روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ﴾ بالله تعالى وبما جاء منه ﴿إِذَا تَدَايَنتُم﴾ أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً ﴿بِدَيْنٍ﴾ فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن ( تداينتم ) يجيء بمعنى تعاملتم بدين، وبمعنى تجازيتم، ولا يرد عليه أن السياق يرفع لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن، وقي : ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس، وقيل : ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك ﴿إلى أَجَلٍ﴾ أي وقت وهو متعلق بتداينتم، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل ﴿مُّسَمًّى﴾ بالأيام أو الأشهر، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض ﴿فاكتبوه﴾ أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوقف ؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ثم قرأ الآية واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض.
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل﴾ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً، ومفعول يكتب محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بكاتب أو بفعله، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم، فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين.
﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ أي لا يمتنع أحد من الكتاب الموصوفين بما ذكر ﴿أَن يَكْتُبَ﴾ بين المتداينين كتاب الدين ﴿كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ أي لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق وتفضل به عليه وهو متعلق بيكتب والكلام على حد وأحسن كما أحسن الله تعالى ﴿إليك﴾ [القصص: ٧٧] أي لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميزه ويجوز أن يتعلق الكاف بأن يكتب على أنه نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير أن يكتب كتابة مثل علمه الله تعالى أو أن يكتبه أي الكتب مثل ما علمه الله تعالى وبينه له بقوله سبحانه :﴿بالعدل﴾ وجوز أن يتعلق بقوله تعالى :﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ والفاء غير مانعة كما في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبّرْ﴾ [المدثر: ٣] لأنها صلة في المعنى، والأمر بالكتابة بعد النهي عن الأداء منها على الأوّل للتأكيد، واحتيج إليه لأن النهي عن الشيء ليس أمراً بضده صريحاً على الأصح فأكده بذكره صريحاً اعتناءاً بشأن الكتابة، ومن هذا ذهب بعضهم إلى أن الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية ولكن الأمر لما كان لنا لا علينا صرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدم في مسألة جهالة الأجل، وأما على الوجه الثاني : فلا تأكيد وإنما هو أمر بالكتابة المقيدة بعد النهي عن الامتناع عن المطلقة وهذا لا يفيد التأكيد لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدل على الأمر بالمقيد ليكون ذكره بعده تأكيداً، وادعاه بعضهم لأنه إذا كان الامتناع عن مطلق الكتابة منهياً فلأن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهياً بطريق الأولى، والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمر بها فيكون الأمر بالكتابة الشرعية صريحاً للتوكيد، وأيضاً إذا ورد مطلق ومقيد والحادثة واحدة يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم المطلق أو تأخر فكما حمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على الكتابة المقيدة ليفيد التأكيد، فلم لم يحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على الكتابة المقيدة للتأكيد، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكم بحت كما لا يخفى ؟
و ( ما ) قيل : إما مصدرية أو كافة وجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعليهما فالضمير لها، وعلى الأولين للكاتب، وقدر بعضهم على كل تقدير المفعول الثاني لعلم كتابة الوثائق فافهم.
﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ من الإملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت، وقد يبدل أحد المضاعفين ياءاً ويتبعه المصدر فيه وتبدل همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فيقال : إملاءاً فهو والإملال بمعنى، أي : وليكن الملقى على الكاتب ما يكتبه من الدين ﴿الذي عَلَيْهِ الحق﴾ وهو المطلوب لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر لا غيره وانفهام الحصر من تعليق الحكم بالوصف فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى ﴿وَلْيَتَّقِ﴾ أي الذي عليه الحق ﴿الله رَبَّهُ﴾ جمع بين الاسم الجليل والوصف الجميل مبالغة في الحث على التقوى بذكر ما يشعر بالجلال والجمال ﴿وَلاَ يَبْخَسْ﴾ أي لا ينقص ﴿مِنْهُ﴾ أي من الحق الذي يمليه على الكاتب ﴿شَيْئاً﴾ وإن كان حقيراً، وقرئ ( شياً ) بطرح الهمزة ( وشيّاً ) بالتشديد.
وهذا هو التفسير المأثور عن سعيد بن جبير، وقيل : يجوز أن يرجع ضمير يتق للكاتب وليس بشيء لأن ضمير ( يبخس ) لمن عليه الحق ؛ إذ هو الذي يتوقع منه البخس خاصة، وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص فلو أريد نهيه لنهى/ عن كليهما، وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإرجاع كل منهما لكل منهما تفكيك لا يدل عليه دليل، وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ما أمكن، وفي ﴿مِنْهُ﴾ وجهان : أحدهما : أن يكون متعلقاً بيبخس ومن لابتداء الغاية، وثانيهما : أن يكون متعلقاً بمحذوف لأنه في الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليه نصبت حالاً، و﴿شَيْئاً﴾ إما مفعول به وإما مصدر.
﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق﴾ صرح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف لا لأن الأمر والنهي لغيره، وعليه متعلق بمحذوف أي وجب و( الحق ) فاعل، وجوز أن يكون ﴿عَلَيْهِ﴾ خبراً مقدماً و﴿الحق﴾ مبتدءاً مؤخراً فتكون الجملة اسمية، وعلى التقديرين لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول ﴿سَفِيهًا﴾ أي عاجزاً أحمق قاله ابن زيد، أو جاهلاً بالإملال قاله مجاهد، أو مبذراً لماله ومفسداً لدينه قاله الشافعي ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي صبياً، أو شيخاً خرفاً ﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ جملة معطوفة على مفرد هو خبر ( كان ) لتأويلها بالمفرد أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو لما هو أعم منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة، والضمير البارز توكيد للضمير المستتر في أن يمل وفائدة التوكيد به رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير والتنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه، وقيل : إن الضمير فاعل ليمل وتغيير الأسلوب اعتناءاً بشأن النفي، ولا يخفى حسن الإدغام هنا والفك فيما تقدم، ومثله الفك في قوله تعالى :﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي متولي أمره وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي فيشمل القيم والوكيل والمترجم، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه ﴿بالعدل﴾ بين صاحب الحق والمولى عليه فلا يزيد ولا ينقص ولم يكلف بعين ما كلف به من غير الحق لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصي ذمياً ولا فاسقاً وأنه يجوز أن يكون عبداً أو امرأة لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة ذكره ابن الفرس وليس بشيء كما لا يخفى.
ومن الناس من استدل بقوله سبحانه :﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ ﴿وَلاَ يَأْبَ﴾ على وجوب الكتابة، وإلى ذلك ذهب الشعبي والجبائي والرماني إلا أنهم قالوا : إنها واجبة على الكفاية وإليه يميل كلام الحسن وقال مجاهد والضحاك : واجب عليه أن يكتب إذا أمر، وقيل : هي مندوبة، وروي عن الضحاك أنها كانت واجبة ثم نسخ ذلك.
﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾ أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما، وجوز أن تكون السين والتاء زائدتين أي اشهدوا، وفي اختيار صيغة المبالغة إيماء إلى طلب من تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم، ولعله لم يقل رجلين لذلك، والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف في ذلك ﴿مّن رّجَالِكُمْ﴾ متعلق باستشهدوا و﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية أو بمحذوف على أنه صفة لشهيدين، و﴿مِنْ﴾ تبعيضية، والخطاب للمؤمنين المصدر بهم الآية، وفي ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين دلالة على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرية ؛ لأن المتبادر من الرجال الكاملون والأرقاء بمنزلة البهائم، وأيضاً خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة كما بين في محله، وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة وإنما/ الشرط فيه عندهم الإسلام والعدالة، وإلى ذلك ذهب شريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان البتي، وهو خلاف المروي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يجوز شهادة العبد في شيء ولم تتعرض الآية لشهادة الكفار بعضهم على بعض، وأجاز ذلك قياساً الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وإن اختلفت مللهم.
﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا﴾ أي الشهيدان ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي وإلا لم يصح قوله تعالى :﴿فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ أي فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجل وامرأتان، أو فرجل وامرأتان يشهدون أو يكفون، أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فليستشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً، وإن جعلت يكن تامة استغنى عن تقدير شهود، وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا، وعند الشافعي في الأموال خاصة لا في غيرها كعقد النكاح، وقال مالك : لا تجوز شهادة أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق، وأما قبول شهادة النساء مفردات فقد قالوا به في الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مجرى ذلك مما بين في الكتب الفقهية، وقرئ وامرأتان بهمزة ساكنة، ولعل ذلك لاجتما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى