الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ : متعلِّقٌ بتدايَنْتُمْ، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لدَيْن. و " مُسَمَّى " صفةٌ لدَيْن، فيكونُ قد قَدَّم الصفةَ المؤولةَ على الصريحةِ وهو ضعيفٌ، فكان الوجهُ الأولُ أوجَهَ.
و " تَدَايَنَ " تفاعَلَ من الدَّيْن كتبايَعَ من البَيْع، يقال : داينْتُ الرجل أي : عاملْتُه بدَيْنٍ، وسواءً كنت معطياً أم آخذاً، قال رؤبة :
ويقال : دِنْتُ الرجلَ : إذا بِعْتُهُ بدَيْنٍ، وأَدِنْتُه أنا : أَخَذْتُ منه بدَيْن، فَفَرَّقوا بين فَعَل وأَفْعَلَ.
قوله :﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الضميرُ يعودُ على " بدَيْن " وإنما ذَكَرَ قولَه " بدَيْن " ليعيدَ عليه هذا الضميرَ، وإنْ كان الدَّيْن مفهوماً/ من قولِهِ :" تدايَنْتُم "، أو لأنه قد يُقال : تَداينوا أي : جازى بعضُهم بعضاً فقال :" بَدْينٍ " ليُزِيلَ هذا الاشتراكَ، أو ليدُل به على العمومِ، أي : أيِّ دين كان من قليلٍ وكثيرٍ.
وقوله :﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ على سبيلِ التأكيدِ، إذ لا يكونُ الدَّيْن إلاَّ مؤجَّلاً، وألفُ " مُسَمَّى " منقلبةٌ عن ياءٍ، تلك الياءُ منقلبةٌ عن واو، لأنه من التسميةِ، وقد تقدَّم أنَّ المادةَ مِنْ سما يسمو.
قوله :﴿بِالْعَدْلِ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها : أن يكونَ الجارُّ متعلقاً بالفعلِ قبلَه. قال أبو البقاء :" بالعدلِ " متعلِّقٌ بقولِهِ : فَلْيَكْتُبْ، أي : ليكتبْ بالحقِّ، فيجوزُ أَنْ يكونَ حالا أي : ليكتبْ عادِلاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به أي : بسببِ العَدْلِ ". قولُه أولاً :" بالعدلِ متعلِّقٌ بقوله فَلْيَكْتُب " يريدُ التعلقَ المعنويَّ ؛ لأنه قد جَوَّزَ فيه بعدَ ذلك أَنْ يكونَ حالاً، وإذا كانَ حالاً تعلَّقَ بمحذوفٍ لا بنفسِ الفعلِ. وقوله :" ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً " يعني فتتعلَّقُ الباءُ حينئذٍ بنفسِ الفعلِ.
والثاني : أَنْ يتعلَّقَ ب " كاتب ". قال الزمخشري :" متعلَّقٌ بكاتب صفةً له، أي : كاتبٌ مأمونٌ على ما يَكْتب " وهو كما تقدَّم في تأويل قول أبي البقاء. وقال ابنُ عطية :" والباءُ متعلقةٌ بقولِهِ :" وَلْيَكْتُب "، وليْسَتْ متعلقةً بقولِهِ " كاتبٌ " لأنه كان يَلْزَمُ ألاَّ يكتبَ وثيقةً إلا العدلُ في نفسِهِ، وقد يكتُبها الصبيُّ والعبدُ ".
الثالث : أن تكونَ الباءُ زائدةً، تقديرُهُ : فَلْيكتب بينكم كاتبُ العدلِ.
قوله :﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾ مفعولٌ به أي : لا يأبَ الكتابَةَ.
و " كما عَلَّمه الله " يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقولِهِ :" أَنْ يَكْتُبَ " على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميِرِ المصدرِ على رأيِ سيبويه، والتقدير : أَنْ يكتبَ كتابةً مثلَ ما عَلَّمه الله، أو أَنْ يكتبَهُ أي : الكَتْبَ مثلَ ما عَلَّمه الله. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقوله " فَلْيَكْتُبْ " بعدَه.
قال الشيخ :" والظاهرُ تعلُّق الكافِ بقولِهِ :" فَلْيَكْتُب " وهو قَلِقٌ لأجلِ الفاءِ، ولأجلِ أنه لو كانَ متعلِّقاً بقولِهِ :" فَلْيكتب " لكان النظمُ فَلْيكتب كما عَلَّمه الله، ولا يُحتاج إلى تقديمِ ما هو متأخرٌ في المعنى ".
وقال الزمخشري :- بعد أَنْ ذكرَ تعلُّقَهُ بِأَنْ يكتُبَ، و ب " فليكتب " - " فإنْ قلت : أيُّ فرقٍ بين الوجهين ؟ قلت : إنْ عَلَّقْتَه بأَنْ يكتب فقد نَهَى عن الامتناعِ من الكتابةِ المقيَّدةِ، ثم قيل له : فَلْيَكْتُب تلك الكتابةَ لا يَعْدِلُ عنها، وإنْ عَلَّقْته بقوله :" فَلْيكتب " فقد نَهَى عن الامتناعِ بالكتابة على سبيلِ الإِطلاق، ثم أَمَرَ بها مقيدةً " ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بقولِهِ : لا يَأْبَ، وتكونُ الكافُ حينئذٍ للتعليلِ. قالَ ابنُ عطية :" ويُحْتَمل أن يكونَ " كما " متعلقاً بما في قولِه " ولا يأْبَ " من المعنى أي : كما أَنْعَمَ الله عليه بعلمِ الكتابةِ فلا يَأْبَ هو، وَلْيُفْضِل كما أُفْضِلَ عليه ". قال الشيخ :" وهو خلافُ الظاهِرِ، وتكونُ الكافُ في هذا القولِ للتعليلِ " قلت : وعلى القولِ بكونِها متعلقةً بقوله :" فَلْيكتب " يجوزُ أَنْ تكونَ للتعليلِ أيضاً، أي : فلأجلِ ما عَلَّمه اللَّهُ فليكتبْ.
وقرأ العامةُ :" فَلْيكتب " بتسكينِ اللام كقولهم :" كَتْف " في كَتِف، إجراءً للمنفصلِ مُجْرى المتصلِ. وقد قرأَ الحسن بكسرِها وهو الأصلُ.
قوله :﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ أمرٌ من أَمَلَّ يُمِلُّ، فلمَّا سَكَنَ الثاني جزماً جَرى فيه لغتان : الفكُّ وهو لغةُ الحجازِ، والإِدْغامُ وهو لغةُ تميم، وكذا إذا سَكَنَ وقفاً نحو : أملِلْ عليه وأَمِلَّ، وهذا مطَّرِدٌ في كلِّ مضاعفٍ وسيأتي تحقيقُ هذا إنْ شاء الله تعالى عند قراءتَيْ :" مَنْ يَرْتَدِدْ، ويرتدَّ " في المائدةِ وعلَّة كلِّ لغةٍ.
وقُرىء هنا شاذاً :" وَلْيُمِلَّ " بالإِدغامِ، ويقال : أَمَلَّ يُمِلُّ إملالاً، وأَمْلَى يُملي إملاءً. ومِنْ الأولى قولُه :
ومن الثانيةِ قولُه تعالى :﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٥٤]، ويقال : أَمْلَلْتُ وَأَمْلَيْتُ، فقيل : هما لغتانِ، وقيل : الياءُ بدلٌ من أحدِ المِثْلَيْنِ، وأصلُ المادتين : الإِعادةُ مرةً بعد أخرى.
و " الحقُّ " يجوز أَنْ يكونَ مبتدأً، و " عليه " خبرٌ مقدمٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتمادِهِ على الموصولِ، والموصولُ هو فاعِلُ " يملل " ومفعولُه محذوفٌ أي : وَلْيُمْلِلُ الديَّانُ الكتابَ ما عليه من الحقِّ، فَحَذَفَ المفعولين للعلمِ بهما. ويتعدَّى ب " على " إلى أحدِاهما : فيُقال : أَمْلَلْتُ عليه كذا، ومنه الآيةُ الكريمة.
قوله :﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ﴾ يجوزُ في " منه " أن يكونَ متعلقاً بيبخَسْ، و " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ في " منه " للحقِّ. والثاني : أنها متعلقة بمحذوفٍ لأنها في الأصلِ صفةٌ للنكرةِ، فلمَّا قُدِّمَتْ على النكرةِ نُصِبَتْ حالاً.
و " شيئاً " : إمَّا مفعولٌ به وإمَّا مصدرٌ.
والبَخْسُ : النَّقْصُ، يُقال منه : بَخَس زيدٌ عمراً حقَّه يَبْخَسُهُ بَخْسَاً، وأصلُهُ من : بَخَسْتُ عينه، فاستعيرَ منه بَخْسُ الحق، كما قالوا :" عَوَرْتُ حَقَّه " استعارةً مِنْ عَوَرِ العَيْنِ. ويقال : بَخَصْتُه بالصادِ. والتباخُسُ في البَيْعِ : التناقُصُ، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايِعَيْنِ يُنْقِصُ الآخرَ حَقَّه.
قوله :﴿أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ أَن وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً به، أي : لا يستطيعُ الإِملالَ، و " هو " تأكيدٌ للضميرِ المستتر. وفائدةُ التوكيِدِ به رَفْعُ المجازِ الذي كان يحتمِلُه إسنادُ الفعلِ إلى الضميرِ، والتنصيصُ على أنه غيرُ مستطيعٍ بنفسِه، قاله الشيخ.
وقُرىء بإسكان هاء " هو " وهي قراءةٌ ضعيفة لأنَّ هذا الضميرَ كلمةٌ مستقلةٌ منفصلة عما قبلَها. ومَنْ سَكَّنَهَا أجرى المنفصلَ مُجْرى المتصلِ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في أول/ هذه السورة. قال الشيخ :" وهذا أشذُّ مِنْ قراءةِ مَنْ قَرَأَ :﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٦] قلت : فَجَعَلَ هذه القراءةَ شاذةً وهذه أشدَّ منها، وليسَ بجيدٍ، فإنَّها قراءةٌ متواترةٌ قرأ بها نافع بن أبي نُعَيم قارىءُ أهلِ المدينة فيما رواه عنه قالُون، وهو أضبطُ رواتِهِ لحرفِهِ، وقرأ بها الكسائي أيضاً وهو رئيس النحاة.
والهاء في " وَليُّه " للذي عليه الحقُّ إذا كان متَّصفاً بإحدى الصفاتِ الثلاثِ. وقولُه " بالعَدْل " كما تقدَّم في نظيرِهِ فلا حاجةَ إلى إعادتِهِ.
وقوله :﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾ يجوزُ أن تكونَ السينُ على بابِها من الطلب أي : اطلُبوا شهيدَيْن، ويجوزُ أن يكونَ استفعلَ بمعنى أَفْعَلَ، نحو : اسْتَعْجَلَ بمعنى أَعْجَل، واسْتيقن بمعنى أَيْقَنَ وفي قوله :" شهيدين " تنبيهٌ على أنه ينبغي أن يكونَ الشاهدُ ممَّن تتكرَّرُ منه الشهادةُ حيث أتى بصيغةِ المبالغة.
قوله :﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ يجوزُ أن يتعلَّقَ باستشهِدوا، وتكونُ " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لشهيدَيْن و " مِنْ " تبعيضيةٌ.
قوله :﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ جَوَّزُوا في " كان " هذه أَنْ تكونَ الناقصةَ وأَنْ تكونَ التامَةَ، وبالإِعرابين يختلفُ المعنى : فإنْ كانَتْ ناقصةً فالألفُ اسمُها، وهي عائدةٌ على الشهيدَيْن أي : فإن لم يكنِ الشاهدان رَجُلَيْن، والمعنى على هذا : إن أغْفَلَ ذلك صاحبُ الحق أو قصد أَنْ لا يُشْهِدَ رجلين لغرضٍ له، وإنْ كانَتْ تامةً فيكون " رجلين " نصباً على الحال المؤكِّدة كقولِهِ :﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ويكونُ المعنى على هذا أنه لا يُعْدَل إلى ما ذَكَرَ إلا عند عدمِ الرجال. والألفُ في " يكونا " عائدةٌ على " شهيدين "، تفيدُ الرجوليةَ، والتقديرُ : فإنْ لم يُوجَدِ الشهيدان رَجُلَيْن.
قوله :﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ يجوزُ أَنْ يرتفعَ ما بعدَ الفاءِ على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ تقديرُهُ : فرجلٌ وامرأتان يَكْفُون في الشهادةِ، أو مُجْزِئون ونحوُه.
وقيل : هو خبرٌ والمبتدأٌ محذوفٌ تقديرُهُ : فالشاهدُ رجلٌ وامرأتان وقيل : بل هو مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ تقديرُهُ : فيكفي رجلٌ أي : شهادةُ رجلٍ، فَحُذِفَ المضافُ للعلمِ به، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. وقيل : تقديرُه الفعلِ : فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ، وهو أحسنُ، إذ لا يُحْوِج إلى حذفِ مضافٍ، وهو تقديرُ أبي القاسم الزمخشري. وقيل : هو مرفوعٌ بكان الناقصةِ، والتقديرُ : فليكن مِمَّنْ يشهدون رجلٌ وامرأتان. وقيل : بل بالتامةِ وهو أَوْلى، لأنَّ فيه حذفَ فعلٍ فقط بقي فاعلُهُ، وفي تقدير الناقصة حذفُها مع خبرِها، وقد عُرِفَ ما فيه، وقيل : هو مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، تقديرُهُ : فليُسْتَشْهَد رجلٌ. قال أبو البقاء :" ولو كان قد قرئ بالنصبِ لكانَ التقديرُ : فاسْتَشْهِدُوا " قلت : وهو كلامٌ حسنٌ.
وقرىء :" وامرأْتان " بسكون الهمزةِ التي هي لامُ الكلمة، وفيها تخريجان، أحدُهما : أنه أَبْدَلَ الهمزةَ ألفاً، وليس قياسُ تخفيفِها ذلك، بل بَيْنَ بينَ، ولمَّا أبدلَهَا ألفاً هَمَزَهَا كمَا هَمزتِ العربُ نحو : العَأْلَم والخَأْتم وقوله :
وخِنْدِفٌ هامةُ هذا العَأْلَمِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سورة الفاتحة، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالى في قراءة ابنِ ذكوان :﴿مِنسَأَتَهُ﴾ [ الآية : ١٤ ] في سبأ.
وقال أبو البقاء في تقرير هذا الوجِهِ، ونَحا إلى القياسِ فقال :" ووجهُهُ أنه خَفَّفَ الهمزةَ - يعني بينَ بينَ - فَقَرُبَتْ من الألفِ، والمُقَرَّبَةُ من الألفِ في حكمِها ؛ ولذلك لا يُبْتَدَأُ بها، فلمَّا صارَتْ كالألفِ قَلَبَها همزةً ساكنةً كما قالوا : خَأْتم وعَأْلم
و " تَدَايَنَ " تفاعَلَ من الدَّيْن كتبايَعَ من البَيْع، يقال : داينْتُ الرجل أي : عاملْتُه بدَيْنٍ، وسواءً كنت معطياً أم آخذاً، قال رؤبة :
| دايَنْتُ أَرْوى والديونُ تُقْضى | فَمَطَّلَتْ بعضاً وأَدَّتْ بَعْضَا |
قوله :﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ الضميرُ يعودُ على " بدَيْن " وإنما ذَكَرَ قولَه " بدَيْن " ليعيدَ عليه هذا الضميرَ، وإنْ كان الدَّيْن مفهوماً/ من قولِهِ :" تدايَنْتُم "، أو لأنه قد يُقال : تَداينوا أي : جازى بعضُهم بعضاً فقال :" بَدْينٍ " ليُزِيلَ هذا الاشتراكَ، أو ليدُل به على العمومِ، أي : أيِّ دين كان من قليلٍ وكثيرٍ.
وقوله :﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ على سبيلِ التأكيدِ، إذ لا يكونُ الدَّيْن إلاَّ مؤجَّلاً، وألفُ " مُسَمَّى " منقلبةٌ عن ياءٍ، تلك الياءُ منقلبةٌ عن واو، لأنه من التسميةِ، وقد تقدَّم أنَّ المادةَ مِنْ سما يسمو.
قوله :﴿بِالْعَدْلِ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها : أن يكونَ الجارُّ متعلقاً بالفعلِ قبلَه. قال أبو البقاء :" بالعدلِ " متعلِّقٌ بقولِهِ : فَلْيَكْتُبْ، أي : ليكتبْ بالحقِّ، فيجوزُ أَنْ يكونَ حالا أي : ليكتبْ عادِلاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به أي : بسببِ العَدْلِ ". قولُه أولاً :" بالعدلِ متعلِّقٌ بقوله فَلْيَكْتُب " يريدُ التعلقَ المعنويَّ ؛ لأنه قد جَوَّزَ فيه بعدَ ذلك أَنْ يكونَ حالاً، وإذا كانَ حالاً تعلَّقَ بمحذوفٍ لا بنفسِ الفعلِ. وقوله :" ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً " يعني فتتعلَّقُ الباءُ حينئذٍ بنفسِ الفعلِ.
والثاني : أَنْ يتعلَّقَ ب " كاتب ". قال الزمخشري :" متعلَّقٌ بكاتب صفةً له، أي : كاتبٌ مأمونٌ على ما يَكْتب " وهو كما تقدَّم في تأويل قول أبي البقاء. وقال ابنُ عطية :" والباءُ متعلقةٌ بقولِهِ :" وَلْيَكْتُب "، وليْسَتْ متعلقةً بقولِهِ " كاتبٌ " لأنه كان يَلْزَمُ ألاَّ يكتبَ وثيقةً إلا العدلُ في نفسِهِ، وقد يكتُبها الصبيُّ والعبدُ ".
الثالث : أن تكونَ الباءُ زائدةً، تقديرُهُ : فَلْيكتب بينكم كاتبُ العدلِ.
قوله :﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾ مفعولٌ به أي : لا يأبَ الكتابَةَ.
و " كما عَلَّمه الله " يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقولِهِ :" أَنْ يَكْتُبَ " على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميِرِ المصدرِ على رأيِ سيبويه، والتقدير : أَنْ يكتبَ كتابةً مثلَ ما عَلَّمه الله، أو أَنْ يكتبَهُ أي : الكَتْبَ مثلَ ما عَلَّمه الله. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بقوله " فَلْيَكْتُبْ " بعدَه.
قال الشيخ :" والظاهرُ تعلُّق الكافِ بقولِهِ :" فَلْيَكْتُب " وهو قَلِقٌ لأجلِ الفاءِ، ولأجلِ أنه لو كانَ متعلِّقاً بقولِهِ :" فَلْيكتب " لكان النظمُ فَلْيكتب كما عَلَّمه الله، ولا يُحتاج إلى تقديمِ ما هو متأخرٌ في المعنى ".
وقال الزمخشري :- بعد أَنْ ذكرَ تعلُّقَهُ بِأَنْ يكتُبَ، و ب " فليكتب " - " فإنْ قلت : أيُّ فرقٍ بين الوجهين ؟ قلت : إنْ عَلَّقْتَه بأَنْ يكتب فقد نَهَى عن الامتناعِ من الكتابةِ المقيَّدةِ، ثم قيل له : فَلْيَكْتُب تلك الكتابةَ لا يَعْدِلُ عنها، وإنْ عَلَّقْته بقوله :" فَلْيكتب " فقد نَهَى عن الامتناعِ بالكتابة على سبيلِ الإِطلاق، ثم أَمَرَ بها مقيدةً " ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بقولِهِ : لا يَأْبَ، وتكونُ الكافُ حينئذٍ للتعليلِ. قالَ ابنُ عطية :" ويُحْتَمل أن يكونَ " كما " متعلقاً بما في قولِه " ولا يأْبَ " من المعنى أي : كما أَنْعَمَ الله عليه بعلمِ الكتابةِ فلا يَأْبَ هو، وَلْيُفْضِل كما أُفْضِلَ عليه ". قال الشيخ :" وهو خلافُ الظاهِرِ، وتكونُ الكافُ في هذا القولِ للتعليلِ " قلت : وعلى القولِ بكونِها متعلقةً بقوله :" فَلْيكتب " يجوزُ أَنْ تكونَ للتعليلِ أيضاً، أي : فلأجلِ ما عَلَّمه اللَّهُ فليكتبْ.
وقرأ العامةُ :" فَلْيكتب " بتسكينِ اللام كقولهم :" كَتْف " في كَتِف، إجراءً للمنفصلِ مُجْرى المتصلِ. وقد قرأَ الحسن بكسرِها وهو الأصلُ.
قوله :﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ أمرٌ من أَمَلَّ يُمِلُّ، فلمَّا سَكَنَ الثاني جزماً جَرى فيه لغتان : الفكُّ وهو لغةُ الحجازِ، والإِدْغامُ وهو لغةُ تميم، وكذا إذا سَكَنَ وقفاً نحو : أملِلْ عليه وأَمِلَّ، وهذا مطَّرِدٌ في كلِّ مضاعفٍ وسيأتي تحقيقُ هذا إنْ شاء الله تعالى عند قراءتَيْ :" مَنْ يَرْتَدِدْ، ويرتدَّ " في المائدةِ وعلَّة كلِّ لغةٍ.
وقُرىء هنا شاذاً :" وَلْيُمِلَّ " بالإِدغامِ، ويقال : أَمَلَّ يُمِلُّ إملالاً، وأَمْلَى يُملي إملاءً. ومِنْ الأولى قولُه :
| ألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعان | أَمَلَّ عليها بالبِلَى المَلَوانِ |
و " الحقُّ " يجوز أَنْ يكونَ مبتدأً، و " عليه " خبرٌ مقدمٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتمادِهِ على الموصولِ، والموصولُ هو فاعِلُ " يملل " ومفعولُه محذوفٌ أي : وَلْيُمْلِلُ الديَّانُ الكتابَ ما عليه من الحقِّ، فَحَذَفَ المفعولين للعلمِ بهما. ويتعدَّى ب " على " إلى أحدِاهما : فيُقال : أَمْلَلْتُ عليه كذا، ومنه الآيةُ الكريمة.
قوله :﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ﴾ يجوزُ في " منه " أن يكونَ متعلقاً بيبخَسْ، و " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ في " منه " للحقِّ. والثاني : أنها متعلقة بمحذوفٍ لأنها في الأصلِ صفةٌ للنكرةِ، فلمَّا قُدِّمَتْ على النكرةِ نُصِبَتْ حالاً.
و " شيئاً " : إمَّا مفعولٌ به وإمَّا مصدرٌ.
والبَخْسُ : النَّقْصُ، يُقال منه : بَخَس زيدٌ عمراً حقَّه يَبْخَسُهُ بَخْسَاً، وأصلُهُ من : بَخَسْتُ عينه، فاستعيرَ منه بَخْسُ الحق، كما قالوا :" عَوَرْتُ حَقَّه " استعارةً مِنْ عَوَرِ العَيْنِ. ويقال : بَخَصْتُه بالصادِ. والتباخُسُ في البَيْعِ : التناقُصُ، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايِعَيْنِ يُنْقِصُ الآخرَ حَقَّه.
قوله :﴿أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ أَن وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً به، أي : لا يستطيعُ الإِملالَ، و " هو " تأكيدٌ للضميرِ المستتر. وفائدةُ التوكيِدِ به رَفْعُ المجازِ الذي كان يحتمِلُه إسنادُ الفعلِ إلى الضميرِ، والتنصيصُ على أنه غيرُ مستطيعٍ بنفسِه، قاله الشيخ.
وقُرىء بإسكان هاء " هو " وهي قراءةٌ ضعيفة لأنَّ هذا الضميرَ كلمةٌ مستقلةٌ منفصلة عما قبلَها. ومَنْ سَكَّنَهَا أجرى المنفصلَ مُجْرى المتصلِ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في أول/ هذه السورة. قال الشيخ :" وهذا أشذُّ مِنْ قراءةِ مَنْ قَرَأَ :﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٦] قلت : فَجَعَلَ هذه القراءةَ شاذةً وهذه أشدَّ منها، وليسَ بجيدٍ، فإنَّها قراءةٌ متواترةٌ قرأ بها نافع بن أبي نُعَيم قارىءُ أهلِ المدينة فيما رواه عنه قالُون، وهو أضبطُ رواتِهِ لحرفِهِ، وقرأ بها الكسائي أيضاً وهو رئيس النحاة.
والهاء في " وَليُّه " للذي عليه الحقُّ إذا كان متَّصفاً بإحدى الصفاتِ الثلاثِ. وقولُه " بالعَدْل " كما تقدَّم في نظيرِهِ فلا حاجةَ إلى إعادتِهِ.
وقوله :﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾ يجوزُ أن تكونَ السينُ على بابِها من الطلب أي : اطلُبوا شهيدَيْن، ويجوزُ أن يكونَ استفعلَ بمعنى أَفْعَلَ، نحو : اسْتَعْجَلَ بمعنى أَعْجَل، واسْتيقن بمعنى أَيْقَنَ وفي قوله :" شهيدين " تنبيهٌ على أنه ينبغي أن يكونَ الشاهدُ ممَّن تتكرَّرُ منه الشهادةُ حيث أتى بصيغةِ المبالغة.
قوله :﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ يجوزُ أن يتعلَّقَ باستشهِدوا، وتكونُ " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لشهيدَيْن و " مِنْ " تبعيضيةٌ.
قوله :﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ جَوَّزُوا في " كان " هذه أَنْ تكونَ الناقصةَ وأَنْ تكونَ التامَةَ، وبالإِعرابين يختلفُ المعنى : فإنْ كانَتْ ناقصةً فالألفُ اسمُها، وهي عائدةٌ على الشهيدَيْن أي : فإن لم يكنِ الشاهدان رَجُلَيْن، والمعنى على هذا : إن أغْفَلَ ذلك صاحبُ الحق أو قصد أَنْ لا يُشْهِدَ رجلين لغرضٍ له، وإنْ كانَتْ تامةً فيكون " رجلين " نصباً على الحال المؤكِّدة كقولِهِ :﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ويكونُ المعنى على هذا أنه لا يُعْدَل إلى ما ذَكَرَ إلا عند عدمِ الرجال. والألفُ في " يكونا " عائدةٌ على " شهيدين "، تفيدُ الرجوليةَ، والتقديرُ : فإنْ لم يُوجَدِ الشهيدان رَجُلَيْن.
قوله :﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ يجوزُ أَنْ يرتفعَ ما بعدَ الفاءِ على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ تقديرُهُ : فرجلٌ وامرأتان يَكْفُون في الشهادةِ، أو مُجْزِئون ونحوُه.
وقيل : هو خبرٌ والمبتدأٌ محذوفٌ تقديرُهُ : فالشاهدُ رجلٌ وامرأتان وقيل : بل هو مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ تقديرُهُ : فيكفي رجلٌ أي : شهادةُ رجلٍ، فَحُذِفَ المضافُ للعلمِ به، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. وقيل : تقديرُه الفعلِ : فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ، وهو أحسنُ، إذ لا يُحْوِج إلى حذفِ مضافٍ، وهو تقديرُ أبي القاسم الزمخشري. وقيل : هو مرفوعٌ بكان الناقصةِ، والتقديرُ : فليكن مِمَّنْ يشهدون رجلٌ وامرأتان. وقيل : بل بالتامةِ وهو أَوْلى، لأنَّ فيه حذفَ فعلٍ فقط بقي فاعلُهُ، وفي تقدير الناقصة حذفُها مع خبرِها، وقد عُرِفَ ما فيه، وقيل : هو مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، تقديرُهُ : فليُسْتَشْهَد رجلٌ. قال أبو البقاء :" ولو كان قد قرئ بالنصبِ لكانَ التقديرُ : فاسْتَشْهِدُوا " قلت : وهو كلامٌ حسنٌ.
وقرىء :" وامرأْتان " بسكون الهمزةِ التي هي لامُ الكلمة، وفيها تخريجان، أحدُهما : أنه أَبْدَلَ الهمزةَ ألفاً، وليس قياسُ تخفيفِها ذلك، بل بَيْنَ بينَ، ولمَّا أبدلَهَا ألفاً هَمَزَهَا كمَا هَمزتِ العربُ نحو : العَأْلَم والخَأْتم وقوله :
وخِنْدِفٌ هامةُ هذا العَأْلَمِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سورة الفاتحة، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالى في قراءة ابنِ ذكوان :﴿مِنسَأَتَهُ﴾ [ الآية : ١٤ ] في سبأ.
وقال أبو البقاء في تقرير هذا الوجِهِ، ونَحا إلى القياسِ فقال :" ووجهُهُ أنه خَفَّفَ الهمزةَ - يعني بينَ بينَ - فَقَرُبَتْ من الألفِ، والمُقَرَّبَةُ من الألفِ في حكمِها ؛ ولذلك لا يُبْتَدَأُ بها، فلمَّا صارَتْ كالألفِ قَلَبَها همزةً ساكنةً كما قالوا : خَأْتم وعَأْلم