الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
الوسع‏ :‏ ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه
ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود‏. ‏ وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى‏ :‏ ‏ " ‏ يريد الله
بكم اليسر ‏ " ‏ الكهف‏ :‏ ١٨٥ لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس
ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة‏. ‏ وقرأ ابن أبي عبلة وسعها بالفتح ‏ " ‏ لها ما كسبت
وعليها ما اكتسبت ‏ " ‏ ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر لا يؤاخذ بذنبها
غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها‏. ‏
فإن قلت :‏ لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب قلت‏ :‏
في الاكتساب اعتمال فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في
تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه‏. ‏ ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما
لا دلالة فيه على الاعتمال‏. ‏ أي لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا‏. ‏
فإن قلت :‏ النسيان
والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما قلت‏ :‏ ذكر النسيان والخطأ
والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال‏. ‏ ألا ترى إلى قوله‏ :‏ ‏ " ‏ وما أنسانيه إلا
الشيطان ‏ " ‏ الكهف‏ :‏ ٦٣ والشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته
سبباً للتفريط الذي منه النسيان ولأنهم كانوا متقين الله حق تقاته فما كانت تفرط منهم فرطة
إلا على وجه النسيان والخطأ فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون
به كأنه قيل‏ :‏ إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان
ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد
بالنعمة فيه‏. ‏ والإصر‏ :‏ العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقبل به لثقله استعير
للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك‏. ‏
وقرئ‏ :‏ آصاراً على الجمع‏. ‏ وفي قراءة أبي‏ :‏ ولا تحمل علينا بالتشديد‏. ‏
فإن قلت :‏ أي فرق بين هذه التشديدة والتي في ‏ " ‏ ولا تحملنا ‏ " ‏ قلت‏ :‏ هذه للمبالغة في حمل عليه وتلك لنقل حمله من
مفعول واحد إلى مفعولين ‏ " ‏ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ‏ " ‏ من العقوبات النازلة بمن قبلنا طلبوا
الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم
في المحافظة عليها‏. ‏ وقيل‏ :‏ المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف‏. ‏ وهذا تكرير
لقوله‏ :‏ ‏ " ‏ ولا تحمل علينا إصراً ‏ " ‏‏. ‏ ‏ " ‏ مولانا ‏ " ‏ سيدنا ونحن عبيدك‏. ‏ أو ناصرنا‏. ‏ أو متولي أمورنا
‏ " ‏ فانصرنا ‏ " ‏ فمن حق المولى أن ينصر عبيده‏. ‏ أو فإن ذلك عادتك‏. ‏ أو فإن ذلك من أمورنا التي
عليك توليها‏. ‏ وعن ابن عباس‏ " ‏ أن رسول الله ﷺ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة‏ :‏ قد فعلت ‏ " ‏ وعنه عليه الصلاة والسلام‏ " ‏ من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاهُ ‏ " ‏ ‏. ‏

تفسير هذه الآية من كتب أخرى