الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ : يجوزُ أن يكونَ حالاً من المشارِ إليه، والعاملُ معنى الإِشارةِ كما تقدَّم، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويجوزُ أن يكونَ خيرَ " تلك " على أن يكونَ " الرسلُ " نعتاً ل " تلك " أو عطفَ بيانٍ أو بدلاً.
قوله :﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ هذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما : أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافِها. والثاني : أنها بدلٌ من جملةِ قوله " فَضَّلْنا " والجمهورُ على رفعِ الجلالة على أنه فاعلٌ، والمفعولُ محذوفٌ وهو عائدُ الموصولِ أي : مَنْ كَلَّمه الله. وقُرِىء بالنصبِ على أنَّ الفاعلَ ضميرٌ مستترٌ وهو عائدٌ الموصولِ أيضاً، والجلالةُ نَصْبٌ على التعظيمِ.
وقرأ أبو المتوكل وابن السَّمَيْفَع :" كالَمَ اللهَ " على وزن فاعَلَ ونصبِ الجلالة، و " كليم " على هذا معنى مكالِم نحو : جَلِيس بمعنى مُجالِس، وخليط بمعنى مخالط. وفي هذا الكلامِ التفاتٌ لأنه خروجٌ من ضميرِ المتكلمِ المعظِّم نفسَه في قوله :" فَضَّلْنا " إلى الاسمِ الظاهرِ الذي هو في حكمِ الغائبِ.
قوله :﴿دَرَجَاتٍ﴾ في نصبِه ستةُ أوجهٍ، أحدها أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحالِ. الثاني : انه حالٌ على حذفِ مضافٍ، أي : ذوي درجاتٍ. الثالث : أنه مفعول ثان ل " رفع " على أنه ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات. الرابع أنه بدلُ اشتمالٍ أي : رَفَع درجاتٍ بعضَهم، والمعنى : على درجاتِ بعض. الخامس : أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظِه، لأن الدرجةَ بمعنى الرَّفْعة، فكأنه قيل : ورَفَع بعضَهم رَفعاتٍ. السادس : أنه على إسقاطِ الخافضِ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يكونَ " على " أو " في " أو " إلى " تقديرُه : على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجاتٍ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده.
قوله :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ مفعولُه محذوفٌ، فقيل : تقديرُه : أَنْ لا تختلفوا وقيل : أَنْ لا تفشلوا، وقيل : أَنْ لا تُؤمروا بالقتال، وقيل : أَنْ يضطرَّهم إلى الإِيمانِ، وكلُّها متقاربة.
و " مِنْ بعدِهم " متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صلةٌ، والضميرُ يعودُ على الرسل. و ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ﴾ فيه قولان، أحدُهما : أنه بدلٌ من قولِه :" مِنْ بعدِهم " بإعادةِ العاملِ. والثاني : أنه متعلقٌ باقتتل، إذ في البينات - وهي الدلالاتُ الواضحةُ - ما يُغْنِي عن التقاتلِ والاختلافِ. والضميرُ في " جاءتهم " يعودُ على الذين مِنْ بعدِهم، وهم أممُ الأنبياء.
قوله :﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ﴾ وجهُ هذا الاستدراكِ واضحٌ، فإنَّ " لكن " واقعةٌ بين ضدين، إذ المعنى : ولو شاءَ اللهُ الاتفاقَ لاتفقوا ولكنْ شاءَ الاختلافَ فاختلفوا. وقال أبو البقاء :" لكنْ " استدراكٌ لما دَلَّ الكلامُ عليه، لأنَّ اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بيَّن الاختلاف بقوله :﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ فلا محلَّ حينئذٍ لقولِه :﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ﴾.
وقوله :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ﴾ فيه قولان، أحدُهما : أنها الجملةُ الأولى كُرِّرت تأكيداً قاله الزمخشري. والثاني : أنها ليست لتأكيدِ الأولى، بل أفادَتْ فائدةٌ جديدةً، والمغايَرةُ حَصَلَتْ بتغايرِ متعلَّقهما، فإنَّ متعلَّقَ الأولى مغايرٌ لمتعلَّق المشيئةِ الثانيةِ، والتقديرُ في الأولى :" ولو شاءَ الله أن يَحُولَ بينهم وبين القتال بأن يَسْلُبَهم القِوى والعقول، وفي الثاني : ولو شاءَ لم يأمرِ المؤمنين بالقتال، ولكن شاءَ أَمَرهم بذلك. وقوله :﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ هذا استدراكٌ أيضاً على المعنى، لأنَّ المعنى : ولو شاءَ الله لمنعَهم [ من ذلك ]، ولكنَّ اللهَ يفعل ما يريدُ مِنْ عدمِ منعِهم من ذلك أو يفعلُ ما يريدُ من اختلافِهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى