تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
موقع هذه الآية موقع الفذلكة لما قبلها والمقدمة لما بعدها. فأما الأول فإنّ الله تعالى لما أنبأ باختبار الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وما عرض لهم مع أقوامهم وختم ذلك بقوله :﴿تلك ءايت اللَّه نتلوها عليك بالحق﴾ [البقرة: ٢٥٢]. جمع ذلك كلّه في قوله :﴿تلك الرسل﴾ لَفْتاً إلى العبر التي في خلال ذلك كلّه. ولما أنهى ذلك كلّه عَقَّبه بقوله :﴿وإنّك لمن المرسلين﴾ [البقرة: ٢٥٢] تذكيراً بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته. إذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه. وفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد ﷺ فموقع اسم الإشارة مثل موقعه في قول النابغة :
بني عمه دنيا وعمِرو بن عامرأولئك قومٌ بأسهم غير كاذب
والإشارة إلى جماعة المرسلين في قوله :﴿وإنّك لمن المرسلين﴾. وجيء بالإشارة لما فيها من الدلالة على الاستحضار حتى كأنّ جماعة الرسل حاضرة للسامع بعد ما مرّ من ذكر عجيب أحوال بعضهم وما أعقبه من ذكرهم على سبيل الإجمال.
وأما الثاني فلأنّه لما أفيض القول في القتال وفي الحثّ على الجهاد والاعتبار بقتال الأمم الماضية عقب ذلك بأنّه لو شاء الله ما اختلف الناس في أمر الدين من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكنّهم أساؤوا الفهم فجحدوا البيّنات فأفضى بهم سوء فهمهم إلى اشتطاط الخلاف بينهم حتى أفضى إلى الاقتتال. فموقع اسم الإشارة على هذا الاعتبار كموقع ضمير الشأن، أي هي قصة الرسل وأممهم، فضّلنا بعض الرسل على بعض فحسدت بعض الأمم أتباع بعض الرسل فكذّب اليهود عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام وكذب النصارى محمداً ﷺ.
وقرن اسم الإشارة بكاف البعد تنويهاً بمراتبهم كقوله :﴿ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ٢].
واسم الإشارة مبتدأ والرسل خبر، وليس الرسل بدلاً لأنّ الإخبار عن الجماعة بأنّها الرسل أوقع في استحضار الجماعة العجيب شأنهم الباهر خبرهم، وجملة « فضّلنا » حال.
والمقصود من هذه الآية تمجيد سمعة الرسل عليهم السلام، وتعليم المسلمين أنّ هاته الفئة الطيّبة مع عظيم شأنها قد فضّل الله بعضها على بعض، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلاّ الله تعالى، غير أنّها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المُصلِحة للبشر ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيَّدُوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك الهديِ ودوامهِ، وإذا كان الرسول ﷺ يقول : " لأنْ يهدي الله بك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس "، فما بالك بمن هدى الله بهم أمماً في أزمان متعاقبة، ومن أجل ذلك كان محمد ﷺ أفضل الرّسل. ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه.
وقد خصّ الله من جملة الرسل بعضاً بصفات يتعيّن بها المقصود منهم، أو بذكر اسمه، فذكر ثلاثةً إذ قال : منهم من كلَّم اللَّهُ، وهذا موسى عليه السلام لاشتهاره بهذه الخصلة العظيمة في القرآن، وذَكَر عيسى عليه السلام، ووسط بينهما الإيماءَ إلى محمد ﷺ بوصفه، بقوله :﴿ورفع بعضهم درجات﴾.
وقوله :﴿ورفع بعضهم درجات﴾ يتعيّن أن يكون المراد من البعض هنا واحداً من الرسل معيّناً لا طائفة، وتكون الدرجات مراتبَ من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد : لأنّه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مُجملاً، ومن الدرجات درجات بينهم لصار الكلام تكراراً مع قوله فضّلنا بعضهم على بعض، ولأنّه لو أريد بعضٌ فُضِّل على بعض لقال، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية الأخرى :﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ [الأنعام: ١٦٥].
وعليه فالعدول من التصريح بالاسم أو بالوصف المشهور به لقصد دفع الاحتشام عن المبلِّغ الذي هو المقصود من هذا الوصف وهو محمد ﷺ والعرب تعبّر بالبعض عن النفس كما في قول لبيد :
تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أرْضَهاأوْ يعْتَلِقْ بعضَ النّفوسِ حِمَامُها
أراد نفسه، وعن المخاطب كقولي أبي الطيّب :
إذا كان بعضُ النّاس سيفاً لِدَوْلَةٍففي النّاسِ بُوقات لها وطُبُول
والذي يعيِّن المراد في هذا كلّه هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على واحد كقول طرفة :
إذا القَوْم قالوا مَنْ فتًى خِلْتُ أنّنيعُنِيْتُ فلم أكسل ولم أتَبَلَّدِ
وقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى :﴿وما أرسلناك عليهم وكيلاً وربّك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٤، ٥٥] عَقب قوله :﴿وإذا قرآتَ القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا﴾ إلى أن قال ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ إلى قوله ﴿ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٤٥، ٥٥].
وهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدمِ تعيين الفاضل من المفضول : ذلك أنّ كل فريق اشتركوا في صفةِ خيرٍ لا يخلُونَ من أن يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة بينهم، وفي تمييز صفات التفاضل غموض، وتطرق لتوقّع الخطإ وعروض، وليس ذلك بسهلٍ على العقول المعرّضة للغفلة والخطإ. فإذا كان التفضيل قد أنبأ به ربّ الجميع، ومَنْ إليه التفضيل، فليس من قدْر النّاس أن يتصدّوا لوضع الرسل في مراتبهم، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم الله في كتابه أو على لسان رسوله.
وهذا مورد الحديث الصحيح « لا تُفضّلوا بين الأنبياء » يعني به النهى عن التفضيل التفصيلي، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال، كما نقول : الرسل أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلاً. وقد ثبت أنّ محمداً ﷺ أفضل الرّسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل الكتاب الذي أنزل عليه. وهي متقارنة الدلالة تنصيصاً وظهوراً. إلاّ أنّ كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملاً بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع. وأعظمها آية ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصُرنَّه﴾ [آل عمران: ٨١] الآية.
وأما قول النبي ﷺ « لا يقولَنّ أحَدُكُم أنا خير من يونس بن مَتَّى » يعني بقوله :« أنا » نفسه على أرجح الاحتمالين، وقوله :« لا تُفَضِّلوني على مُوسَى » فذلك صدر قبل أن يُنبئَه اللَّهُ بأنّه أفضل الخلق عنده.
وهذه الدرجات كثيرة عرَفْنَا منها : عمومَ الرسالة لكافة الناس، ودوامَها طُولَ الدهر، وختمها للرسالات، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر والشعْوذة، وبدوام تلك المعجزة، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهّل نفسه لإدراك الإعجاز، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس إلى أوج الكمال، وبتيسير إدانة معانديه له، وتمليكه أرضهم وديارَهم وأموالَهم في زمن قصير، وبجعل نقل معجزته متواتراً لا يجهلها إلاّ مُكابر، وبمشاهدة أمته لقبره الشريف، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به ﷺ.
وقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى عليهما السلام لشدة الشبه بين شريعَتَيْهما، لأنّ شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع، ممّا قبلها، بخلاف شريعة عيسى عليه السلام.
وتكليمُ الله موسى هو ما أوحاه إليه بدون واسطةِ جبريل، بأن أسمعه كلاماً أيقن أنّه صادر بتكوين الله، بأن خلق الله أصواتاً من لغة موسى تضمنت أصول الشريعة، وسيجيء بيان ذلك عند قوله تعالى :﴿وكلَّم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤] في سورة النساء.
وقوله :﴿وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾ البينات هي المعجزات الظاهرة البيّنة، وروح القدس هو جبريل، فإنّ الروح هنا بمعنى المَلَك الخاص كقوله :﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤].
والقُدُس بضم القاف وبضم الدال عند أهل الحجاز وسكونها عند بني تميمَ بمعنى الخلوص والنزاهة، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة، ولذلك يقال الروحُ القدس، وقيل القُدُس اسم الله كالقدّوس فإضافة روح إليه إضافة أصلية، أي روح من ملائكةِ الله.
وروح القدس هو جبريل قال تعالى :﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل: ١٠٢]، وفي الحديث :« إنّ رُوح القدس نفث في رُوعي أنّ نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها » وفي الحديث أنّ النبي ﷺ قال لحسان : " اهجُهُم ومَعَك روحُ القدس ".
وإنّما وصف عيسى بهذين مع أنّ سائر الرسل أيّدوا بالبيّنات وبروح القدس، للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللرد على النصارى الذين غلَوْا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه مهما ذكر للتنبيه على أنّ ابن الإنسان لا يكون إلهاً، وعلى أنّ مريم أمة الله تعالى لا صاحبة لأنّ العرب لا تذكر أسماء نسائِها وإنّما تكنى، فيقولون ربّة البيت، والأهل، ونحو ذلك ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
اعتراض بين الفذلكة المستفادة من جملة تلك الرسل إلى آخرها وبين الجملة ﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فالواو اعتراضية : فإنّ ما جرى من الأمر بالقتال ومن الأمثال التي بَيّنَتْ خصال الشجاعة والجبن وآثارهما، المقصود منه تشريعاً وتمثيلاً قتالُ أهلِ الإيمان لأهللِ الكفر لإعلاءِ كلمة الله ونصر الحق على الباطل وبث الهُدى وإزهاق الضلال. بيّن اللَّه بهذا الاعتراض حجة الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين كفروا : بأن الكافرين هم الظالمون إذ اختلفوا على ما جاءتهم به الرسل، ولو اتّبعوا الحق لسلموا وسالموا.
ثم يجوز أن يكون الضمير المضاف إليه في قوله :﴿من بعدهم﴾ مراداً به جملة الرسّل أي ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعد أولئك الرسل من الأمم المختلفة في العقائد مثل اقتتال اليهود والنصارى في اليمن في قصة أصحاب الأخدود، ومقاتلة الفلسطينيِّين لبني إسرائيل انتصاراً لأصنامهم، ومقاتلة الحبشة لمشركي العرب انتصاراً لبيعة القليس التي بناها الحبشة في اليَمن، والأمم الذين كانوا في زمن الإسلام وناوَوْه وقاتلوا المسلمين أهلَه، وهم المشركون الذين يزعمون أنّهم على ملة إبراهيم واليهودُ والنصارى، ويكون المراد بالبيّنات دلائلِ صدق محمد ﷺ فتكون الآية بإنحاء على الذين عاندوا النبي وناووا المسلمين وقاتلوهم، وتكون الآية على هذا ظاهرة التفرّع على قوله :﴿وقاتلوا في سبيل الله واعلموا﴾ [البقرة: ٢٤٤] إلخ.
ويجوز أن يكون ضمير « مِنْ بعدهم » ضميرَ الرسل على إرادة التوزيع، أي الذين من بعد كل رسول من الرسل، فيكون مفيداً أنّ أمة كل رسول من الرسل اختلفوا واقتتلوا اختلافاً واقتتالاً نشَآ من تكفير بعضهم بعضاً كما وقع لبني إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدِّين إلى حد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى