تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( الله لا إله إلا هو ) ذكره مبالغة في الثناء، وهو مثل قولهم : لا كريم إلا فلان. أبلغ من قولهم : فلان كريم.
وقوله :( الحي القيوم ) قرأ عمر :" القَيَّام ". وقرأ علقمة :" القَيِّم " والمعروف :( القيوم ). فالحي هو الباقي الدائم على الأبد، وهو من الحياة.
والحياة : صفة الله تعالى وأما القيوم : قيل : هو القائم على كل أحد بتدبيره في الدنيا. وقيل : هو القائم على كل نفس بما كسبت للمجازاة في الآخرة.
وقيل : هو القائم بالأمور.
وقوله :( لا تأخذه سنة ولا نوم ) قال المفضل الضبي : السِّنة في الرأس، والنوم في القلب، فالسنة أول النوم، وهو النعاس.
ومنهم من فرق بين السِّنة والنُّعاس، فقال : السِّنة في الرأس والنعاس في العين، والنوم في القلب.
والنوم : غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع من المعرفة بالأشياء.
وفي الأخبار أن «موسى عليه السلام قال يا رب ألك نوم ؟ فأوحى الله إليه يا موسى انظر ما تقول، خذ قارورتين فأخذهما بيديه فألقى الله عليه النوم، فوقعت إحداهما على الأخرى وانكسرتا، قال الله تعالى : لو كان لي نوم ما قامت سماء ولا أرض »(١).
وقوله :( له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) لأنهم زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون لهم فقال :( من ذا الذي ) يمكنه الشفاعة إلا برضاه.
وقوله :( يعلم ما بين أيديهم ) يعني : الآخرة ( وما خلفهم ) يعني : الدنيا، وقيل :( ما بين أيديهم ) ما قدموا( وما خلفهم ) ما خلفوا.
وقوله :( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) الإحاطة : العلم بالشيء بجميع جهاته وأنواعه، ومعناه : ولا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء، يعني : إلا بما أخبر به الرسل، وهو مثل قوله في سورة الجن :( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) (٢).
وقوله :( وسع كرسيه السماوات والأرض ) قرأ يعقوب الحضرمي :«وسع كرسيه السماوات والأرض » والمعروف هو الأول.
واختلفوا في الكرسي، قال الحسن : هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة : الكرسي موضوع قدام العرش. ومعنى قوله :( وسع كرسيه السماوات والأرض ) أي : سعته مثل سعة السماوات والأرض وأوسع منه، وهو ظاهر في قراءة الحضرمي، وفي الأخبار«أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة »(٣).
وفي رواية عطاء عن ابن عباس : أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كدراهم سبعة على الترس. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أنه أراد بالكرسي علمه. ومثله قول الشاعر :
مالي بأمرك كرسي أكاتمهولا بكرسي علم الله مخلوقه
ومعناه : العلم. وقيل : هو ملكه وسلطانه. قال الزجاج : وفي الجملة هو أمر عظيم يدل على كمال قدرته.
وقوله :( ولا يؤده حفظهما ) قيل : هو راجع إلى الله تعالى. يعني : ولا يَثْقُل عليه حفظ السماوات والأرض.
وقيل : هو راجع إلى الكرسي، وقيل على هذا : إن الكرسي تحت الأرض كالعرش فوق السماوات، والسماوات والأرض على الكرسي. وقيل : معلقة بالكرسي.
( ولا يؤده ) أي : لا يثقل على الكرسي حفظ السماوات والأرض.
( وهو العلي العظيم ) يعني بالعلى : المتعالي عن الأشياء والأنداد.
وقيل : العلى بالملك والسلطنة. والعظيم : الكبير.
وقد ورد في فضل آية الكرسي أخبار منها :
ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي بن كعب :«أي أعظم في القرآن ؟ فقال : آية الكرسي. فقال عليه السلام : لِيَهْنِئْكَ العلمُ أبا المنذر »(٤).
١ - رواه الطبراني(٣/٢) وأبو يعلى (١٢/٢١ رقم ٦٦٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٦٨-٦٩)، والخطيب في تاريخه (١/٢٦٨) وابن الجوزي في العلل (١/٣٩-٤٠ رقم ٢٢، ٢٣)، كلهم من حديث أبي هريرة، قال ابن الجوزي: لا يثبت هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلط من رفعه. وقال الذهبي في الميزان (١/٢٧٦): حديث منكر... ، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنما روى أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك..
٢ - الجن: ٢٦-٢٧..
٣ - رواه الطبري في تفسيره ٣/٧-٨، وأبو الشيخ في العظمة ص: ٨٦ رقم ٢٢٢، وص: ١٠١ رقم ٢٦١. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١٠-٥١١) وابن مردويه في تفسيره – كما في تفسير ابن كثير – (١/٣٠٩-٣١٠) من حديث أبي ذر مرفوعاً..
٤ - رواه مسلم في صحيحه (٦/١٣٥ رقم ٨١٠)، وأبو داود (٢/٧٢ رقم ١٤٦٠)، وأحمد (٥/١٤٢)، والحاكم (٣/٣٠٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى