غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فيغفر لمن يشاء﴾ بإدغام الراء في اللام : أبو عمرو. وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿فيغفر﴾ و ﴿يعذب﴾ برفع الراء والباء : يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ويعذب من يشاء﴾ كل القرآن. ﴿وكتابه﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وكتبه﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون ﴿أخطأنا﴾ مثل ﴿فادارأتم﴾[البقرة: ٧٢].
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.
قوله سبحانه ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. وإن قلنا إنه من كلام الله تعالى مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله تعالى عنهم إجابة لدعائهم. والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. ولكنه تعالى ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته. واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين : الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله تعالى لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد. ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق. الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. أما الأشاعرة فقالوا : تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين. والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع. لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار. على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال : لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ قال الواحدي : إن الكسب والاكتساب واحد. قال تعالى :﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقيل : الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة. وقيل : في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه. قالت المعتزلة : في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾[البقرة: ١٣٤]. واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه تعالى بيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر. وقال الجبائي : تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال. واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار. وفرعوا عليه مسائل منها : أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿لها ما كسبت﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر. ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿لها ما كسبت﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل. ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك. ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.
ثم إنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء :
الأول ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا. وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو : سافرت وعاقبت اللص. وقيل : معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه. وفي التفسير الكبير : إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب. والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله تعالى :﴿نسوا الله فنسيهم﴾[التوبة: ٦٧] أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر. وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله ﷺ :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء ؟ والجواب من وجوه : الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر. فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.
وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراءة ومع ذلك نسي فإنه يكون معذوراً. وروي أنه ﷺ كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال. الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل : إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به. الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿قل رب احكم بالحق﴾[الأنبياء: ١١٢]﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾[آل عمران: ١٩٤] وقالت الملائكة :﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾[غافر: ٧]. الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء. وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله تعالى عقلاً لما أرشد الله تعالى إلى طلب ترك المؤاخذة عليه. وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا : إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي. إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء. وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن يدعوه بترك المؤاخذة على تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.
النوع الثاني : من الدعاء ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره. يقال : ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.
فأجاب الله تعالى دعاءهم كما قال :﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾[الأعراف: ١٥٧] وقال ﷺ " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة. وقيل : معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول. قال بعض العلماء : اليهود لما كانت الفظاظة وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ. وأما أن اليهود لم خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.
النوع الثالث : الدعاء ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء. وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله :﴿لا طاقة لنا﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال في المملوك :" له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه. وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا : المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله. سلمنا أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿رب احكم بالحق﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل. وكذا قول إبراهيم ﷺ ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾[الشعراء: ٨٧] لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز. قيل : لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل ؟ وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل. قيل : لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب. والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم. ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا. وقيل : الأول طلب ترك التشديد في مقام القيام بظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.
وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿لا تؤاخذنا﴾ ﴿ولا تحمل علينا﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى. النوع الرابع من الدعاء ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله
التأويل : الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق. له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه. فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿أو تخفوه﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿يحاسبكم به الله﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ويعذب من يشاء﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿والله على كل شيء﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿قدير﴾ لما عرج بالنبي ﷺ إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾[النجم: ٩] أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فأجاب ﷺ بقوله :" السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ". فقيل له ﴿آمن الرسول﴾ عباناً ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿والمؤمنون كل آمن بالله﴾ إلى قوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ فقال الله تعالى : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة ؟ فقال النبي ﷺ ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك. قال الله في جوابه ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل : لو دنوت أنملة لاحترقت. وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير ؟ وإنما بلغك هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾[آل عمران: ٣١] فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير. فتارة أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب. فقال ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾[النساء: ٤٨] ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿واعف عنا﴾ حجب أنانيتنا ﴿واغفر لنا﴾ بشواهد هويتك ﴿وارحمنا﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿أنت مولانا﴾ وولينا في رفع وجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.
قوله سبحانه ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. وإن قلنا إنه من كلام الله تعالى مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله تعالى عنهم إجابة لدعائهم. والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. ولكنه تعالى ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته. واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين : الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله تعالى لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد. ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق. الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. أما الأشاعرة فقالوا : تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين. والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع. لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار. على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال : لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ قال الواحدي : إن الكسب والاكتساب واحد. قال تعالى :﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقيل : الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة. وقيل : في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه. قالت المعتزلة : في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾[البقرة: ١٣٤]. واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه تعالى بيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر. وقال الجبائي : تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال. واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار. وفرعوا عليه مسائل منها : أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿لها ما كسبت﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر. ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿لها ما كسبت﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل. ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك. ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.
ثم إنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء :
الأول ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا. وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو : سافرت وعاقبت اللص. وقيل : معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه. وفي التفسير الكبير : إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب. والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله تعالى :﴿نسوا الله فنسيهم﴾[التوبة: ٦٧] أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر. وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله ﷺ :" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء ؟ والجواب من وجوه : الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر. فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.
وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراءة ومع ذلك نسي فإنه يكون معذوراً. وروي أنه ﷺ كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال. الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل : إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به. الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿قل رب احكم بالحق﴾[الأنبياء: ١١٢]﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾[آل عمران: ١٩٤] وقالت الملائكة :﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾[غافر: ٧]. الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء. وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله تعالى عقلاً لما أرشد الله تعالى إلى طلب ترك المؤاخذة عليه. وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا : إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي. إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء. وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن يدعوه بترك المؤاخذة على تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.
النوع الثاني : من الدعاء ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره. يقال : ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.
فأجاب الله تعالى دعاءهم كما قال :﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾[الأعراف: ١٥٧] وقال ﷺ " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة. وقيل : معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول. قال بعض العلماء : اليهود لما كانت الفظاظة وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ. وأما أن اليهود لم خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.
النوع الثالث : الدعاء ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء. وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله :﴿لا طاقة لنا﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال في المملوك :" له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه. وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا : المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله. سلمنا أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿رب احكم بالحق﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل. وكذا قول إبراهيم ﷺ ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾[الشعراء: ٨٧] لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز. قيل : لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل ؟ وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل. قيل : لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب. والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم. ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا. وقيل : الأول طلب ترك التشديد في مقام القيام بظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.
وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿لا تؤاخذنا﴾ ﴿ولا تحمل علينا﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى. النوع الرابع من الدعاء ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله
التأويل : الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق. له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه. فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿أو تخفوه﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿يحاسبكم به الله﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ويعذب من يشاء﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿والله على كل شيء﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿قدير﴾ لما عرج بالنبي ﷺ إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾[النجم: ٩] أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فأجاب ﷺ بقوله :" السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ". فقيل له ﴿آمن الرسول﴾ عباناً ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿والمؤمنون كل آمن بالله﴾ إلى قوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ فقال الله تعالى : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة ؟ فقال النبي ﷺ ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك. قال الله في جوابه ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل : لو دنوت أنملة لاحترقت. وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير ؟ وإنما بلغك هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾[آل عمران: ٣١] فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير. فتارة أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب. فقال ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾[النساء: ٤٨] ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿واعف عنا﴾ حجب أنانيتنا ﴿واغفر لنا﴾ بشواهد هويتك ﴿وارحمنا﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿أنت مولانا﴾ وولينا في رفع وجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.
| بيني وبينك إنيَّ يزاحمني | فارفع بجودك إنّي من البين |