اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ :" وُسْعَهَا " مفعولٌ ثانٍ، وقال ابن عطية :" يُكَلِّفُ يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما محذوفٌ، تقديره : عبادةً أو شيئاً ". قال أبو حيان :" إن عَنَى أنَّ أصله كذا، فهو صحيحٌ ؛ لأنَّ قوله :" إِلاَّ وُسْعَهَا " استثناءٌ مفرَّغٌ من المفعول الثاني، وإن عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصناعة، فليس كذلك، بل الثاني هو " وُسْعَهَا " ؛ نحو :" مَا أَعْطَيْتُ زَيْداً إِلاَّ دِرْهَماً "، و " مَا ضَرَبْتُ إِلاَّ زَيْداً " هذا في الصِّناعة هو المفعول، وإن كان أصلُه : ما أعْطَيْتُ زَيْداً شَيْئاً إِلاَّ دِرْهَماً "، والوُسع : ما يسع الإنسانَ، ولا يضيقُ عليه، ولا يخرجُ منه.
قال الفرَّاء : هو اسم كالوجد والجهد.
وقال بعضهم : الوسع هو دون المجهود في المشقَّة، وهو ما يتَّسع له قدرة الإنسان.
وقرأ ابن أبي(١) عبلة :" إِلا وَسِعَهَا " جعله فعلاً ماضياً، وخرَّجوا هذه القراءة على أنَّ الفعل فيها صلةٌ لموصول محذوفٍ تقديره :" إِلاَّ ما وَسِعَهَا " وهذا الموصول هو المفعول الثاني، كما كان " وُسْعَهَا " كذلك في قراءة العامَّة، وهذا لا يجوز عند البصريِّين، بل عند الكوفيِّين، على أنَّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيفٌ جدّاً ؛ إذ لا دلالة عليه ؛ وهذا بخلاف قول الآخر حيث قال :[ الخفيف ]
وقال حسَّان أيضاً - [ الوافر ]
وقد تقدَّم تحقيق هذا، وهل لهذه الجملة محلٌّ من الإعراب، أم لا ؟ الظاهر الثاني ؛ لأنها سيقت للإخبار بذلك، وقيل : بل محلُّها نصبٌ ؛ عطفاً على " سَمِعْنَا " و " أَطَعْنَا "، أي : وقالوا أيضاً : لا يكلِّف الله نفساً، وقد خرِّجت هذه القراءة على وجه آخر ؛ وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفاً لفهم المعنى، وتجعل هذه الجملة الفعليَّة في محلِّ نصبٍ لهذا المفعول، والتقدير : لا يكلِّف الله نفساً شيئاً إلا وسعها. قال ابن عطية : وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوُّزٌ ؛ لأنه مقلوبٌ، وكان يجوز وجه اللفظ : إلا وسعته ؛ كما قال :﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٨]، ولكن يجيء هذا من باب " أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي ".
إن قلنا إِنَّه من كلام المؤمنين، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وأَطَعْنَا " فكأنَّهم قالوا : كيف نسمع ولا نطيع، وهو لا يكلِّفنا إلاَّ ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرَّحمة الإلهيَّة.
وإن قلنا : إنه من كلام الله - تبارك وتعالى -، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " ثم قالوا بعده :" غُفْرَانَكَ رَبَّنَا "، طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التَّقصير على سبيل الغفلة [ والسَّهو ؛ لأنَّهم لمَّا سمعوا وأطاعوا، لم يتعمّدوا التَّقصير، فطلبوا المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة ](٤)، فلا جرم خفَّف الله عنهم، وقال :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ والتَّكليف : هو إلزام ما فيه كلفة ومشقَّة، يقال : كلَّفته فتكلَّف.
استدلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها ؛ كقوله :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] على أنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وإذا ثبت هذا فهاهنا أصلان :
الأول : أن العبد موجدٌ لأفعال نفسه ؛ لأنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة، ولا قدرة للعبد البتَّة على فعله ولا تركه ؛ أمَّا أنَّه لا قدرة له على الفعل ؛ فلأنَّ ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأمَّا أنَّه لا قدرة للعبد على الدَّفع، فلأنَّ قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى، وإذا لم يخلق الله الفعل، استحال أن يكون للعبد قدرة على تحصيل الفعل ؛ فثبت أنَّه لو كان موجد فعل العبد هو الله، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق.
الثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل، وإلاَّ لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق.
وأجيبوا : بأنَّ الدَّلائل العقليَّة دلَّت على وقوع هذا التَّكليف، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية، وذلك من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ من مات على الكفر، تبيَّنَّا بموته على الكفر أنَّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنَّه يموت على الكفر، ولا يؤمن أصلاً، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النَّقيضين، وهذه الحجَّة كما جرت في العلم، فتجري أيضاً في الجبر.
وثانيها أيضاً : أن صدور الفعل عند العبد يتوقَّف على الدَّاعي، وتلك الدَّاعية مخلوقةٌ لله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك، لزم تكليف ما لا يطاق ؛ لأنَّ قدرة العبد لمَّا كانت صالحةً للفعل والترك، فلو ترجَّح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجِّح، لزم وقوع الممكن من غير مرجِّح، وذلك نفيٌ للصَّانع.
وإنما قلنا : إن تلك الدَّاعية من الله تعالى ؛ لأنَّها لو كانت من العبد، لافتقر إيجادها إلى داعيةٍ أخرى ولزم التَّسلسل، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك، لزم الجبر، لأنَّ عند حصول الدَّاعية المرجِّحة لأحد الطَّرفين، صار الطَّرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً، كان الرَّاجح واجباً ضرورة أنَّه لا خروج عن النَّقيضين ؛ فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلّف به، فلزم تكليف ما لا يطاق.
وثالثها : أنه تعالى كلَّف " أبَا لَهَب " بالإيمان، والإيمان تصديق الله في كلِّ ما أخبر عنه، ومن جملة ما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد صار " أبُو لَهَب " مكلَّفاً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق.
ورابعها : أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله ؛ لأن من حرَّك أصبعه، لم يعرف عدد الأحيان التي حرَّك أصبعه فيها، ولم يخطر بباله أنه حرَّك أصبعه في بعض الأوقات، وسكن في بعضها وأنَّه أين تحرَّك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله، لم يكن موجداً لها، وإذا لم يكن موجداً، لزم تكليف ما لا يطاق.
اختلفوا في تأويل هذه الآية :
فقال ابن عباس(٥) وعطاء وأكثر المفسِّرين : أراد به حديث النَّفس المذكور في قوله :﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
وروي عن ابن عباس(٦) ؛ أنه قال : هم المؤمنون خاصَّة، وسَّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلِّفهم فيه إلاَّ ما يطيقونه ؛ كقوله :﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قوله :﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذه الجملة لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها، وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنَّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها، واحتمالها ما حصَّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما [ لا ] تسعه، وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى، أم لا ؟ فقال بعضهم : نعم، وفرَّق بأنَّ الكسب أعمُّ، إذ يقال :" كَسَبَ " لنفسه ولغيره، و " اكْتَسَبَ " أخصُّ ؛ إذ لا يقال :" اكْتَسَبَ لِغَيْرِهِ " ؛ وأنشد قول الحطيئة :[ البسيط ]
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٧)
ويقال : هو كاسب أهله، ولا يقال : مكتسب أهله.
وقال الزمخشريُّ :" فإنْ قلت : لم خصَّ الخير بالكسب، والشرَّ بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ ممَّا تشتهيه النفس، وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به، كانت في تحصيله أعمل وآجد، فجعلت لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ".
وقال ابن عطيَّة : وكَرَّر فعلَ الكسب، فخَالَفَ بين التصريف حُسناً لنمط الكلام ؛ كقوله تعالى :﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧]، قال شهاب الدين :" والذي يظهر لي في هذا : أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلُّفٍ ؛ إذ كاسبها على جادَّة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها ؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين ؛ إحرزاً لهذا المعنى ".
وقال آخرون :" افْتَعَل " يدلُّ على شدَّة الكلفة، وفعل السَّيِّئة شديدٌ لما يئول إليه.
وقال الواحديُّ(٨) :" الصَّحيح عند أهل اللغة : أنَّ الكسب والاكتساب واحدٌ، لا فرق بينهما.
وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ ؛ قال تعالى :﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقال تعالى :﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال تعالى :﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقال تعالى :﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٨] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرِّ ".
قال ذو الرُّمَّة :[ البسيط ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** أَلْفَى أَبَاهُ بِذَاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ(٩)
وإنما أَتَى في الكسب باللام، وفي الاكتساب ب " عَلَى " ؛ لأنَّ اللام تقتضي الملك، والخير يحبُّ ويسر به، فجيء معه بما يقتضي الملك، ولمَّا كان الشرُّ يحذر، وهو ثقلٌ ووزرٌ على صاحبه جيء معه ب " عَلَى " المقتضية لاستعلائه عليه.
وقال بعضهم :" فيه إيذانٌ أنَّ أدنى فعلٍ من أفعال الخير يكون للإنسان تكرُّماً من الله على عبده ؛ حتَّى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ؛ لأنه من كسبه في الجملة، بخلاف العقوبة ؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدَّ فيها واجتهد "، وهذا مبنيٌّ على القول بالفرق بين البنائين، وهو الأظهر.
احتجت المعتزلة بهذه الآية على أنَّ فعل العبد بإيجاده ؛ قالوا : لأنَّ الآية صريحةٌ في إضافة خيره وشرِّه إليه، ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى، لبطلت هذه الإضافة، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه، وطوله، وشكله، وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها البتَّة.
قال القاضي(١٠) : لو كان تعالى خالقاً أفعالهم، فما فائدة التَّكليف، والكلام فيه معلوم.
احتجوا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة ؛ لأنَّه - تعالى - أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيَّن أن لها ث
قال الفرَّاء : هو اسم كالوجد والجهد.
وقال بعضهم : الوسع هو دون المجهود في المشقَّة، وهو ما يتَّسع له قدرة الإنسان.
وقرأ ابن أبي(١) عبلة :" إِلا وَسِعَهَا " جعله فعلاً ماضياً، وخرَّجوا هذه القراءة على أنَّ الفعل فيها صلةٌ لموصول محذوفٍ تقديره :" إِلاَّ ما وَسِعَهَا " وهذا الموصول هو المفعول الثاني، كما كان " وُسْعَهَا " كذلك في قراءة العامَّة، وهذا لا يجوز عند البصريِّين، بل عند الكوفيِّين، على أنَّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيفٌ جدّاً ؛ إذ لا دلالة عليه ؛ وهذا بخلاف قول الآخر حيث قال :[ الخفيف ]
| مَا الَّذِي دَأْبُهُ احْتِيَاطٌ وَحَزْمٌ | وَهَوَاهُ أَطَاعَ يَسْتَوِيَانِ(٢) |
| أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ | وَيَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ سَواءُ(٣) |
فصل في كيفيَّة النَّظم
إن قلنا إِنَّه من كلام المؤمنين، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وأَطَعْنَا " فكأنَّهم قالوا : كيف نسمع ولا نطيع، وهو لا يكلِّفنا إلاَّ ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرَّحمة الإلهيَّة.
وإن قلنا : إنه من كلام الله - تبارك وتعالى -، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " ثم قالوا بعده :" غُفْرَانَكَ رَبَّنَا "، طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التَّقصير على سبيل الغفلة [ والسَّهو ؛ لأنَّهم لمَّا سمعوا وأطاعوا، لم يتعمّدوا التَّقصير، فطلبوا المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة ](٤)، فلا جرم خفَّف الله عنهم، وقال :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ والتَّكليف : هو إلزام ما فيه كلفة ومشقَّة، يقال : كلَّفته فتكلَّف.
فصل في بيان مسألة تكليف ما لا يطاق
استدلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها ؛ كقوله :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] على أنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وإذا ثبت هذا فهاهنا أصلان :
الأول : أن العبد موجدٌ لأفعال نفسه ؛ لأنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة، ولا قدرة للعبد البتَّة على فعله ولا تركه ؛ أمَّا أنَّه لا قدرة له على الفعل ؛ فلأنَّ ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأمَّا أنَّه لا قدرة للعبد على الدَّفع، فلأنَّ قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى، وإذا لم يخلق الله الفعل، استحال أن يكون للعبد قدرة على تحصيل الفعل ؛ فثبت أنَّه لو كان موجد فعل العبد هو الله، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق.
الثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل، وإلاَّ لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق.
وأجيبوا : بأنَّ الدَّلائل العقليَّة دلَّت على وقوع هذا التَّكليف، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية، وذلك من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ من مات على الكفر، تبيَّنَّا بموته على الكفر أنَّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنَّه يموت على الكفر، ولا يؤمن أصلاً، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النَّقيضين، وهذه الحجَّة كما جرت في العلم، فتجري أيضاً في الجبر.
وثانيها أيضاً : أن صدور الفعل عند العبد يتوقَّف على الدَّاعي، وتلك الدَّاعية مخلوقةٌ لله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك، لزم تكليف ما لا يطاق ؛ لأنَّ قدرة العبد لمَّا كانت صالحةً للفعل والترك، فلو ترجَّح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجِّح، لزم وقوع الممكن من غير مرجِّح، وذلك نفيٌ للصَّانع.
وإنما قلنا : إن تلك الدَّاعية من الله تعالى ؛ لأنَّها لو كانت من العبد، لافتقر إيجادها إلى داعيةٍ أخرى ولزم التَّسلسل، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك، لزم الجبر، لأنَّ عند حصول الدَّاعية المرجِّحة لأحد الطَّرفين، صار الطَّرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً، كان الرَّاجح واجباً ضرورة أنَّه لا خروج عن النَّقيضين ؛ فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلّف به، فلزم تكليف ما لا يطاق.
وثالثها : أنه تعالى كلَّف " أبَا لَهَب " بالإيمان، والإيمان تصديق الله في كلِّ ما أخبر عنه، ومن جملة ما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد صار " أبُو لَهَب " مكلَّفاً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق.
ورابعها : أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله ؛ لأن من حرَّك أصبعه، لم يعرف عدد الأحيان التي حرَّك أصبعه فيها، ولم يخطر بباله أنه حرَّك أصبعه في بعض الأوقات، وسكن في بعضها وأنَّه أين تحرَّك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله، لم يكن موجداً لها، وإذا لم يكن موجداً، لزم تكليف ما لا يطاق.
فصل في تأويل هذه الآية
اختلفوا في تأويل هذه الآية :
فقال ابن عباس(٥) وعطاء وأكثر المفسِّرين : أراد به حديث النَّفس المذكور في قوله :﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
وروي عن ابن عباس(٦) ؛ أنه قال : هم المؤمنون خاصَّة، وسَّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلِّفهم فيه إلاَّ ما يطيقونه ؛ كقوله :﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله :﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قوله :﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذه الجملة لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها، وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنَّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها، واحتمالها ما حصَّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما [ لا ] تسعه، وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى، أم لا ؟ فقال بعضهم : نعم، وفرَّق بأنَّ الكسب أعمُّ، إذ يقال :" كَسَبَ " لنفسه ولغيره، و " اكْتَسَبَ " أخصُّ ؛ إذ لا يقال :" اكْتَسَبَ لِغَيْرِهِ " ؛ وأنشد قول الحطيئة :[ البسيط ]
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٧)
ويقال : هو كاسب أهله، ولا يقال : مكتسب أهله.
وقال الزمخشريُّ :" فإنْ قلت : لم خصَّ الخير بالكسب، والشرَّ بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ ممَّا تشتهيه النفس، وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به، كانت في تحصيله أعمل وآجد، فجعلت لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ".
وقال ابن عطيَّة : وكَرَّر فعلَ الكسب، فخَالَفَ بين التصريف حُسناً لنمط الكلام ؛ كقوله تعالى :﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧]، قال شهاب الدين :" والذي يظهر لي في هذا : أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلُّفٍ ؛ إذ كاسبها على جادَّة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها ؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين ؛ إحرزاً لهذا المعنى ".
وقال آخرون :" افْتَعَل " يدلُّ على شدَّة الكلفة، وفعل السَّيِّئة شديدٌ لما يئول إليه.
وقال الواحديُّ(٨) :" الصَّحيح عند أهل اللغة : أنَّ الكسب والاكتساب واحدٌ، لا فرق بينهما.
وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ ؛ قال تعالى :﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقال تعالى :﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال تعالى :﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقال تعالى :﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٨] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرِّ ".
قال ذو الرُّمَّة :[ البسيط ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** أَلْفَى أَبَاهُ بِذَاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ(٩)
وإنما أَتَى في الكسب باللام، وفي الاكتساب ب " عَلَى " ؛ لأنَّ اللام تقتضي الملك، والخير يحبُّ ويسر به، فجيء معه بما يقتضي الملك، ولمَّا كان الشرُّ يحذر، وهو ثقلٌ ووزرٌ على صاحبه جيء معه ب " عَلَى " المقتضية لاستعلائه عليه.
وقال بعضهم :" فيه إيذانٌ أنَّ أدنى فعلٍ من أفعال الخير يكون للإنسان تكرُّماً من الله على عبده ؛ حتَّى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ؛ لأنه من كسبه في الجملة، بخلاف العقوبة ؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدَّ فيها واجتهد "، وهذا مبنيٌّ على القول بالفرق بين البنائين، وهو الأظهر.
فصل في دفع شبهة للمعتزلة
احتجت المعتزلة بهذه الآية على أنَّ فعل العبد بإيجاده ؛ قالوا : لأنَّ الآية صريحةٌ في إضافة خيره وشرِّه إليه، ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى، لبطلت هذه الإضافة، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه، وطوله، وشكله، وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها البتَّة.
قال القاضي(١٠) : لو كان تعالى خالقاً أفعالهم، فما فائدة التَّكليف، والكلام فيه معلوم.
فصل
احتجوا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة ؛ لأنَّه - تعالى - أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيَّن أن لها ث
١ - انظر: الكشاف ١/٣٣٢، والمحرر الوجيز ١/٣٩٣، والبحر المحيط ٢/٣٨١، والدر المصون ١/٦٩٦..
٢ - تقدم برقم ٨٦٣..
٣ - تقدم برقم ٨٦٧..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٧٤..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - صدر بيت وعجزه:
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ينظر ديوانه (٢٠٨)، خزانة الأدب ٣/٢٩٤، الدر المصون ١/٦٩٦..
٨ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٣..
٩ - عجز بيت وصدره:
ومطعم الصيد هبّال لبغيته
ينظر ديوانه (٩٩)، اللسان: هبل، الدر المصون ١/٦٩٧..
١٠ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٤..
٢ - تقدم برقم ٨٦٣..
٣ - تقدم برقم ٨٦٧..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٧٤..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - صدر بيت وعجزه:
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ينظر ديوانه (٢٠٨)، خزانة الأدب ٣/٢٩٤، الدر المصون ١/٦٩٦..
٨ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٣..
٩ - عجز بيت وصدره:
ومطعم الصيد هبّال لبغيته
ينظر ديوانه (٩٩)، اللسان: هبل، الدر المصون ١/٦٩٧..
١٠ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٤..