تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
لما ذكر هول يوم القيامة وذكر حال الكافرين استأنف بذكر تمجيد الله تعلى وذكر صفاته إبطالاً لكفر الكافرين وقطعاً لرجائهم، لأنّ فيها ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، وجعلت هذه الآية ابتداءً لآيات تقرير الوحدانية والبعث، وأودعت هذه الآية العظيمة هنا لأنّها كالبرزخ بين الأغراض السابقة واللاّحقة.
وجيء باسم الذات هنا لأنّه طريق في الدلالة على المسمى المنفرد بهذا الاسم، فإنّ العَلَم أعْرَفُ المَعارف لعدم احتياجه في الدلالة على مسمّاه إلى قرينة أو مَعُونة لولا احتمالُ تعدد التسمية، فلما انتفى هذا الاحتمالُ في اسم الجلالة كان أعرفَ المعارف لا مَحالةً لاستغنائه عن القرائن والمعونات، فالقرائنُ كالتكلّم والخطاب، والمعونات كالمَعاد والإشارةِ باليدِ والصلةِ وسبقِ العهد والإضافة.
وجملة « لا إله إلاَّ هو » خبر أول عن اسم الجلالة، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية وقد تقدم الكلام على دلالة لا إله إلاّ هو على التوحيد ونفي الآلهة عند قوله تعالى :﴿وإلهكم إله واحد إلاّ هو﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقوله :﴿الحي﴾ خبر لمبتدأ محذوف، و ﴿القيّوم﴾ خبر ثان لذلك المبتدإ المحذوف، والمقصودُ إثبات الحياة وإبطالُ استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة، عنهم كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿يا أبت لِمَ تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصر﴾ [مريم: ٤٢] وفُصِلت هذه الجملة عن التي قبلها للدلالة على استقلالها لأنّها لو عطفت لكانت كالتبع، وظاهر كلام الكشاف أنّ هذه الجملة مبيّنة لما تضمّنته جملة ﴿الله لا إله إلا هو﴾ من أنّه القائم بتدبير الخلق، أي لأنّ اختصاصه بالإلهية يقتضي أن لا مدبّر غيره، فلذلك فصلت خلافاً لما قرر به التفتازاني كلامَه فإنّه غير ملائم لعبارته.
والحيّ في كلام العرب من قامت به الحياة، وهي صفة بها الإدراكُ والتصرّفُ، أعني كمال الوجود المتعارف، فهي في المخلوقات بانبثاث الروح واستقامة جريان الدم في الشرايين، وبالنسبة إلى الخالق ما يقاربُ أثَر صفة الحياة فينا، أعني انتفاء الجَمَادِيَّة مع التنزيه عن عوارض المخلوقات. وفسّرها المتكلّمون بأنها « صفة تصحّح لمن قامت به الإدراكَ والفعل ».
وفسّر صاحب « الكشاف » الحيّ بالباقي، أي الدائم الحياة بحيث لا يعتريه العدم، فيكون مستعملاً كناية في لازم معناه لأنّ إثباتَ الحياة لله تعالى بغير هذا المعنى لا يكون إلاَّ مجازاً أو كناية. وقال الفخر :« الذي عندي أنّ الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن صحة العلم والقدرة. بل عبار عن كمال الشيء في جنسه، قال تعالى :﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ [الجاثية: ٥]، وحياة الأشجار إيراقها. فالصفة المسمّاة في عرف المتكلّمين بالحياة سمّيت بذلك لأنّ كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بها، فالمفهوم الأصلي من لفظ الحيّ كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته ».
والمقصود بوصف الله هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جماداً.
والحيّ صفة مشبهة من حيِيَ، أصله حَيِيٌ كحَذِرٍ أدغمت الياءان، وهو يائي باتفاق أئمة اللّغة، وأما كتابة السلف في المصحف كلمة حيوة بواو بعد الياء فمخالفة للقياس، وقيل كتبوها على لغة أهل اليمن لأنّهم يقولون حيوة أي حياة، وقيل كتبوها على لغة تفخيم الفتحة.
والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة، وأصله قَيْوُوم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا، والمراد به المبالغة في القيام المستعملِ مجازاً مشهوراً في تدبير شؤون الناس، قال تعالى :﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. والمقصود إثبات عموم العلم له وكمالِ الحياة وإبطالُ إلاهية أصنام المشركين، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو الله تعالى، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل. والمشركون من اليونان كانوا قد جعلوا لكل إله من آلهتهم أنواعاً من المخلوقات يتصرّف فيها وأمماً من البشر تنتمي إليه ويَحنأ عليها.
وجملة ﴿لا تأخذه سِنة ولا نوم﴾ مُقرّرة لمضمون جملة « الله الحيّ القيوم » ولرفع احتمال المبالغة فيها، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها.
والسِّنة فِعْلة من الوسن، وهو أول النوم، والظاهر أنّ أصلها اسم هيأة كسائر ما جاء على وزن فِعله من الواوي لفاء، وقد قالوا وَسنة بفتح الواو على صيغة المرة. والسنة أول النوم، قال عدي بن الرقاع :
وسنانُ أقْصَدَه النُّعَاس فَرنَّقَتْفي عينه سِنَة وليسَ بنائم
والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصَاب الدماغ من تعب أعمال الأعصاب من تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعملِ العصبي، فيشتدّ عند مغيب الشمس ومجيء الظُلمة فيطلب الدمَاغ والجهاز العصبي الذي يدبّره الدمَاغ استراحةً طبيعية فيغيب الحِسّ شيئاً فشيئاً وتثقل حركة الأعضاء، ثم يغيب الحسّ إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة.
ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم ؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.
ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر، قال أبو كبير :
فأتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّناًسُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجَلِ
والمقصود أنّ الله لا يحجب علمه شيء حجباً ضعيفاً ولا طويلاً ولا غلبة ولا اكتساباً، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس.
وقد أخذ هذا المعنى بشّار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال :
وليلٍ دَجُوجِي تَنَامُ بناتُهوأبناؤه من طُوله(١) ورَبَائِبه
فإنّه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة، وأراد بربائب الليل من هم أضعف منهم سهراً لليلِ لأنّ الربيب أضعف نسبة من الولد والبنت.
وجملة ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.
واللامُ للمِلك. والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند أي لا لِغيره لإفادة الردّ على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة. فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذا بلاغة معجِزة.
وجملة ﴿من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه﴾ مقرّرة لمضمون جملة ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى، بالمطابقة. وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا تردّ بالالتزام، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب، والشفاعة إدلال. وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة، بل قالوا :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وقالوا :﴿ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، فأكّد هذا المدلول بالصريح، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها.
وَ ﴿ذا﴾ مزيدة للتأكيد إذ ليس ثمّ مشار إليه معيَّن، والعرب تزيد ( ذا ) لما تدل عليه الإشارة من وجود شخص معيّن يتعلق به حكم الاستفهام، حتى إذا أظهر عدم وجوده كان ذلك أدلّ على أن ليس ثمّةَ متطلع ينصب نفسه لادّعاء هذا الحكم، وتقدم القول في ( من ذا ) عند قوله تعالى :﴿مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. والاستفهام في قوله :﴿من ذا الذي يشفع عنده﴾ مستعمل في الإنكار والنفي بقرينة الاستثناء مِنه بقوله ﴿إلا بإذنه﴾.
والشفاعة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى :﴿لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة﴾ [البقرة: ٥٤].
والمعنى أنّه لا يشفع عنده أحد بحق وإدلال لأنّ المخلوقات كلها ملكُه، ولكن يشفع عنده من أراد هُو أن يُظهر كرامته عنده فيأذَنَه بأن يشفع فيمن أراد هو العفوَ عنه، كما يُسند إلى الكبراء مناولة المكرمات إلى نبغاء التلامذة في مواكب الامتحان، ولذلك جاء في حديث الشفاعة : أنّ رسول الله ﷺ يأتيه الناس ليكلّم ربّه فيخفّف عنهم هَوْل موقف الحساب، فيأتي حتى يسجد تحت العرش ويتكلم بكلمات يعلّمه الله تعالى إياها، فيقال يا محمدُ ارفع رأسك، سَل تعطَه، واشفَع تشفَّع، فسجوده استيذان في الكلام، ولا يشفع حتى يقال اشفع، وتعليمُه الكلمات مقدّمة للإذن.
وجملة ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي ﴿الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ ولما تضمنّته جملة ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه﴾، فإنّ جملتي ﴿الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر، والله يعمل من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها.
والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم. وأما علمه بما في زمانهم فأحرى. وقيل المستقبل هو ما بين الأيدي والماضي هوالخَلف، وقيل عكس ذلك، وهما استعمالان مبنيان على اختلاف الاعتبار في تمثيل ما بين الأيدي والخلف، لأنّ ما بين أيدي المرء هو أمامَه، فهو يستقبله ويشاهده ويسعى للوصول إليه، وما خلفه هو ما وراء ظهره، فهو قد تخلّف عنه وانقطع ولا يشاهده، وقد تجاوزه ولا يتّصل به بعد وقيل أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهوفرع من الماضي والمستقبل، وقيل المحسوسات والمعقولات. وأياماً كان فاللفظ مجاز، والمقصود عموم العلم بسائرِ الكائنات.
وضمير ﴿أيديهم﴾ و ﴿خلفهم﴾ عائد إلى ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء، أو هو عائد على خصوص ال
١ - كتب في نسخة ديوان بشار << هوله>> بهاء في أوله وطبع كذلك وبدا لي بعد ذلك أنه تحريف وأن الصواب << طوله >> بطاء عوض الهاء لأنه المناسب لقوله: << تنام>>..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى