المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه نزلت هذه الآية في السلم خاصة.
قال القاضي أبو محمد : معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً(١)، وبين تعالى بقوله :﴿بدين﴾ ما في قوله :﴿تداينتم﴾ من الاشتراك، إذ قد يقال في كلام العرب : تداينوا بمعنى جازى بعضهم بعضاً(٢). ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل، وذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله :﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله :﴿فإن أمن﴾ ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وقال جمهور العلماء : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب(٣)، وإذا كان الغريم تقياً فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف(٤) في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم : إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك ﴿فليؤد﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصاً بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري رحمه الله فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك.
واختلف الناس في قوله تعالى :﴿وليكتب بينكم﴾ فقال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي وعطاء أيضاً : إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب، وقال السدي : هو واجب مع الفراغ، وقوله تعالى :﴿بالعدل﴾ معناه بالحق والمعدلة(٥)، والباء متعلقة بقوله تعالى :﴿وليكتب﴾، وليست متعلقة ب ﴿كاتب﴾ لأنه كان يلزم أن لا كتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن يتركوهم إلا عدولاً مرضيين، وقال مالك رحمه الله : لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ ثم نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية، وأبى يأبى شاذ لم يجىء إلا قلى يقلى(٦) وأبى يأبى، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق، قال الزجّاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت(٧) الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل بفتح العين، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ﴿ولا يأب﴾ منسوخ بقوله
﴿لا يضار كاتب ولا شهيد﴾(٨) [البقرة: ٢٨٢] والكاف في قوله ﴿كما علمه الله﴾ متعلقة بقوله :﴿أن يكتب﴾ المعنى كتباً كما علمه الله، هذا قول بعضهم، ويحتمل أن تكون ﴿كما﴾ متعلقة بما في قوله ﴿ولا يأب﴾ من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه(٩)، ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاماً عند قوله :﴿أن يكتب﴾، ثم يكون قوله :﴿كما علمه الله﴾ ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله ﴿فليكتب﴾(١٠).
قال القاضي أبو محمد : وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره(١١)، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر(١٢)، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى :﴿وافعلوا الخير﴾(١٣) [الحج: ٧٧] وهو من باب عون الضائع.
قوله عز وجل :
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء(١٤)، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتبت الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاء له. وأمره الله بالتقوى فيما يملي ونهي عن أن ﴿يبخس﴾ شيئاً من الحق، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة، وهؤلاء الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا، ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن.
فقال ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾ وكون الحق يترتب في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك(١٥)، والسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة :[ الطويل ].
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ. . . أعالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ(١٦)
وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه، ثم قال :﴿أو ضعيفاً﴾ والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة، وهذا أيضاً قد يكون وليه أباً أو وصياً، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، و ﴿وليه﴾ وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و ﴿وليه﴾ وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأوْلى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس : السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول الحسن، وجاء الفعل مضاعفاً في قوله :﴿أن يمل﴾ لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة، والفك في هذا الفعل لغة قريش.
و ﴿بالعدل﴾ معناه بالحق وقصد الصواب، وذهب الطبري إلى أن الضمير في ﴿وليه﴾ عائد على ﴿الحق﴾، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالاً في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين ؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع ﴿أن يمل﴾ بمرضه إذا كان عاجزاً عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، هذا معنى لم تعن(١٧) الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض.
﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾
الاستشهاد : طلب الشهادة(١٨) وعبر ببناء(١٩) مبالغة في ﴿شهيدين﴾ دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنها إشارة إلى العدالة : وقوله تعالى :﴿من رجالكم﴾ نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم فقال شريح وإسحاق بن راهويه(٢٠) وأحمد بن حنبل : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق(٢١)، واسم كان الضمير الذي في قوله ﴿يكونا﴾.
والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم : بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور(٢٢)، وقوله :﴿فرجل وامرأتان﴾ مرتفع بأحد ثلاثة أشياء، إما أن يقدر(٢٣) فليستشهد رجل وامرأتان، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون ﴿يكونا﴾ هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار، وإما فرجل وامرأتان يشهدون، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله :﴿أن تضل إحداهما﴾ وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا «وامرأْتان » بهمز الألف ساكنة.
قال ابن جني : لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا الهمزة(٢٤) فقرب من الساكن، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفاً ساكنة كما قال الشاعر :[ الطويل ].
يقولون جهلاً لَيْسَ للشَّيخَ عَيِّلٌ. . . لَعَمْري لَقَدْ أعْيَلْتَ وَأن رَقُوب(٢٥)
يريد «وأنا »، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي. وهي ساكنة وهي هذا نظر، ومنه قراءة ابن كثير «عن ساقيها »(٢٦) وقولهم يا ذو خاتم قال أبو الفتح : فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب(٢٧) لا صنعة فيه، ولا يكاد يقنع بمثله، وقوله تعالى :﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ رفع في موضع الصفة لقوله عز وجل :﴿فرجل وامرأتان﴾(٢٨).
قال أبو علي : ولا دخل في هذه الصفة قوله :﴿شهيدين﴾ اختلاف الإعراب.
قال القاضي أبو محمد : وهذا حكم لفظي، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين كما هو في الرجل والمرأتين.
قال ابن بكير وغيره : قوله ﴿ممن ترضون﴾ مخاطبة للحكام.
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا(٢٩) كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله :﴿ممن ترضون﴾ دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. وقرأ حمزة وحده :«إن تَضِل » بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد «فتذَكَرُ » بفتح الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش، وقراها الباقون «أن تضل » بفتح الألف «فتذكرَ » بنصب الراء. غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف، وشددها الباقون(٣٠)، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله :﴿أن تضل﴾(٣١)، و ﴿أن﴾ مفعول من أجله(٣٢) والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما. وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر إحداهما إن ضلت الأخرى. قال سيبويه : وهذا كما تقول : أعددت هذه الخشبة أن يميل هذا الحائط فأدعمه(٣٣).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ولما كانت النفوس مستشرقة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به(٣٤)، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أبرع أنواع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك : أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع : ولم تدعم حائطاً قائماً ؟ فيجب ذكر السبب فيقال : إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة. وقال أبو عبيد : معنى ﴿تضل﴾ تنسى.
قال القاضي أبو محمد : والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالاً، ومن نسي الشه
١ - سواء كانت من قرض أم ثمن بيع كالسَّلم- والسَّلم بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة – بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم..
٢ - ومنه قولهم: كما يدين الفتى يُدان..
٣ - يعني أن الأمر ندب وإرشاد إلى حفظ الأموال وصيانتها، وذهب الإمام الطبري ومن معه إلى أن الأمر للوجوب، وذلك رأيه في الأمر حتى يأتي ما يدل على خلافه، والصحيح أن الأمر للإرشاد كا لابن عطية وابن العربي رحمهما الله، إذ لو كانت الكتابة واجبة ما صح أخذ الأجرة عليها، وجواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة لا خلاف فيه، ولو كانت واجبة ما صح إسقاطها، كما يأتي في قوله تعالى: [فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمِن أمانته]..
٤ - والثقاف هو الآلة التي تعض الرماح وتقبضها لتقويمها، والكتاب قابض على الدين وحافظ له كالثقاف للرماح..
٥ - بحيث لا يزيد ولا ينقص، أي لا يبدِّل ولا يغير، بل يكتب ما أُملي عليه من دون تصرف فيه..
٦ - في لسان العرب: "قال يعقوب: "أبى يأبى نادر" – وقال سيبويه: «شبهوا الألف بالهمزة في قرأ يقرأ». وقال أحمد بن يحيى: «لم يسمع من العرب فعَل يفعَل مما ليس عينه ولامه من حروف الحلق إلا أبى يأبى، وقلاه يقلاه، وغشى يغشى، وشجا يشجى»..
٧ - قال في المصباح: وبناء أبى شاذ، لأن باب فعل يفعل بفتحتين أن يكون حلقي العين أو اللام، ولم يأت من حلقي الفاء إلا أبا يأبى وعضّ يعضُّ في لغة وأثَّ الشعر يأث إذا كثر والتف، وربما جاء في غير ذلك». انتهى. وحروف الحلق هي: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين، والذي يوجب فتح العين من المضارع هو أن تكون عينه أو لامه حلقية، وأما إذا كان حرف الحلق في أوله فلا يوجب ذلك، لأنه في المضارع يسكن فيخف النطق به، وحروف الحلق إنما أوجبت الفتح لثقلها، وقال الزجاج: إن الألف في أبى – وهي لام الكلمة – أشبهت الهمزة فلذلك جاء المضارع على يفعل بفتح العين..
٨ - هذا مبني على وجوب الكتابة وحرمة الإباية..
٩ - الكاف على هذا الاحتمال تعليلية، والاحتمال الأول أحسن الاحتمالات..
١٠ - غير ظاهر لوجود الفاء بعده، ولأنه لو كان متعلقا بقوله: [فليكتب] لكان النظم: «فليكتب كما علمه الله»، ولا يُصار إلى تقديم ما هو متأخر في المعنى..
١١ - يعني أن ما سبق من وجوب الكتابة على الكاتب إذا لم يوجد غيره، وأما إذا وجد الكتبة فلا تجب على معين، وفي بعض النسخ: قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أما إذا أمكن الخ..
١٢ - أي يتأكد وجوب الندب عليه..
١٣ - من الآية (٧٧) من سورة الحج..
١٤ - يقال أمللت، وأمليت بمعنى، فهما لغتان موجودتان في القرآن. الأولى جاءت في هذه الآية والأخرى في قوله تعالى: [وقالوا أساطير الأولين اكْتَتَبَهَا فهي تُملي عليه بكرة وأصيلا]..
١٥ - عبارة أبي حيان نقلا عن ابن عطية: «ذكر تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمان، ويترتب الحق لهم في كل جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك» ا هـ.
نميل إلى أن يكون الكلام كما نقله أبو (ح) – عن ابن عطية كالآتي: «ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن، ويترتب الحق في كل جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك. فقال: [فإن كان الذي عليه الحق سفيها] – والسفيه: المهلهل الرأي – الخ»..

١٦ - جاء في اللسان: السفه: الخفة، وثوب سفيه: لهْلَهٌ سخيف – وتسفهت الرياح: اضطربت: وتسفهت الريح الغصون: حركتها واستخفتها، ثم ذكر هذا البيت شاهداً على ما يقول..
١٧ - أي: لم تتعرض له ولم تقصده..
١٨ - أمر بالإشهاد بعد الأمر بالكتابة لمزيد التوثق والاحتياط في الحقوق، فالكتابة والشهادة وظيفتان قد تجتمعان في شخص، وقد يكتب أحدهما ويشهد الآخر، وفي الآية الكريمة إشارة إلى ذكر الحجة التامة وهي رجلان أو رجل وامرأتان، وأما اليمين مع الشاهد أو مع النكول فليست بتامة، والمراد الحجة في الديون والأموال..
١٩ - يعني أن بناء المبالغة الدال على تكرر الشهادة يشير إلى شرط العدالة إذ لا تتكرر الشهادة عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم، وكأنه قيل: واستشهدوا عدلين من رجالكم..
٢٠ - إسحق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب بن راهويه – عالم خراسان، وأحد كبار الحفاظ، أخذ عنه أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي – قيل: إن أباه ولد في طريق مكة فقال أهل مرو: راهويه – أي ولد في الطريق. توفي ٢٣٨هـ. عن "الأعلام"..
٢١ - أي لنقص الرقيق، والنفس من شأنها أن تخضع للكامل دون الناقص..
٢٢ - خلاصة كلامه أن الضمير – على قول الجمهور – اسم كان، ورجلين خبرها، وعلى قول الآخرين كان تامة والضمير فاعل، ورجلين حال، أي فإن لم يكن الشهيدان بهذه الصفة فرجل وامرأتان، والتفسير جار على حسب المعنى لا على حسب حكم اللفظ..
٢٣ - الخلاصة أنه إما أن يكون قوله تعالى: [فرجل وامرأتان] نائبا عن الفاعل، أو فاعلا، أو مبتدأ خبره محذوف..
٢٤ - لكثرة توالي الحركات..
٢٥ - يقال: عال عَيْلَةً وعَيْلا: افتقر – و: كثر عياله فهو عائل – وهو عيِّلٌ أيضا –
قال الشاعر:
سلامٌ على يحْيَى، ولا يُرْجَ عِنْـدَه ولاءٌ، وإن أزرى بعيِّله الفقـر
أي: بعياله – والرَّقوب: الذي لا يبقى له ولد – يقال للرجل والمرأة..

٢٦ - في سورة النمل في قصة بلقيس ونص الآية: [قيل لها ادخلي الصرح فلمّا رأته حسبته لُجّة وكشفت عن ساقيها] الآية (٤٤) – ومثل قوله [سأْقَيْهَا] بهمز الألف ساكنة قولهم: الخأْتم والعأْلم..
٢٧ - أي: غير مرضي ولا مقبول لما فيه من الخلط، قال ابن خالويه: مشبه بالجفنة المخشونة وهي التي لم تحكم صنعتها..
٢٨ - وقيل: هو بدلٌ من قوله تعالى: [رجالكم] على تكرير العامل – قال أبو (ح) عن هذين الإعرابين: "وهما ضعيفان"، لأن الوصف يشعر باختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى هذا الوصف عن [شهيدين] – ولأن البدل يؤذن بالاختصاص بالشهيدين الرجلين، فعرى عنه: [رجل وامرأتان] – والذي يظهر أنه متعلق بقوله: [واستشهدوا]، أي: واستشهدوا ممن ترضون من الشهداء ليكون قيدا في الجميع، ولذلك جاء متأخرا بعد ذكر الجميع». البحر المحيط ٢- ٣٤٧..
٢٩ - أي كون الخطاب عاما ويتلبس به بعض الناس كأحكام المباشرين للقضايا..
٣٠ - يريد بتخفيف الذال أن تكون ساكنة – أما قوله: «وشدَّدها الباقون» فالضمير عائد على الكاف وحدها. والله أعلم..
٣١ - في قول ابن عطية: وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: [أن تضِلّ أحداهما] عند إعراب [فرجل وامرأتان]، وهذه على قراءة [أن تضلا إحداهما] بفتح الهمزة، وهو تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي: فليشهد رجل وتشهد امرأتان عوضا عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ضلت..
٣٢ - تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما، الخ. ويرد عليهم [فتذكر إحداهما] بالنصب، إذ يصير التقدير: لئلا تضل، ولئلا تذكر. وتقديره عند البصريين: كراهية أو إرادة أن تضل، ويرد عليهم أيضا قوله تعالى: [فتذكر] بالنصب، فإن حكمه حكم المعطوف، فيكون التذكير مكررها، وإن قدروا الإرادة كان الضلال مراداً. والجواب عن هذا كله أن الكلام محمول على المعني كما قالوا لأن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. وعدل النساء كعدل الرجال إلا أن عقلهن ينقص عن عقل الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم، وشهادة امرأتين بشهادة رجل دليل على ذلك، لأن استشهاد امرأتين مكان رجل هو من أجل إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيمن يكثر نسيانه ويقل ضبطه..
٣٣ - فالقائل لا يطلب بذلك ميلان الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدعم وسببه من قبل، فالكلام محمول على المعنى..
٣٤ - لما بين السبب والمسبب من الاتصال والملابسة – ثم إن الحكمة في تكرير [إحداهما] في الآية إفادة تذكرة الذاكرة للغافلة، وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضا لو انقلبت الحال فيهما بأن نذكر الغافلة وتغفل الذاكرة – وذلك غاية في البيان، ولو قيل: فتذكرها الأخرى لكان البيان من جهة واحدة لتذكرة الذاكرة الناسية، قاله ابن العربي، وحاصله أن الفاعل وقع مبهما أولا وثانيا وهو [إحداهما] لإفادة أن كلا من المرأتين يجوز عليها الضلال والإذكار، فلم يرد بإحداهما معينة، وبذلك دخل الكلام معنى العموم، وكأنه قيل: من ضلت منهما أذكرتها الأخرى، فالإظهار خير من الإضمار ليحتمل القول كليهما، وأما الإضمار فيدل على تعيين واحدة منهما..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى