غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ بالفتح غير منون : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير، الباقون بالرفع والتنوين، وكذلك في سورة إبراهيم :﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ ( الآية : ٣١ ) وكذلك في سورة الطور :﴿لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ ( الآية : ٢٣ )
الوقوف : بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين ه على بعض م ؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى عليه السلام من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم. درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون ه.
وفيه أيضاً تسلية للنبي ﷺ فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت. ولمثل هذا كرر فقال :﴿تلك الرسل﴾ أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم ﴿فضلنا بعضهم على بعض منهم من﴾ فضله الله بأن كمله الله من غير سفير وهو موسى عليه السلام ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ قيل إن ﴿درجات﴾ نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله :﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾[مريم: ٥٧] أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال : ورفعنا بعضهم رفعات. وأيَّد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع.
واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً أفضل الكل لوجوه منها قوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
[الأنبياء: ١٠٧] ومنها قوله :﴿ورفعنا لك ذكرك﴾[الشرح: ٤] قرن ذكره بذكر محمد ﷺ في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء ؛ ومنها أنه قرن طاعته بطاعته :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾[النساء: ٨٠] وبيعته ببيعته ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾[الفتح: ١٠] وعزته بعزته :﴿ولله العزة ولرسوله﴾[المنافقون: ٨] ورضاه برضاه ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾[التوبة: ٦٢] وأجابته بإجابته ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾[الأنفال: ٢٤] ومحبته بمحبته :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾[آل عمران: ٣١]. ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن تصلح للتحدي فيكون معجزاً برأسه. ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة. ومنها أنه اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقاً فيهم وإليه الإشارة بقوله :﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾[الأنعام: ٩٠] أي أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز أن يكون مأموراً بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق. ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان يتحمَّل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد. ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أُمَّته أفضل :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾[آل عمران: ١١٠] وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل. ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثاً إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة التابعين أثراً قوياً في علو شأن المتبوع. ومنها أن كل نبيٍّ نودي في القرآن فقد نودي باسمه. ﴿يا آدم اسكن﴾[البقرة: ٣٥]، ﴿يا موسى إني أنا الله﴾[القصص: ٣٠]، ﴿وناديناه أن يا إبراهيم﴾[الصافات: ١٤]، ﴿يا عيسى إني متوفِّيك﴾[آل عمران: ٥٥]. وأما النبي ﷺ فإنه نودي بقوله :﴿يا أيها النبي﴾[ الأنفال : ٦٤ وغيرها كثير ]﴿يا أيها الرسول﴾[المائدة: ٤١، ٦٧]، بل أقسم بحياته، ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾[الحجر: ٧٢].
وأما الأحاديث في هذا الباب ؛ فعن ابن عباس قال :" جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه. قال : فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض : عجباً إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلاً واتخذ إبراهيم خليلاً. وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه تكليماً. وقال آخر : ماذا بأعجب من جَعْل عيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر : ماذا بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته. فسلم رسول الله ﷺ على أصحابه وقال :" قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجيّ الله وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر " "
وفي الصحيحين عن جابر قال : قال رسول الله ﷺ :" أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحِلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة " وروى البيهقي في كتابه في فضائل الصحابة " ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي ﷺ " هذا سيد العرب " فقالت عائشة : ألست سيد العرب ؟ فقال :" أنا سيد العالمين وهو سيد العرب ". ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة رئيس القرية. ولما كانت نبوة محمد ﷺ أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أُعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائز المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده.
هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ؛ فآدم جُعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحاً وريحاناً، وأُوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديدُ في يده، وسليمان أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مُسَخرين له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال :" لا تفضلوني على يونس بن متى ". وقال :" لا تخيروا بين الأنبياء ". وقال " لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا " وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها. والجواب أن كون آدم مسجوداً للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد ﷺ بدليل قوله ﷺ :" آدم ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة " وقوله :" كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ". ونُقل أن جبريل عليه السلام أخذ ركاب محمد ﷺ ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود، وأنه تعالى يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرَّة واحدة على أن ذلك السجود أيضاً إنما كان لأجل نور محمد ﷺ الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال :" لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك " ومَنْ تأمَّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كان لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد ﷺ.
وأما قوله :" لا تفضلوني. . . ولا تخيروا "، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب. وأيضاً التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعاً وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور. والحاصل أن التوفيق بين قوله " لا تفضلوني " وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلاً منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء السالفة منعهم عن ذلك، وقال :" أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين ". وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال :" لا تفضلوني " ؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون الشيء حقاً في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف، فالمراد بهذا الأمر : لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله :﴿من كلم الله﴾ التقدير : من كلمه، فحذف العائد وقرئ كلم الله بالنصب وليس بقوي ؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال ﷺ " المصلي يناجي ربه ". وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري : المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة. وقالت المعتزلة : سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال. واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف في أن محمداً ﷺ ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا ؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله :﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾[النجم: ١٠] وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله إبليس حيث قال :﴿أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾[الأعراف: ١٤، ١٥] الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى كلّمة من غير واسطة، فلعلّ الواسطة كانت موجودة. قلت : هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان : مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس :﴿وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين﴾[ص: ٧٨] وكما في أهل النار :﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾[المؤمنون: ١٠٨].
أما قوله :﴿ورفع بعضهم درجات﴾ فقيل : المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح. وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخصّ محمداً ﷺ بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه. هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب. أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه ؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه ؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد ﷺ وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر. وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة. وفيه وجه ثالث وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأُمة والصحابة وقوة الدولة. وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أنّ محمداً ﷺ كان مستجمعاً للكل ؛ فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر، وقيل : المراد بهذه الآية محمد ﷺ لأنه هو المفضَّل على الكل. وإنما قال :﴿ورفع بعضهم درجات﴾ على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيماً فيقال له : من فعل هذا ؟ فيقول : أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويك

تفسير هذه الآية من كتب أخرى