تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ) قال ابن عباس : أشهد أن السلف المضمون المؤجل في كتاب الله، قد أنزل فيه أطول آية، وتلا هذه الآية. وقوله :( تداينتم بدين ) أي : تعاملتم بالدين، يقال : داينته، إذا عاملته بالدين. فإن قيل : قوله :( تداينتم ) يغني عن المعاملة بالدين، فلم قال : تداينتم بدين ؟ قيل : لأن العرب تقول : تداينا - أي : تعاطينا وتجازينا، وإن لم يكن في الدين ؛ فقال :( تداينتم بدين ) ليعرف المعنى المراد من اللفظ، ويحتمل أنه قاله تأكيدا. ( إلى أجل مسمى ) الأجل : مدة معلومة الأول والآخر، وهذا يشتمل على الأجل في السلم، والأجل في الثمن، والأجل في القرض، ولم يجوز أكثر العلماء الأجل في القرض، وجوزه بعضهم. ( فاكتبوه ). قيل : هو على الوجوب، وهو قول مجاهد. وقال الشعبي : إنما يجب الكتب إذا وجد ممن يكتب، والأصح أنه على الندب. وقال أبو سعيد الخدري : هذا الأمر منسوخ بقوله تعالى :( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته ).
وقوله :( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ). الكتابة بالعدل هو : أن يكتب من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم في الأجل ولا تأخير.
( ولا يأب كاتب أن يكتب ) قيل : الكتابة واجبة على الكتبة لظاهر الآية، والأصح أنه على الندب.
( كما علمه الله فليكتب ) أي : كما شرعه الله، فليكتب.
( وليملل الذي عليه الحق ) الإملال والإملاء بمعنى واحد.
والإملال لغة قريش وبني أسد، والإملاء : لغة قيس وتميم، وهما مذكوران في القرآن. فالإملال ها هنا والإملاء في قوله :( فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) (١). ( وليتق الله ربه ) يعنى المملى ( ولا يبخس منه شيئا )، ولا ينقص من الحق شيئا.
وقوله :( فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ) أما السفيه : قال مجاهد : الجاهل. وقال الزجاج : هو خفيف العقل، ويشتمل هذا على : المرأة، والصغير ونحوه، ومنه قول الشاعر : مشينَ كما اهتزت رماحٌ تسفهت أعاليها مَرُّ الرياحِ النواسمِ
وقيل : السفيه : الصغير ومذهب الشافعي : أنه المبذر المفسد لماله.
وأما الضعيف : هو ضعيف العقل من عته، أو جنون.
( أو لا يستطيع أن يمل هو ) أي : لا يقدر على الإملال من خرس، أو عمى.
( فليملل وليه بالعدل ) يعنى : ولىّ هؤلاء.
أما من لم يجوز الحجر على السفيه - كالنخعي، وابن سرين، وغيرهما - قالوا : أراد بالولى : صاحب الحق، يعني : إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل الذي له الحق.
( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) أي : وأشهدوا.
( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) يعني : فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان.
( ممن ترضون من الشهداء ) وهم أهل الفضل والدين، قاله ابن عباس.
( أن تضل إحداهما ) أن تنسى وتغفل إحداهما، وذلك بأن يغيب حفظها عن الشهادة، أو تغيب الشهادة عن الحفظ. ( فتذكر إحداهما الأخرى ) وذلك بأن تقول : ألسنا حضرنا مجلس كذا ؟ ألم نسمع كيت وكيت ؟
وقرأ حمزة :«إنْ تضل فتذكرُ إحداهما الأخرى » على الشرط(٢).
قال سفيان بن عيينة : فتذكر إحداهما الأخرى، معناه : تجعل إحداهما الأخرى ذكرا، أي : يقومان مقام الذكر، والأول أصح.
( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) قيل : أراد به : إذا ما دعوا للتحمل، وإنما سماهم شهداء على معنى أنهم يكونوا شهداء. وقيل : هو الدعاء إلى الشهادة.
( ولا تسأموا ) أي : لا تملوا ( أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) يعنى : الذي قل أو كثر.
( ذلكم أقسط عند الله ) أعدل عند الله ( وأقوم للشهادة ) لأن الكتبة تذكر الشهود.
( وأدنى ألا ترتابوا ) أي : أن لا تشكوا ( إلا أن تكون تجارة حاضرة ) قرأ : بضم التاء على اسم كان، وقرأ بفتح التاء، يعني : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثله قول الشاعر :
فِدًى لِبَنِي ذهلِ بنِ شيبانَ ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا(٣)
يعني : إذا كان اليوم يوما.
( تديرونها بينكم ) يعني : إذا كانت التجارة يدا بيد.
( فليس عليكم جناح ألا تكتبوا وأشهدوا إذا تبايعتم ) أمر به استحبابا.
( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) قرأ عمر :«ولا يضارر » وقرأ ابن مسعود " ولا يضارر " والمعروف :( ولا يضار )، وهذا يحتمل أن يكون نهيا للكاتب والشاهد عن الإضرار، ويحتمل أن يكون نهيا للمملى والداعي. فأما إضرار الشهود والكاتب : أن يأبى الكتابة و الشهادة إذا دعي إليها.
وأما الإضرار بالكاتب والشهود : أن يدعوه وهو مشغول، فيمنعه من شغله.
قوله تعالى :( وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) أي : معصية منكم ( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ).
١ - الفرقان: ٥..
٢ - قرأ حمزة: «إن» بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ: "فتذكرُ" بضم الراء، وقرأ الباقون بفتحها.
وقرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد. انظر النشر (٢/٢٣٦-٢٣٧)، وتفسير البغوي (١/٢٦٩)..

٣ - جاء هذا الشطر من البيت في لسان العرب (مادة: شهب) كما يلي:
إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهبُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى