التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين، وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإِنفاق في وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطي الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق، وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطي أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول :
﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم...﴾
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٨٢ )
قال ابن كثير : قوله - تعالى - :﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه﴾ هذا إرشاد منه - تعالى - لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال :﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا﴾ وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم﴾. الآية. وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله ﷺ " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
ومعنى ﴿تَدَايَنتُم﴾ : تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين - كما يقول القرطبي - " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا ".
والأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل. وأصله من التأخير، يقال : أجل الشيء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين، لأن في هذه الكتابة حفظاً له، وضبطاً لمقداره، ومنعاً للتنازع من أن يقع بينكم.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : إذا تدانيتم إلى أجل مسمى، وأي حاجة إلى ذكر الدين ؟ قلت : ذكر - لفظ الدين - ليرجع الضمير إليه في قوله :﴿فاكتبوه﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت : ما فائدة قوله :﴿مُّسَمًّى﴾ قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال : إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية ".
وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله " فاكتبوه " للندب، ولأن الله - تعالى - قد قال بعد ذلك ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ ولأن النبي ﷺ لم يلزم الدائنين بكتابه ديونهم، ولا المدنيني بأن يكتبوها.
وقال الظاهرية : إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آتماً، لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب..
وقوله :﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإِجمال.
أي : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقاً لشريعة الإِسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته، لأن الله - تعالى - يقول :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصاً تتوفر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحري الحق. ومفعول ( يكتب ) محذوف ثقة بانفهامه أي وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإِيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين، لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها.
والجار والمجرور وهو ( بالعدل ) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أي : وليكتب بالحق.
ثم نهى الله - تعالى - من كان قادراً على الكتابة عن الامتناع متى دعى إليها فقال :
﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ﴾.
أي : ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله إياها أن يتحرى بالعدل والحق في كتابته، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإِسلامية.
فالكاف في قوله - تعالى - :﴿كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ نعت لمصدر محذوف والتقدير : فليكتب كتابة مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها.
ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى : لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها، فهو كقوله - تعالى - :﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ وفي الحديث الشريف " إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق " وفي حديث آخر : " من كتم علماً يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ".
وقوله :( فليكتب ) تفريع على قوله " ولا يأب كاتب " أي : فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله :﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾. ويجوز أن يكون توكيداً للأمر الصريح في قوله :﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾.
قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فقال الطبريك : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره ".
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين، وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإِملاء فقال - تعالى - :﴿وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾.
والإِملالل معناه الإِملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى - :﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي : وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقراراً به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئاً، لأن هذا الإِنقاص ظلم حرمه الله - تعالى -.
وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين، أو يملي شيئاً ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق الإِملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإِملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين : تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإِملاء فقال - تعالى - :﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق﴾ وهو المدين ﴿سَفِيهاً﴾ أي جاهلا بالإِملاء أو ناقص العقل، أو متلافاً مبذراً لا يحسن تدبير أمره ".
﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ بأن يكون صبياً أو شيخاً تقدمتبه الشيخوخة.
﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ بأن يكون عيياً أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات.
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ أي فعلى ولي أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإِملاء الحق والعدل فيما يكلف به.
وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون، انتقل القرآن إلى الحديث عن الإِشهاد فقال - تعالى - :﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي : اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بينكم من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإِشهاد يعطي الديون والكتابة توثيقاً وتثبيتاً، والسين التاء في قوله : " واستشهدوا " للطلب.
قال الآلوسي : " وفي اختيار صيغة المبالغة في ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ للإِيماء إلى من تكررت منه الشهادة، فهو علام بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك.
وقوله :﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ متعلق بقوله :﴿واستشهدوا﴾ ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض، أي من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملتهم.
ثم بين - سبحانه - الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال :{ فَإ
﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم...﴾
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٨٢ )
قال ابن كثير : قوله - تعالى - :﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه﴾ هذا إرشاد منه - تعالى - لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال :﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا﴾ وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم﴾. الآية. وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله ﷺ " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
ومعنى ﴿تَدَايَنتُم﴾ : تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين - كما يقول القرطبي - " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا ".
والأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل. وأصله من التأخير، يقال : أجل الشيء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين، لأن في هذه الكتابة حفظاً له، وضبطاً لمقداره، ومنعاً للتنازع من أن يقع بينكم.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : إذا تدانيتم إلى أجل مسمى، وأي حاجة إلى ذكر الدين ؟ قلت : ذكر - لفظ الدين - ليرجع الضمير إليه في قوله :﴿فاكتبوه﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت : ما فائدة قوله :﴿مُّسَمًّى﴾ قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال : إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية ".
وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله " فاكتبوه " للندب، ولأن الله - تعالى - قد قال بعد ذلك ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ ولأن النبي ﷺ لم يلزم الدائنين بكتابه ديونهم، ولا المدنيني بأن يكتبوها.
وقال الظاهرية : إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آتماً، لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب..
وقوله :﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإِجمال.
أي : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقاً لشريعة الإِسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته، لأن الله - تعالى - يقول :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصاً تتوفر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحري الحق. ومفعول ( يكتب ) محذوف ثقة بانفهامه أي وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإِيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين، لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها.
والجار والمجرور وهو ( بالعدل ) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أي : وليكتب بالحق.
ثم نهى الله - تعالى - من كان قادراً على الكتابة عن الامتناع متى دعى إليها فقال :
﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ﴾.
أي : ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله إياها أن يتحرى بالعدل والحق في كتابته، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإِسلامية.
فالكاف في قوله - تعالى - :﴿كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ نعت لمصدر محذوف والتقدير : فليكتب كتابة مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها.
ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى : لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها، فهو كقوله - تعالى - :﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ وفي الحديث الشريف " إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق " وفي حديث آخر : " من كتم علماً يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ".
وقوله :( فليكتب ) تفريع على قوله " ولا يأب كاتب " أي : فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله :﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾. ويجوز أن يكون توكيداً للأمر الصريح في قوله :﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾.
قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فقال الطبريك : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره ".
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين، وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإِملاء فقال - تعالى - :﴿وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾.
والإِملالل معناه الإِملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى - :﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي : وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقراراً به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئاً، لأن هذا الإِنقاص ظلم حرمه الله - تعالى -.
وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين، أو يملي شيئاً ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق الإِملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإِملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين : تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإِملاء فقال - تعالى - :﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق﴾ وهو المدين ﴿سَفِيهاً﴾ أي جاهلا بالإِملاء أو ناقص العقل، أو متلافاً مبذراً لا يحسن تدبير أمره ".
﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ بأن يكون صبياً أو شيخاً تقدمتبه الشيخوخة.
﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ بأن يكون عيياً أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات.
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ أي فعلى ولي أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإِملاء الحق والعدل فيما يكلف به.
وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون، انتقل القرآن إلى الحديث عن الإِشهاد فقال - تعالى - :﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي : اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بينكم من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإِشهاد يعطي الديون والكتابة توثيقاً وتثبيتاً، والسين التاء في قوله : " واستشهدوا " للطلب.
قال الآلوسي : " وفي اختيار صيغة المبالغة في ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ للإِيماء إلى من تكررت منه الشهادة، فهو علام بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك.
وقوله :﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ متعلق بقوله :﴿واستشهدوا﴾ ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض، أي من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملتهم.
ثم بين - سبحانه - الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال :{ فَإ