مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ﴿تلك﴾ ابتداء، وإنما قال :﴿تلك﴾ ولم يقل أولئك الرسل، لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾.
المسألة الثانية : في قوله :﴿تلك الرسل﴾ أقوال أحدها : أن المراد منه : من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبيا والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾.
المسألة الثالثة : وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمدا ﷺ من أخبار المتقدمين مع قومهم، كسؤال قوم موسى ﴿أرنا الله جهرة﴾ وقولهم :﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول ﷺ على إيذاء قومه له.
المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدا ﷺ أفضل من الكل، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهيد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك.
الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته، فقال :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ وبيعته ببيعته فقال :﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ وعزته بعزته فقال :﴿ولله العزة ولرسوله﴾ ورضاه برضاه فقال :﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وإجابته بإجابته فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾.
الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفى معجزة وأزيد.
وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى.
الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا ﷺ أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء.
بيان الأول قوله عليه السلام :« القرآن في الكلام كآدم في الموجودات ».
بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك.
الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد ﷺ باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية.
الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال :﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فأمر محمدا ﷺ بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم.
الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر، فوجب أن يكون أفضل، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له، وحينئذ يصير خائفا من الكل، فكانت المشقة عظيمة، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك، مع أنه إنسان واحد، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنيس ولا صديق، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان، أما النبي ﷺ فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ، بل سارع إليها سامعا مطيعا، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق، ولهذا قال تعالى :
﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول ﷺ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام :« أفضل العبادات أحمزها ».
الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد ﷺ أفضل الأنبياء، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام :« من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.
الحجة العاشرة : أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، بيان الأول قوله تعالى :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد ﷺ، قال تعالى :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، وأيضا أن محمدا ﷺ أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع.
الحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.
الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وإروائهم من الماء القليل، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب، وأيضا كان في غاية الشجاعة، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود :" كيف وجدت نفسك يا علي، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك "، الحديث إلى آخره وهو مشهور، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب.
الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام " وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " وقال عليه السلام :" لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي " وروى أنس قال ﷺ :" أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر " وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله ﷺ حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله ﷺ وقال :" قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر ".
الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في «فضائل الصحابة » أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام :" هذا سيد العرب " فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ " فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب "، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام.
الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره.
الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمي
المسألة الأولى : ﴿تلك﴾ ابتداء، وإنما قال :﴿تلك﴾ ولم يقل أولئك الرسل، لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾.
المسألة الثانية : في قوله :﴿تلك الرسل﴾ أقوال أحدها : أن المراد منه : من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبيا والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾.
المسألة الثالثة : وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمدا ﷺ من أخبار المتقدمين مع قومهم، كسؤال قوم موسى ﴿أرنا الله جهرة﴾ وقولهم :﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول ﷺ على إيذاء قومه له.
المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدا ﷺ أفضل من الكل، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.
الحجة الثانية : قوله تعالى :﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهيد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك.
الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته، فقال :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ وبيعته ببيعته فقال :﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ وعزته بعزته فقال :﴿ولله العزة ولرسوله﴾ ورضاه برضاه فقال :﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وإجابته بإجابته فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾.
الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفى معجزة وأزيد.
وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى.
الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا ﷺ أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء.
بيان الأول قوله عليه السلام :« القرآن في الكلام كآدم في الموجودات ».
بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك.
الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد ﷺ باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية.
الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال :﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فأمر محمدا ﷺ بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم.
الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر، فوجب أن يكون أفضل، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له، وحينئذ يصير خائفا من الكل، فكانت المشقة عظيمة، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك، مع أنه إنسان واحد، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنيس ولا صديق، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان، أما النبي ﷺ فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ، بل سارع إليها سامعا مطيعا، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق، ولهذا قال تعالى :
﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول ﷺ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام :« أفضل العبادات أحمزها ».
الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد ﷺ أفضل الأنبياء، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام :« من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.
الحجة العاشرة : أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، بيان الأول قوله تعالى :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد ﷺ، قال تعالى :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، وأيضا أن محمدا ﷺ أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع.
الحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.
الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وإروائهم من الماء القليل، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب، وأيضا كان في غاية الشجاعة، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود :" كيف وجدت نفسك يا علي، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك "، الحديث إلى آخره وهو مشهور، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب.
الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام " وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " وقال عليه السلام :" لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي " وروى أنس قال ﷺ :" أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر " وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله ﷺ حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله ﷺ وقال :" قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر ".
الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في «فضائل الصحابة » أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام :" هذا سيد العرب " فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ " فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب "، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام.
الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره.
الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمي