اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلم أنَّ عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أن يذكر علم التَّوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، فإنَّ الإنسان إذا بقي في النَّوع الواحد، كان يوجب بعض الملال فإذا انتقل من نوع إلى نوع آخر، كان كأنَّه انشرح صدره، وفرح قلبه، فكأنه سافر من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وانتقل من بستان إلى بستان آخر، أو من تناول طعام لذيذ إلى تناول طعام آخر، ولا شكّ أنه يكون ألذَّ، وأشهى، فلمَّا تقدَّم من علم الأحكام وعلم القصص ما رآه مصلحة، ذكر الآن ما يتعلَّق بالتَّوحيد.
قوله تعالى :﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ وهو مرفوعٌ محمولٌ على المعنى، أي : ما إله إلاَّ هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلاَّ إيَّاه، نصب على الاستثناء.
وقيل :" اللهُ " مبتدأٌ، و " لاَ إِلَهَ " مبتدأ ثان، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود.
و " الْحَيُّ " فيه سبعة أوجه :
أحدها : أن يكون خبراً ثانياً للجلالة.
الثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي : هو الحيُّ.
الثالث : بدل من موضع :" لا إِله إِلاَّ الله هو " فيكون في المعنى خبراً للجلالة، وهذا في المعنى كالأول، إلا أنَّه هنا لم يخبر عن الجلالة إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلاف الأول.
الرابع : أن يكون بدلاً من " هُوَ " وحده، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، لأنَّ جملة النَّفي خبرٌ عن الجلالة، وإذا جعلته بدلاً حلَّ محلَّ الأول، فيصير التقدير : الله لا إله إلا الله.
الخامس : أن يكون مبتدأٌ وخبره ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾.
السادس : أنه بدلٌ من " اللهِ ".
السابع : أنه صفة لله، وهو أجودها، لأنه قرئ(١) بنصب " الحيَّ القَيُّومَ " على القطع، والقطع إنَّما هو في باب النَّعت، ولا يقال في هذا الوجه الفصل بين الصِّفة والموصوف بالخبر، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [ تقول : زيدٌ قائمٌ العاقلُ ].
و " الْحَيُّ " فيه قولان :
أحدهما : أن أصله حييٌ بياءين من حيي يحيا فهو حيٌّ، وإليه ذهب أبو البقاء(٢).
والثاني : أنَّ أصله حيوٌ فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها متطرِّفة، وهذا لا حاجة إليه، وكأنَّ الذي أحوج هذا القائل إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كون العين، واللام من واد واحدٍ هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى عدم ذلك فيه، ولذلك كتبوا " الحَيَاةَ " بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده " الحَيَوَانُ " لظهور الواو فيه. ولناصر القول الأول أن يقول : قلبت الياء الثانية واواً تخفيفاً ؛ لأنَّه لمَّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثقل المثلان.
وفي وزنه أيضاً قولان :
أحدهما : أنه فعل.
والثاني : أنَّه فيعل فخُفِّف، كما قالوا ميْت، وهيْن، والأصل : هيّن وميّت.
قال السُّدِّيُّ المراد ب " الحَيّ " الباقي ؛ قال لبيدٌ :[ الطويل ]
وقال قتادة : والحيُّ الذي لا يموتُ(٤) والحيُّ اسمٌ من أسمائه الحسنى، ويقال إنه اسم الله الأعظم.
وقيل إنَّ عيسى ابن مريم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ(٥) ".
ويقال : إنَّ آصف بن برخيا، لمَّا أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - دعا بقوله :" يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ " (٦).
ويقال إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم " أيا هيا شراهيا " يعني " يا حي يا قيوم "، ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يا حي يا قيوم وعن علي - رضي الله عنه - لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبي ﷺ فإذا هو ساجدٌ يقول " يَا حَيُّ يَا قيُّومُ "، فترددت مرات، وهو على حاله لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له(٧).
وهذا يدلُّ على عظمة هذا الاسم.
والقيُّوم : فيعولٌ من : قام بالأمر يقوم به، إذا دبَّره ؛ قال أميَّة :[ الرجز ]
إلاَّ لأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ(٨) ***. . .
وأصله " قَيْوُومٌ "، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيُّوماً.
وقرأ ابن مسعود(٩) والأعمش ويروى عن عمر :" الحَيُّ القَيَّام "، وقرأ علقمة(١٠) :" القَيِّم " وهذا كما يقولون : ديُّور، وديار، وديِّر. ولا يجوز أن يكون وزنه فعُّولاً ك " سَفُّود " إذ لو كان كذلك ؛ لكان لفظه قوُّوماً ؛ لأنَّ العين المضاعفة أبداً من جنس الأصليَّة كسُبُّوح، وقُدُّوس، وضرَّاب، وقتَّال، فالزَّائد من جنس العين، فلمَّا جاء بالياء دون الواو ؛ علمنا أنَّ أصله فيعول، لا فعُّول، وعدَّ بعضهم فيعولاً من صيغ المبالغة كضروبٍ، وضرَّاب.
قال بعضهم : هذه اللَّفظة عبريَّة ؛ لأنَّهم يقولون " حياً قياماً "، وليس الأمر كذلك ؛ لأنا قد بيَّنا أن له وجهاً صحيحاً في اللُّغة.
اعلم أنَّ تفسير الجلالة قد تقدَّم في أوَّل الكتاب، والإله ؛ قال بعضهم : هو المعبود(١١)، وهو خطأ من وجهين :
الأول : أنه تبارك وتعالى كان إلهاً في الأزل، وما كان معبوداً.
الثاني : أنَّه تعالى أثبت معبوداً سواه في قوله :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
قال ابن الخطيب رحمه الله : وإنما " الإله " هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة، وأما " الحيُّ " قال المتكلِّمون : هو كلُّ ذاتٍ يصحُّ أن يعلم، ويقدر، واختلفوا في أنَّ هذا المفهوم صفةٌ وجوديَّةٌ أم لا، فقال بعضهم : إنَّه عبارةٌ عن كون الشَّيء بحيث لا يمتنع أنَّه يعلمُ ويقدرُ، وعدم الامتناع صفةٌ موجودة، أم لا ؟
قال المحقِّقون : لما كانت الحياة عبارةٌ عن عدم الامتناع، وقد ثبت أنَّ الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً ؛ لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً، وهو محالٌ، وإذا ثبت أنَّ الامتناع عدمٌ وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، وثبت أنَّ عدم العدم : وجودٌ، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة، وهو المطلوب.
قال ابن الخطيب(١٢) - رحمه الله تعالى - : ولقائل أن يقول لمّا كان الحيّ أنَّه الذي يصحّ أن يعلم، ويقدر، وهذا القدر حاصلٌ لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات.
والذي عندي في هذا الباب : أنَّ الحيَّ عبارةٌ عن الكامل في نفسه، ولما لم يكن كذلك مقيداً بأنه كاملٌ في هذا دون ذاك دلّ على أنه كاملٌ على الإطلاق.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه كان يقول : أعظم أسماء الله تعالى " الحيّ القيوم ".
روي أنَّه -عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود يَومَ بَدْرٍ.
والقيوم ؛ قال مجاهدٌ : القائم على كلِّ شيءٍ(١٣) وتأويله قائمٌ بتدبير الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم.
وقال الكلبيُّ : القائم على كلّ نفس بما كسبت(١٤).
وقال الضحاك : القيُّوم الدَّائم الوجود(١٥) الذي يمتنع عليه التغيير.
وقيل : القيُّوم الذي لا ينام، وهذا القول بعيد ؛ لأنه يصير قوله تعالى ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ تكراراً.
وقال أبو عبيدة(١٦) : القيُّوم الذي لا يزول.
قوله :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ في هذه الجملة خمسة أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ رفع خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحد أوجه رفع الحيّ.
الثاني : أنَّها خبرٌ عن الله تعالى عند من يجيز تعدُّد الخبر.
الثالث : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في " القَيُّومِ " كأنَّه قيل : يقوم بأمر الخلق غير غافل، قاله أبو البقاء(١٧) رحمه الله تعالى.
الرابع : أنها استئناف إخبارٍ، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة بذلك.
الخامس : أنها تأكيد للقيُّوم ؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوماً، قاله الزَّمخشريُّ، فعلى قوله إنَّها تأكيدٌ يجوز أن يكون محلُّها النصب على الحال المؤكَّدة، ويجوز أن تكون استئنافاً، وفيها معنى التأكيد، فتصير الأوجه أربعةً.
والسِّنة : النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النَّوم من الفتور ؛ قال عديّ بن الرقاع :[ الكامل ]
وهي مصدر وسن يَسِنُ ؛ مثل : وَعَد، يَعِد، وقد تقدَّم علة الحذف عند قوله
﴿سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
فإن قيل : إذا كانت السِّنة عبارةً عن مقدِّمة النَّوم، فقوله تعالى :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ يدلُّ على أنَّه لا يأخذه نومٌ بطريق الأولى، فيكون ذكر النَّوم تكراراً.
فالجواب : تقدير الآية : لا تأخذه سنة، فضلاً عن أن يأخذه نومٌ.
وقيل هذا من باب التكميل.
وقال ابن زيد :" الوَسْنَانُ : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّومِ وهو لا يَعْقِلُ ؛ حَتَّى إنَّه رُبَّمَا جَرَّدَ السَّيْفَ على أهْلِهِ "، وهذا القول ليس بشيء، لأنَّه لاَ يفهم من لغة العرب ذلك، وقال المفضَّل :" السِّنَةُ : ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعَاسُ في العَيْنَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ ".
وكُرّرت " لاَ " في قوله تعالى :" وَلاَ نَوْمٌ " تأكيداً، وفائدتها انتفاء كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تذكر لاحتمل نفيهما بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه نفيُ كلِّ واحدٍ منهما على حدته، ولذلك تقول :" مَا قَامَ زيدٌ، وعمرو، بل أحدهما "، [ ولو قلت :" مَا قَامَ زيدٌ وَلاَ عمْرو، بل أحدهما " ] لم يصحَّ.
والوسنان : بين النَّائم، واليقظان، والنَّوم : هو الثَّقيل المزيل للقوَّة والعقل.
وقيل السِّنة : أوَّل النَّوم، وهو النُّعاس، والنَّوم : غشيةُ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء.
قيل : إنَّ النَّوم عبارةٌ عن ريح تخرج من أعصاب الدِّماغ فإذا وصلت العينين، حصل النُّعاس، وإذا وصلت إلى القلب، حصل النوم.
والمعنى : لا يغفل عن شيءٍ دقيقٍ، ولا جليلٍ، فعبَّر بذلك عن الغفلة، لأنه سببها، فأطلق اسم السَّبب على مسببه.
نفى الله - تعالى - عن نفسه النَّوم، لأنَّه آفةٌ وهو منزَّهٌ عن الآفات ؛ ولأنَّهُ تغيُّرٌ، ولا يجوز عليه التَّغيُّر.
عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال :" إنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ بَالْقِسْطِ، ويَرْفَعُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ(١٩) ".
يروى عن رسول الله ﷺ أنه حكى عن موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّه وقع في نفسه هل ينام الله تعالى ! فأرسل إليه ملكاً فأرَّقه ثلاثاً، ثمّ
قوله تعالى :﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ وهو مرفوعٌ محمولٌ على المعنى، أي : ما إله إلاَّ هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلاَّ إيَّاه، نصب على الاستثناء.
وقيل :" اللهُ " مبتدأٌ، و " لاَ إِلَهَ " مبتدأ ثان، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود.
و " الْحَيُّ " فيه سبعة أوجه :
أحدها : أن يكون خبراً ثانياً للجلالة.
الثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي : هو الحيُّ.
الثالث : بدل من موضع :" لا إِله إِلاَّ الله هو " فيكون في المعنى خبراً للجلالة، وهذا في المعنى كالأول، إلا أنَّه هنا لم يخبر عن الجلالة إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلاف الأول.
الرابع : أن يكون بدلاً من " هُوَ " وحده، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، لأنَّ جملة النَّفي خبرٌ عن الجلالة، وإذا جعلته بدلاً حلَّ محلَّ الأول، فيصير التقدير : الله لا إله إلا الله.
الخامس : أن يكون مبتدأٌ وخبره ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾.
السادس : أنه بدلٌ من " اللهِ ".
السابع : أنه صفة لله، وهو أجودها، لأنه قرئ(١) بنصب " الحيَّ القَيُّومَ " على القطع، والقطع إنَّما هو في باب النَّعت، ولا يقال في هذا الوجه الفصل بين الصِّفة والموصوف بالخبر، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [ تقول : زيدٌ قائمٌ العاقلُ ].
و " الْحَيُّ " فيه قولان :
أحدهما : أن أصله حييٌ بياءين من حيي يحيا فهو حيٌّ، وإليه ذهب أبو البقاء(٢).
والثاني : أنَّ أصله حيوٌ فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها متطرِّفة، وهذا لا حاجة إليه، وكأنَّ الذي أحوج هذا القائل إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كون العين، واللام من واد واحدٍ هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى عدم ذلك فيه، ولذلك كتبوا " الحَيَاةَ " بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده " الحَيَوَانُ " لظهور الواو فيه. ولناصر القول الأول أن يقول : قلبت الياء الثانية واواً تخفيفاً ؛ لأنَّه لمَّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثقل المثلان.
وفي وزنه أيضاً قولان :
أحدهما : أنه فعل.
والثاني : أنَّه فيعل فخُفِّف، كما قالوا ميْت، وهيْن، والأصل : هيّن وميّت.
قال السُّدِّيُّ المراد ب " الحَيّ " الباقي ؛ قال لبيدٌ :[ الطويل ]
| فَإِمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِماً | فَلَسْتُ بِأَحْيَا مِنْ كِلاَبٍ وَجَعْفَرِ(٣) |
وقيل إنَّ عيسى ابن مريم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ(٥) ".
ويقال : إنَّ آصف بن برخيا، لمَّا أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - دعا بقوله :" يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ " (٦).
ويقال إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم " أيا هيا شراهيا " يعني " يا حي يا قيوم "، ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يا حي يا قيوم وعن علي - رضي الله عنه - لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبي ﷺ فإذا هو ساجدٌ يقول " يَا حَيُّ يَا قيُّومُ "، فترددت مرات، وهو على حاله لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له(٧).
وهذا يدلُّ على عظمة هذا الاسم.
والقيُّوم : فيعولٌ من : قام بالأمر يقوم به، إذا دبَّره ؛ قال أميَّة :[ الرجز ]
| لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ والنُّجُومُ | وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَعُومُ |
| قَدَّرَهُ مُهَيْمِنٌ قَيُّومُ | وَالحَشْرُ وَالجَنَّةُ والنَّعِيمُ |
وأصله " قَيْوُومٌ "، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيُّوماً.
وقرأ ابن مسعود(٩) والأعمش ويروى عن عمر :" الحَيُّ القَيَّام "، وقرأ علقمة(١٠) :" القَيِّم " وهذا كما يقولون : ديُّور، وديار، وديِّر. ولا يجوز أن يكون وزنه فعُّولاً ك " سَفُّود " إذ لو كان كذلك ؛ لكان لفظه قوُّوماً ؛ لأنَّ العين المضاعفة أبداً من جنس الأصليَّة كسُبُّوح، وقُدُّوس، وضرَّاب، وقتَّال، فالزَّائد من جنس العين، فلمَّا جاء بالياء دون الواو ؛ علمنا أنَّ أصله فيعول، لا فعُّول، وعدَّ بعضهم فيعولاً من صيغ المبالغة كضروبٍ، وضرَّاب.
قال بعضهم : هذه اللَّفظة عبريَّة ؛ لأنَّهم يقولون " حياً قياماً "، وليس الأمر كذلك ؛ لأنا قد بيَّنا أن له وجهاً صحيحاً في اللُّغة.
فصل
اعلم أنَّ تفسير الجلالة قد تقدَّم في أوَّل الكتاب، والإله ؛ قال بعضهم : هو المعبود(١١)، وهو خطأ من وجهين :
الأول : أنه تبارك وتعالى كان إلهاً في الأزل، وما كان معبوداً.
الثاني : أنَّه تعالى أثبت معبوداً سواه في قوله :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
قال ابن الخطيب رحمه الله : وإنما " الإله " هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة، وأما " الحيُّ " قال المتكلِّمون : هو كلُّ ذاتٍ يصحُّ أن يعلم، ويقدر، واختلفوا في أنَّ هذا المفهوم صفةٌ وجوديَّةٌ أم لا، فقال بعضهم : إنَّه عبارةٌ عن كون الشَّيء بحيث لا يمتنع أنَّه يعلمُ ويقدرُ، وعدم الامتناع صفةٌ موجودة، أم لا ؟
قال المحقِّقون : لما كانت الحياة عبارةٌ عن عدم الامتناع، وقد ثبت أنَّ الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً ؛ لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً، وهو محالٌ، وإذا ثبت أنَّ الامتناع عدمٌ وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، وثبت أنَّ عدم العدم : وجودٌ، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة، وهو المطلوب.
قال ابن الخطيب(١٢) - رحمه الله تعالى - : ولقائل أن يقول لمّا كان الحيّ أنَّه الذي يصحّ أن يعلم، ويقدر، وهذا القدر حاصلٌ لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات.
والذي عندي في هذا الباب : أنَّ الحيَّ عبارةٌ عن الكامل في نفسه، ولما لم يكن كذلك مقيداً بأنه كاملٌ في هذا دون ذاك دلّ على أنه كاملٌ على الإطلاق.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه كان يقول : أعظم أسماء الله تعالى " الحيّ القيوم ".
روي أنَّه -عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود يَومَ بَدْرٍ.
والقيوم ؛ قال مجاهدٌ : القائم على كلِّ شيءٍ(١٣) وتأويله قائمٌ بتدبير الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم.
وقال الكلبيُّ : القائم على كلّ نفس بما كسبت(١٤).
وقال الضحاك : القيُّوم الدَّائم الوجود(١٥) الذي يمتنع عليه التغيير.
وقيل : القيُّوم الذي لا ينام، وهذا القول بعيد ؛ لأنه يصير قوله تعالى ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ تكراراً.
وقال أبو عبيدة(١٦) : القيُّوم الذي لا يزول.
قوله :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ في هذه الجملة خمسة أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ رفع خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحد أوجه رفع الحيّ.
الثاني : أنَّها خبرٌ عن الله تعالى عند من يجيز تعدُّد الخبر.
الثالث : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في " القَيُّومِ " كأنَّه قيل : يقوم بأمر الخلق غير غافل، قاله أبو البقاء(١٧) رحمه الله تعالى.
الرابع : أنها استئناف إخبارٍ، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة بذلك.
الخامس : أنها تأكيد للقيُّوم ؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوماً، قاله الزَّمخشريُّ، فعلى قوله إنَّها تأكيدٌ يجوز أن يكون محلُّها النصب على الحال المؤكَّدة، ويجوز أن تكون استئنافاً، وفيها معنى التأكيد، فتصير الأوجه أربعةً.
والسِّنة : النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النَّوم من الفتور ؛ قال عديّ بن الرقاع :[ الكامل ]
| وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ | في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ(١٨) |
﴿سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
فإن قيل : إذا كانت السِّنة عبارةً عن مقدِّمة النَّوم، فقوله تعالى :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ يدلُّ على أنَّه لا يأخذه نومٌ بطريق الأولى، فيكون ذكر النَّوم تكراراً.
فالجواب : تقدير الآية : لا تأخذه سنة، فضلاً عن أن يأخذه نومٌ.
وقيل هذا من باب التكميل.
وقال ابن زيد :" الوَسْنَانُ : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّومِ وهو لا يَعْقِلُ ؛ حَتَّى إنَّه رُبَّمَا جَرَّدَ السَّيْفَ على أهْلِهِ "، وهذا القول ليس بشيء، لأنَّه لاَ يفهم من لغة العرب ذلك، وقال المفضَّل :" السِّنَةُ : ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعَاسُ في العَيْنَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ ".
وكُرّرت " لاَ " في قوله تعالى :" وَلاَ نَوْمٌ " تأكيداً، وفائدتها انتفاء كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تذكر لاحتمل نفيهما بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه نفيُ كلِّ واحدٍ منهما على حدته، ولذلك تقول :" مَا قَامَ زيدٌ، وعمرو، بل أحدهما "، [ ولو قلت :" مَا قَامَ زيدٌ وَلاَ عمْرو، بل أحدهما " ] لم يصحَّ.
فصل في تفسير " الوَسْنَانِ "
والوسنان : بين النَّائم، واليقظان، والنَّوم : هو الثَّقيل المزيل للقوَّة والعقل.
وقيل السِّنة : أوَّل النَّوم، وهو النُّعاس، والنَّوم : غشيةُ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء.
قيل : إنَّ النَّوم عبارةٌ عن ريح تخرج من أعصاب الدِّماغ فإذا وصلت العينين، حصل النُّعاس، وإذا وصلت إلى القلب، حصل النوم.
فصل
والمعنى : لا يغفل عن شيءٍ دقيقٍ، ولا جليلٍ، فعبَّر بذلك عن الغفلة، لأنه سببها، فأطلق اسم السَّبب على مسببه.
نفى الله - تعالى - عن نفسه النَّوم، لأنَّه آفةٌ وهو منزَّهٌ عن الآفات ؛ ولأنَّهُ تغيُّرٌ، ولا يجوز عليه التَّغيُّر.
عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال :" إنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ بَالْقِسْطِ، ويَرْفَعُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ(١٩) ".
يروى عن رسول الله ﷺ أنه حكى عن موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّه وقع في نفسه هل ينام الله تعالى ! فأرسل إليه ملكاً فأرَّقه ثلاثاً، ثمّ
١ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المصون ١/٦١٢، وقال القرطبي ٣/١٧٦: "ويجوز في غير القرآن النصب على المدح"..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
٣ - ينظر: ديوانه ص ٤٧، القرطبي ٣/١٧٧..
٤ - أخرجه الطبري (٥/ ٣٨٧) عن الربيع بمعناه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥، ٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن الربيع..
٥ - حكاه القرطبي في "تفسيره" الجامع لأحكام القرآن (٣/١٧٦)..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٤٩) والخبر ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/١٧) وذكره أيضا ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٦٧)..
٨ - ينظر: ديوانه (٥٧) الطبري ٥/٣٨٨، القرطبي ٣/٢٧١، البحر ٢/٢٨٧، الدر المصون ١/٦١٣..
٩ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٠، والبحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المون ١/٦١٣..
١٠ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المصون ١/٦١٣..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧..
١٢ - ينظر: المصدر السابق..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٨) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧٩) وزاد نسبته لآدم بن أبي إياس والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن مجاهد..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٩) عن الضحاك وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٢/٢٨٧)..
١٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
١٨ - ينظر: الحماسة الشجرية ٢/٦٨٢، البحر ٢/٢٨١؛ تهذيب اللغة ٢/١٠٥، الزمخشري ١/٣٠٠، اللسان نعس، الدر المصون ١/٦١٣..
١٩ - أخرجه مسلم كتاب الإيمان (٢٩٤، ٢٩٥) وابن ماجه (١٩٥) وأحمد (٤/٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥) والطيالسي (٦-منحة) والبغوي في "شرح السنة" (١/١٧٣) وفي "تفسيره" (١/٢٦٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧٢)..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
٣ - ينظر: ديوانه ص ٤٧، القرطبي ٣/١٧٧..
٤ - أخرجه الطبري (٥/ ٣٨٧) عن الربيع بمعناه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥، ٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن الربيع..
٥ - حكاه القرطبي في "تفسيره" الجامع لأحكام القرآن (٣/١٧٦)..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٤٩) والخبر ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/١٧) وذكره أيضا ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٦٧)..
٨ - ينظر: ديوانه (٥٧) الطبري ٥/٣٨٨، القرطبي ٣/٢٧١، البحر ٢/٢٨٧، الدر المصون ١/٦١٣..
٩ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٠، والبحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المون ١/٦١٣..
١٠ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المصون ١/٦١٣..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧..
١٢ - ينظر: المصدر السابق..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٨) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧٩) وزاد نسبته لآدم بن أبي إياس والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن مجاهد..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٩) عن الضحاك وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٢/٢٨٧)..
١٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
١٨ - ينظر: الحماسة الشجرية ٢/٦٨٢، البحر ٢/٢٨١؛ تهذيب اللغة ٢/١٠٥، الزمخشري ١/٣٠٠، اللسان نعس، الدر المصون ١/٦١٣..
١٩ - أخرجه مسلم كتاب الإيمان (٢٩٤، ٢٩٥) وابن ماجه (١٩٥) وأحمد (٤/٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥) والطيالسي (٦-منحة) والبغوي في "شرح السنة" (١/١٧٣) وفي "تفسيره" (١/٢٦٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧٢)..