفساد في الأرض هدم بيوت العبادة ؛ لقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾ [الحج: ٤٠] ؛ وهذا تفسير لقوله تعالى هنا :﴿لفسدت الأرض﴾ ؛ أو هو ذكر لنوع من الفساد.
١١ - ومنها : إثبات فضل الله تعالى على جميع الخلق ؛ لقوله تعالى :﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ حتى الكفار ؛ لكن فضل الله على الكفار فضل في الدنيا فقط بإعطائهم ما به قوام أبدانهم ؛ أما في الآخرة فيعاملهم بعدله بعذابهم في النار أبد الآبدين ؛ وأما بالنسبة للمؤمنين فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا، والآخرة.
١ لم أقف على هذا السياق، وإنما وقفت على قول علي رضي الله عنه لعمرو بن عبد ود: "يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوكم رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال: فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال علي: فإني أدعوك إلى النزال، فقال: لم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك،..." فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه، والواقعة وقعت في غزوة الخندق؛ راجع: سيرة ابن هشام ٣/١٣٤ – ١٣٥؛ والسيرة النبوية لابن كثير – مقتبسة من البداية والنهاية – ٣/٢٠٢ – ٢٠٣؛ وسير أعلام النبلاء، السيرة النبوية ١/٤٩٢ – ٤٩٣..