تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٢٨٢ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ فيه دليل جواز السلم من قوله :﴿إذا تداينتهم بدين﴾ لأن المداينة هو فعل اثنين، وهو السلم نفسه لأنه دين من الجانبين جميعا. وعلى ذلك روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال :( اشهدوا(١) أن السلم المضمون مما أجازه الله تعالى في كتابه الكريم ) ثم تلا هذه الآية.
فأما الخبر الذي جاء أنه نهى عن [ الدين بالدين ](٢) فإن ذلك على فوت القبض فيه ؛ دليله جواز ما كان دينا بدين إذا قبض أحد الجانبين. قال آخرون :﴿إذا تداينتهم بدين﴾ هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو يسمى التداين كما يسمى البائع والمشتري المتبايعين(٣) لأن كل واحد منهما بائع في وجه منهما بائع في وجه [ ومشتر في وجه ](٤). فعلى ذلك المداينة والتداين، وقوله تعالى :﴿إلى أجل مسمى﴾ ؛ فالعرف في الإسلام عند الناس ألا يخلي عن الأجل، فصار الأجل العرف شرطا في جواز السلم، وإن لم يرجل ؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حاله الإسلاف ؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف ؛ فهو إنما يتسلف ليؤديه في وقت ثان لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه، فيصل إلى حاجته، ولا يتحمل المؤنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل يتسلف(٥) لترك بيان الأجل، والله أعلم. وعلى ذلك [ روي ](٦) عن رسول الله ﷺ، أنه قال :( من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) [ البخاري : ٢٢٤٠ ].
ثم أمر جل وعلا، بالكناية في التدائن بقوله :﴿فاكتبوه﴾، وذلك، والله أعلم لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال، والآخر لم يصل، فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود، فأمر جل وعلا بالكناية احترازا عن الإنكار وجحود الحق له ؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب، وأشهد عليه، يرتدع عن الإنكار والجحود. فهو كما ذكرنا في قوله تعالى :﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره، فكذلك /٥١- أ/ إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع عن الإنكار والجحود لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس، والله أعلم.
ولا كذلك مع العين بالعين لأن كل واحد منهما لا يصل إلا بما يصل إليه الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى، لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان، وأمر في المداينات، والله أعلم.
ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجها(٧) آخر، وهو أنه يجوز أن يتسنى، فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضا(٨)، فأمر الله تعالى بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة، ولا كذلك بيع العين لذلك افترقا، والله أعلم.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب التخالف، وفيه الفساد، فأمر بالكتابة لدفع ذلك وللوفاء بالحق ودفع الخصومات، والله أعلم.
ولا يحتمل ألا(٩) يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه، كذلك ألا يقضبه مع ما ليست في عقد أو فسخ، فيكلم بوجوب واختيار، إنما هي الحق، فله فعل ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف في الكتابة : قال بعضهم : هي واجبة لازمة، واستدلوا على وجوبها بقوله تعالى :
﴿إلا أن تكون تجارة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة [ غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى، فدل أنها لازمة في المداينة ](١٠) حين رفع الجناح منها.
وأما عندنا فهي ليست بواجبة لأنه قال عز وجلا :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ثم أمر، فقال(١١) :﴿فإن أمن بعضكم بعضا فلود الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] ؛ ذكر الرهن بدلا عن الكتابة، ثم ذكر ترك. الرهن بالائتمان. فإذا كان له ترك الارتهان بالائتمان، وهو بدل الكتابة، فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان إن كان أصله مفروضا لم يتحمل ترك بدله بالائتمان. فإذا ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ فهذا لأن الكاتب مأمول عليه، فيؤدي حق ما ائتمن فيه، لا يزيد على ما أملي عليه بالنصيحة وأداء الأمانة. وهكذا الواجب على كل محكم(١٢) بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة لقوله(١٣) تعالى :﴿إن اله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمته بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨] وقوله تعالى :﴿يحكم به ذوا عدل بينكم﴾ [ المائدة ٩٥ ] وقوله(١٤) تعالى :﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢].
وقوله تعالى :﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما عمله الله فليكتب﴾ ؛ قال بعضهم : هذا ؛ وذلك أن(١٥) الكتبة كانوا في صدر الإسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكناية إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها.
وأما اليوم فلا بأس بالإنباء عليها [ من ](١٦) لم يجد من يكتب له بالأجر، فلا يبطل حقه.
وفيه وجه آخر، وهو أن قوله تعالى :﴿ولا يأب كاتب﴾ [ أي لا يأب الكاتب ](١٧) إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي له ترك الكتابة، ولكنه(١٨) إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿كما عمله الله﴾ وهو نقض على المعتزلة لأنهم يقولون : يكتب، وإن لم يعلمه الله، والله عز وجلا أخبر أنه يكتب بتعليم الله إياه، ولو كان التعليم من الله إتيان الأسباب لم يكن لقوله(١٩) تعالى :﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩] معنى لأنه قد أعطى أسبابه. والعدل ما ذكرنا : ألا يزيد على الحق ولا ينقص منه، وأصل العدل هو وضع الشيء موضعه.
وقوله تعالى :﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ ما عليه ﴿وليتق الله ربه [ ولا يبخس﴾ ](٢٠) ولا ينقص ﴿منه شيئا﴾ ؛ ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد في ما يملي على الكتاب ألا ينقص من حق الطالب شيئا.
وقوله تعالى :﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ قال قائلون : هذا كله واحد : السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل، وقال آخرون : بل يختلف : السفيه : هو الصغير ﴿فليملل وليه بالعدل﴾، والضعيف : هو المريض الذي لا يقدر أن يمل، والذي لا يستطيع أن يمل : هو الجاهل الذي لا يعرف أن يمل.
ثم اختلف في الولي : قال بعضهم : الولي هو صاحب الحق، يمل بالعدل بين يدي من عليه الحق لئلا يزيد على ذلك شيئا، فإذا زاده، أو نقصه، أنكر عليه صاحبه، وقال آخرون : الولي هو وصي الصغير أو ذو النسب(٢١) منه.
ثم المسألة في الحجر ؛ قال أبو حنيفة رضي الله عنه :( الحجر لا يمنع عقوده ) وقال محمد بن الحسن :( لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك استدلالا بظاهر قوله :﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ وإنما جعل الإملاء إلى الولي لا إليه، ولو كان يجوز إملاءه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره، دل أنه لا يجوز ).
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله تعالى :﴿وإذا تدانيتم بدين﴾ أجاز تداينه، فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه، ولأن السفينة لم يستفد الإذن من السلطان إنما استفاده عن الله تعالى، ولا يجوز حجر من لم يستفد الأذن(٢٢) منه.
وقوله تعالى :﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله ﴿فاكتبوه﴾ ؛ أمر جل وعلا بالإشهاد في البيع والتداين للمعنى الذي ذكرنا : أن ترك الإشهاد والكناية يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع عن الإنكار لخوف(٢٣) ظهور الكذب، ولم يصر شرطا في جواز التداين لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة، وكذلك الكتابة، فهو لما ذكرنا : أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو، فأمر بالإشهاد والكناية لئلا ينسى، أو يحمله ترك الإشهاد والكناية على الإنكار.
وأما الأمر بالإشهاد في النكاح ففي عقد النكاح نفسه ؛ دليله قوله [ عليه السلام ](٢٤) :( لا نكاح إلا بشهود ) [ نصب الراية ٣/١٦٧ ] لذلك صار شرطا في عقد النكاح، ولم يصر شرطا في المبايعة. ووجه آخر [ وهو ](٢٥) أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله، والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع ؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح. لذلك صار الإشهاد شرطا في عقد(٢٦) النكاح، ولم يكن شرطا في البيع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿واستشهدوا شهيدين من رجالهم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ في الآية دلالة [ على أن ](٢٧) من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو أيضا خلاف السنة ؛ لأن قوله تعالى :﴿واستشهدوا﴾ ليس هو الإشهاد، إنما هو الإحضار للشهادة ؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد إنما يقع عند الاستحضار، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما، ولأن الآية ذكرت حق الفضاء في المباهاة الواقعة، والأحكام إلى سبيلها زوم الفصل بالقضاء بين أربابها. فمن فصل القضاء [ بالقضاء ](٢٨) بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال الله تعالى :﴿ولا يشرك في حكمه أحد﴾ [الكهف: ٢٦].
وأما مخالفة السنة فقوله ﷺ ( البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ) [ الترمذي ١٣٤١ ] فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه ؛ فإذا كان كذلك، وقد جعل النبي ﷺ حجة المدعي عليه اليمين، ولم يجعل اليمين حجة المدعي، فلذلك(٢٩) قلنا : إنه المخالف لظاهر(٣٠) الكتاب والسنة، ولأن الله تعالى جعل المرأتين /٥١-ب/ في حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل. فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتيهن وتكلف القضاء فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن، لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين، والله أعلم.
فإن قيل عن رسول الله ﷺ إنه قضى به، قيل : إنه لم يروا أنه في ما قضى : في الأموال ؟ فلو(٣١) ثبت أنه في ما قضى لكنا نقضي به.
ثم قال الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين : إنه قضى بالشاهد واليمين في الأمان.
ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا، واليمين باب من يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يسترق. وأما الأموال فإن الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيله الشبهة من جميع الوجوه، وبالله التوفيق.
وأما شهادة النساء فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في الحدود خاصة فإنها غير مقبولة. أما جوازها في غير الحدود [ فمقبول ](٣٢) لأن الله تعالى ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال. ثم أجاز شهادتين في التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال، دل ذلك أن علة جواز شهادتين ليس هو المالية نفسها، وأجيزت شهادتين في المالية وفيه، وهو الأجل. فظهرت أن علتها ليست مالية.
وأما بطلان شاهدين في الحدود فلأن شهادتين إنما أجيزت بحكم البدل عن شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات وال
فأما الخبر الذي جاء أنه نهى عن [ الدين بالدين ](٢) فإن ذلك على فوت القبض فيه ؛ دليله جواز ما كان دينا بدين إذا قبض أحد الجانبين. قال آخرون :﴿إذا تداينتهم بدين﴾ هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو يسمى التداين كما يسمى البائع والمشتري المتبايعين(٣) لأن كل واحد منهما بائع في وجه منهما بائع في وجه [ ومشتر في وجه ](٤). فعلى ذلك المداينة والتداين، وقوله تعالى :﴿إلى أجل مسمى﴾ ؛ فالعرف في الإسلام عند الناس ألا يخلي عن الأجل، فصار الأجل العرف شرطا في جواز السلم، وإن لم يرجل ؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حاله الإسلاف ؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف ؛ فهو إنما يتسلف ليؤديه في وقت ثان لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه، فيصل إلى حاجته، ولا يتحمل المؤنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل يتسلف(٥) لترك بيان الأجل، والله أعلم. وعلى ذلك [ روي ](٦) عن رسول الله ﷺ، أنه قال :( من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) [ البخاري : ٢٢٤٠ ].
ثم أمر جل وعلا، بالكناية في التدائن بقوله :﴿فاكتبوه﴾، وذلك، والله أعلم لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال، والآخر لم يصل، فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود، فأمر جل وعلا بالكناية احترازا عن الإنكار وجحود الحق له ؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب، وأشهد عليه، يرتدع عن الإنكار والجحود. فهو كما ذكرنا في قوله تعالى :﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره، فكذلك /٥١- أ/ إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع عن الإنكار والجحود لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس، والله أعلم.
ولا كذلك مع العين بالعين لأن كل واحد منهما لا يصل إلا بما يصل إليه الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى، لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان، وأمر في المداينات، والله أعلم.
ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجها(٧) آخر، وهو أنه يجوز أن يتسنى، فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضا(٨)، فأمر الله تعالى بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة، ولا كذلك بيع العين لذلك افترقا، والله أعلم.
قال الشيخ، رحمه الله تعالى : والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب التخالف، وفيه الفساد، فأمر بالكتابة لدفع ذلك وللوفاء بالحق ودفع الخصومات، والله أعلم.
ولا يحتمل ألا(٩) يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه، كذلك ألا يقضبه مع ما ليست في عقد أو فسخ، فيكلم بوجوب واختيار، إنما هي الحق، فله فعل ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف في الكتابة : قال بعضهم : هي واجبة لازمة، واستدلوا على وجوبها بقوله تعالى :
﴿إلا أن تكون تجارة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة [ غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى، فدل أنها لازمة في المداينة ](١٠) حين رفع الجناح منها.
وأما عندنا فهي ليست بواجبة لأنه قال عز وجلا :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ثم أمر، فقال(١١) :﴿فإن أمن بعضكم بعضا فلود الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] ؛ ذكر الرهن بدلا عن الكتابة، ثم ذكر ترك. الرهن بالائتمان. فإذا كان له ترك الارتهان بالائتمان، وهو بدل الكتابة، فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان إن كان أصله مفروضا لم يتحمل ترك بدله بالائتمان. فإذا ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ فهذا لأن الكاتب مأمول عليه، فيؤدي حق ما ائتمن فيه، لا يزيد على ما أملي عليه بالنصيحة وأداء الأمانة. وهكذا الواجب على كل محكم(١٢) بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة لقوله(١٣) تعالى :﴿إن اله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمته بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨] وقوله تعالى :﴿يحكم به ذوا عدل بينكم﴾ [ المائدة ٩٥ ] وقوله(١٤) تعالى :﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢].
وقوله تعالى :﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما عمله الله فليكتب﴾ ؛ قال بعضهم : هذا ؛ وذلك أن(١٥) الكتبة كانوا في صدر الإسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكناية إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها.
وأما اليوم فلا بأس بالإنباء عليها [ من ](١٦) لم يجد من يكتب له بالأجر، فلا يبطل حقه.
وفيه وجه آخر، وهو أن قوله تعالى :﴿ولا يأب كاتب﴾ [ أي لا يأب الكاتب ](١٧) إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي له ترك الكتابة، ولكنه(١٨) إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿كما عمله الله﴾ وهو نقض على المعتزلة لأنهم يقولون : يكتب، وإن لم يعلمه الله، والله عز وجلا أخبر أنه يكتب بتعليم الله إياه، ولو كان التعليم من الله إتيان الأسباب لم يكن لقوله(١٩) تعالى :﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩] معنى لأنه قد أعطى أسبابه. والعدل ما ذكرنا : ألا يزيد على الحق ولا ينقص منه، وأصل العدل هو وضع الشيء موضعه.
وقوله تعالى :﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ ما عليه ﴿وليتق الله ربه [ ولا يبخس﴾ ](٢٠) ولا ينقص ﴿منه شيئا﴾ ؛ ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد في ما يملي على الكتاب ألا ينقص من حق الطالب شيئا.
وقوله تعالى :﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ قال قائلون : هذا كله واحد : السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل، وقال آخرون : بل يختلف : السفيه : هو الصغير ﴿فليملل وليه بالعدل﴾، والضعيف : هو المريض الذي لا يقدر أن يمل، والذي لا يستطيع أن يمل : هو الجاهل الذي لا يعرف أن يمل.
ثم اختلف في الولي : قال بعضهم : الولي هو صاحب الحق، يمل بالعدل بين يدي من عليه الحق لئلا يزيد على ذلك شيئا، فإذا زاده، أو نقصه، أنكر عليه صاحبه، وقال آخرون : الولي هو وصي الصغير أو ذو النسب(٢١) منه.
ثم المسألة في الحجر ؛ قال أبو حنيفة رضي الله عنه :( الحجر لا يمنع عقوده ) وقال محمد بن الحسن :( لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك استدلالا بظاهر قوله :﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ وإنما جعل الإملاء إلى الولي لا إليه، ولو كان يجوز إملاءه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره، دل أنه لا يجوز ).
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله تعالى :﴿وإذا تدانيتم بدين﴾ أجاز تداينه، فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه، ولأن السفينة لم يستفد الإذن من السلطان إنما استفاده عن الله تعالى، ولا يجوز حجر من لم يستفد الأذن(٢٢) منه.
وقوله تعالى :﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله ﴿فاكتبوه﴾ ؛ أمر جل وعلا بالإشهاد في البيع والتداين للمعنى الذي ذكرنا : أن ترك الإشهاد والكناية يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع عن الإنكار لخوف(٢٣) ظهور الكذب، ولم يصر شرطا في جواز التداين لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة، وكذلك الكتابة، فهو لما ذكرنا : أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو، فأمر بالإشهاد والكناية لئلا ينسى، أو يحمله ترك الإشهاد والكناية على الإنكار.
وأما الأمر بالإشهاد في النكاح ففي عقد النكاح نفسه ؛ دليله قوله [ عليه السلام ](٢٤) :( لا نكاح إلا بشهود ) [ نصب الراية ٣/١٦٧ ] لذلك صار شرطا في عقد النكاح، ولم يصر شرطا في المبايعة. ووجه آخر [ وهو ](٢٥) أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله، والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع ؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح. لذلك صار الإشهاد شرطا في عقد(٢٦) النكاح، ولم يكن شرطا في البيع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿واستشهدوا شهيدين من رجالهم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ في الآية دلالة [ على أن ](٢٧) من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو أيضا خلاف السنة ؛ لأن قوله تعالى :﴿واستشهدوا﴾ ليس هو الإشهاد، إنما هو الإحضار للشهادة ؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد إنما يقع عند الاستحضار، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما، ولأن الآية ذكرت حق الفضاء في المباهاة الواقعة، والأحكام إلى سبيلها زوم الفصل بالقضاء بين أربابها. فمن فصل القضاء [ بالقضاء ](٢٨) بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال الله تعالى :﴿ولا يشرك في حكمه أحد﴾ [الكهف: ٢٦].
وأما مخالفة السنة فقوله ﷺ ( البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ) [ الترمذي ١٣٤١ ] فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه ؛ فإذا كان كذلك، وقد جعل النبي ﷺ حجة المدعي عليه اليمين، ولم يجعل اليمين حجة المدعي، فلذلك(٢٩) قلنا : إنه المخالف لظاهر(٣٠) الكتاب والسنة، ولأن الله تعالى جعل المرأتين /٥١-ب/ في حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل. فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتيهن وتكلف القضاء فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن، لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين، والله أعلم.
فإن قيل عن رسول الله ﷺ إنه قضى به، قيل : إنه لم يروا أنه في ما قضى : في الأموال ؟ فلو(٣١) ثبت أنه في ما قضى لكنا نقضي به.
ثم قال الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين : إنه قضى بالشاهد واليمين في الأمان.
ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا، واليمين باب من يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يسترق. وأما الأموال فإن الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيله الشبهة من جميع الوجوه، وبالله التوفيق.
وأما شهادة النساء فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في الحدود خاصة فإنها غير مقبولة. أما جوازها في غير الحدود [ فمقبول ](٣٢) لأن الله تعالى ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال. ثم أجاز شهادتين في التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال، دل ذلك أن علة جواز شهادتين ليس هو المالية نفسها، وأجيزت شهادتين في المالية وفيه، وهو الأجل. فظهرت أن علتها ليست مالية.
وأما بطلان شاهدين في الحدود فلأن شهادتين إنما أجيزت بحكم البدل عن شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات وال
١ في ط ع: أشهد..
٢ في الأصل وم: الدين، في ط ع: الدين بدين..
٣ في النسخ الثلاث: المنتبايعان..
٤ من ط ع..
٥ في النسخ الثلاث: يفسد..
٦ من ط ع..
٧ في النسخ الثلاث: وجه..
٨ في النسخ الثلاث: بعض..
٩ في النسخ الثلاث: أن..
١٠ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
١١ في النسخ الثلاث: قال..
١٢ من ط ع وم، في الأصل: يحكم..
١٣ في النسخ الثلاث: كقوله..
١٤ في النسخ الثلاث: وكقوله..
١٥ في النسخ الثلاث: أن..
١٦ ساقطة من النسخ الثلاث..
١٧ من ط ع..
١٨ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٩ من ط ع، في الأصل وم: كقوله..
٢٠ من ط ع..
٢١ من ط ع، في الأصل وم: النصي..
٢٢ في ط ع وم: الإذن..
٢٣ من ط ع، في الأصل وم: ولخوف..
٢٤ من ط ع..
٢٥ من ط ع..
٢٦ في النسخ الثلاث: جواز..
٢٧ في ط ع وم: أن، ساقطة من الأصل..
٢٨ من ط ع..
٢٩ من م، في الأصل وط ع: فذلك..
٣٠ من ط ع وم، في الأصل: الظاهر..
٣١ في النسخ الثلاث: فإن..
٣٢ ساقطة من النسخ الثلاث..
٢ في الأصل وم: الدين، في ط ع: الدين بدين..
٣ في النسخ الثلاث: المنتبايعان..
٤ من ط ع..
٥ في النسخ الثلاث: يفسد..
٦ من ط ع..
٧ في النسخ الثلاث: وجه..
٨ في النسخ الثلاث: بعض..
٩ في النسخ الثلاث: أن..
١٠ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
١١ في النسخ الثلاث: قال..
١٢ من ط ع وم، في الأصل: يحكم..
١٣ في النسخ الثلاث: كقوله..
١٤ في النسخ الثلاث: وكقوله..
١٥ في النسخ الثلاث: أن..
١٦ ساقطة من النسخ الثلاث..
١٧ من ط ع..
١٨ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٩ من ط ع، في الأصل وم: كقوله..
٢٠ من ط ع..
٢١ من ط ع، في الأصل وم: النصي..
٢٢ في ط ع وم: الإذن..
٢٣ من ط ع، في الأصل وم: ولخوف..
٢٤ من ط ع..
٢٥ من ط ع..
٢٦ في النسخ الثلاث: جواز..
٢٧ في ط ع وم: أن، ساقطة من الأصل..
٢٨ من ط ع..
٢٩ من م، في الأصل وط ع: فذلك..
٣٠ من ط ع وم، في الأصل: الظاهر..
٣١ في النسخ الثلاث: فإن..
٣٢ ساقطة من النسخ الثلاث..