محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿لا يكلّف اللّه نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ٢٨٦﴾.
﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾ أي لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه.
قال الرازيّ : يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله. ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. على نسق الكلام في قوله :﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾. وقالوا :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله :﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾. فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل / الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ثم قال الرازيّ في كيفية النظم : إن قلنا : إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه النظم أنهم لما قالوا :﴿سمعنا وأطعنا﴾ فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهيّن، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى، فوجه النظم أنهم لما قالوا :﴿سمعنا وأطعنا﴾. ثم قالوا بعده :﴿غفرانك ربنا﴾، دل ذلك على أن قولهم :﴿غفرانك﴾، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد. فلما كان قولهم ﴿غفرانك﴾ طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم. وقال :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. والمعنى : أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم :﴿غفرانك ربنا﴾.
قال زين العابدين پير محمد دره في ( المدحة الكبرى ) : وعلى احتمال أن يكون قوله :﴿لا يكلف الله..﴾ إلخ. حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على تقدير قالوا. قال بعضهم : ولك أن تجعل ﴿لا يكلف الله...﴾ إلخ في حيز القول. وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. ويكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. ولا يتضرر بعمل الشر، بل هو عليهم.
قال البقاعيّ : وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول ﷺ عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس. لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه.
ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفِّه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم : ﴿سمعنا وأطعنا﴾، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما شق عليهم من قوله :﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾، الآية. بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم : سمعنا وعصينا، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم. ويؤيد هذا الاحتمال إتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله :﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ قال العلاّمة أبو السعود. قوله تعالى :﴿لها ما كسبت﴾ إلخ. للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة. وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها. وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه.
قال الحراليّ : وصيغة ( فَعَلَ ) مجردة، تعرب عن أدنى الكسب. فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة.
لطيفة :
وقال الجاربرديّ في ( شرح الشافية ) : معنى الكسب تحصيل الشيء على أي وجه كان. والاكتساب المبالغة والاعتمال فيه. ومن ذلك قوله تعالى :﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وفيه تنبيه على لطف الله تعالى بخلقه، إذ أثبت لهم ثواب الفعل على أي وجه كان. ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلا على وجه مبالغة واعتمال فيه.
قال الزمخشريّ : لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ. فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله، وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف. انتهى.
قال العلاّمة ابن جماعة في ( حواشيه ) : تفرقته بين الكسب والاكتساب هو ما قاله الزمخشريّ وغيره ونصّ عليه سيبويه. قال الحلبيّ : وهو الأظهر. وقال قوم : لا فرق. قالوا : وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال تعالى :﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ (١). ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ (٢). ﴿بلى من كسب سيئة﴾ (٣). وقال تعالى :﴿بغير ما اكتسبوا﴾ (٤). فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر. وقال الو احديّ : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد. وفي ( القاموس ) : كسبه يكسبه كسبا، وتكسب واكتسب : طلب الرزق. أو كسب أصاب، واكتسب تصرف واجتهد. ثم قال ابن جماعة : ما ذكره من تنبيه الآية على لطف الله بخلقه إلى آخره، قاله ابن الحاجب في شرح ( المفصل ) وبمعناه قول بعضهم : في الآية إيذان أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرما من الله على عبده، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد. وقريب منه قول آخر : للنفس ما حصل من الثواب بأي وجه اتفق حصوله سواء كان بإصابة مجردة أو بتحصيل. وعليها ما حصلته وسعت فيه لا ما حصل من غير اختيار / وسعى. نبّه تعالى أن الثواب حاصل لها سواء كان بسعيها واختيارها أو لم يكن كذلك. وأما العقاب فلا يكون عليها إلا بقصدها وتحصيلها.
وما قالوه من الفرق يحتاج إلى ثبت. وقد قال تعالى :﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره﴾ (٥) أي يرى جزاءه. وقال :﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٦). على أن ترتب الثواب على ما حصل من غير سعي واختيار، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه، فالعقاب أيضا كذلك. فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها، وإن صوّر بالإصابة عند أول الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله. ومدعي خلافه عليه البيان. ثم الإصرار شرط. لأن الرجوع يمحوه لكنّه قدر زائد على الفعل. وبالجملة فما قاله جار الله حسن. وقد ذكره البيضاويّ أيضا. وفي إعراب الحلبيّ : الذي يظهر في هذا، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف. إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب بتكلف. إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها. فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى والله أعلم. ثم قال ابن جماعة : والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر. والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته. انتهى.
قال البقاعيّ ولما بشرهم بذلك، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتَّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلّي، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا، ولا بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا. بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء. ولا حملهم فوق طاقتهم. مع أن له جميع ذلك. وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم. ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة. فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر. ويظهر دينهم على كل دين. إذ كان سبحانه هو الداعي عنهم. وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال تعالى :﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ أي لا تعاقبنا ﴿إن نسينا﴾ أمرك ونهيك ﴿أو / أخطأنا﴾ أي ففعلنا خلاف الصواب، تفريطا ونحوه.
وقد وَلِعَ كثير من المفسرين ههنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفوّ عنهما، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه. وأرق جواب رأيته قول العلاّمة پير محمد في ( المدحة الكبرى ) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة. كقوله تعالى :﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ (٧).
وقيل في معنى الآية : لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة. على أن يكون النسيان بمعنى الترك. والخطأ من الخطيئة. وعليه فلا إيراد، والله أعلم.
﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا﴾ أي عهدا يثقل علينا.
قال الحراليّ : الإصر العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ وهو ما كُلِّفَهُ بنو إسرائيل مما يهد الأركان. ولا بأس بالإشارة إلى جُمَلٍ مما حملوه من الآصار. ننقله عن أسفارهم تأكيدا لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وتعظيما لمنته تعالى، فلله الحمد فنقول : في سفر الخروج في الأصحاح الثاني عشر :
( ١٥ ) سبعة أيام تأكلون فطيرا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم. فإن كل من أكل خميرا من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل.
وكل هذا الأصحاح آصار شاقة.
وفي السفر المذكور في الأصحاح الحادي والعشرين :
( ١٥ ) ومن ضرب أباه أو أُمه يقتل قتلا ( ١٦ ) ومن سرق إنسانا وباعه أو وُجد في يده يقتل قتلا.
( ١٧ ) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. ( ٢٧ ) وإن أسقط سن عبده أو سن أمته يُطلقْه حرّا عوضا عن سنه ( ٢٨ ) وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئا ( ٢٩ ) ولكن إن كان ثورا نطّاحا من قبل وقد أُشْهِد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل.
وفي السفر المذكور، في الأصحاح الثالث والعشرين.
( ١٠ ) وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها ( ١١ ) وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك وزيتونك.
( ١٢ ) ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب.
( ١٩ ) أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك.
وفي سفر العدد، في الأصحاح الخامس عشر :
( ٣٧ ) وكلم الرب موسى قائلا ( ٣٨ ) كلِّمْ بني إسرائيل وقل لهم : أن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانْجُونيٍّ ( ٣٩ ) فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعملونها.
وفي السفر المذكور، في الأصحاح التاسع عشر :
( ١١ ) من مسّ ميْتاً مَيْتَةً إنسانٍ ما يكون نجسا سبعة أيام. ( ١٢ ) يتطهر به في اليوم الثالث، وفي السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثا
﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾ أي لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه.
قال الرازيّ : يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله. ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. على نسق الكلام في قوله :﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾. وقالوا :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله :﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾. فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل / الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ثم قال الرازيّ في كيفية النظم : إن قلنا : إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه النظم أنهم لما قالوا :﴿سمعنا وأطعنا﴾ فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهيّن، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى، فوجه النظم أنهم لما قالوا :﴿سمعنا وأطعنا﴾. ثم قالوا بعده :﴿غفرانك ربنا﴾، دل ذلك على أن قولهم :﴿غفرانك﴾، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد. فلما كان قولهم ﴿غفرانك﴾ طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم. وقال :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. والمعنى : أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى :﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها﴾. وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم :﴿غفرانك ربنا﴾.
قال زين العابدين پير محمد دره في ( المدحة الكبرى ) : وعلى احتمال أن يكون قوله :﴿لا يكلف الله..﴾ إلخ. حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على تقدير قالوا. قال بعضهم : ولك أن تجعل ﴿لا يكلف الله...﴾ إلخ في حيز القول. وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. ويكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. ولا يتضرر بعمل الشر، بل هو عليهم.
قال البقاعيّ : وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول ﷺ عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس. لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه.
ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفِّه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم : ﴿سمعنا وأطعنا﴾، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما شق عليهم من قوله :﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم﴾، الآية. بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم : سمعنا وعصينا، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم. ويؤيد هذا الاحتمال إتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله :﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ قال العلاّمة أبو السعود. قوله تعالى :﴿لها ما كسبت﴾ إلخ. للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة. وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها. وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه.
قال الحراليّ : وصيغة ( فَعَلَ ) مجردة، تعرب عن أدنى الكسب. فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة.
لطيفة :
وقال الجاربرديّ في ( شرح الشافية ) : معنى الكسب تحصيل الشيء على أي وجه كان. والاكتساب المبالغة والاعتمال فيه. ومن ذلك قوله تعالى :﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وفيه تنبيه على لطف الله تعالى بخلقه، إذ أثبت لهم ثواب الفعل على أي وجه كان. ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلا على وجه مبالغة واعتمال فيه.
قال الزمخشريّ : لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ. فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله، وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف. انتهى.
قال العلاّمة ابن جماعة في ( حواشيه ) : تفرقته بين الكسب والاكتساب هو ما قاله الزمخشريّ وغيره ونصّ عليه سيبويه. قال الحلبيّ : وهو الأظهر. وقال قوم : لا فرق. قالوا : وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال تعالى :﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ (١). ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ (٢). ﴿بلى من كسب سيئة﴾ (٣). وقال تعالى :﴿بغير ما اكتسبوا﴾ (٤). فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر. وقال الو احديّ : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد. وفي ( القاموس ) : كسبه يكسبه كسبا، وتكسب واكتسب : طلب الرزق. أو كسب أصاب، واكتسب تصرف واجتهد. ثم قال ابن جماعة : ما ذكره من تنبيه الآية على لطف الله بخلقه إلى آخره، قاله ابن الحاجب في شرح ( المفصل ) وبمعناه قول بعضهم : في الآية إيذان أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرما من الله على عبده، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد. وقريب منه قول آخر : للنفس ما حصل من الثواب بأي وجه اتفق حصوله سواء كان بإصابة مجردة أو بتحصيل. وعليها ما حصلته وسعت فيه لا ما حصل من غير اختيار / وسعى. نبّه تعالى أن الثواب حاصل لها سواء كان بسعيها واختيارها أو لم يكن كذلك. وأما العقاب فلا يكون عليها إلا بقصدها وتحصيلها.
وما قالوه من الفرق يحتاج إلى ثبت. وقد قال تعالى :﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره﴾ (٥) أي يرى جزاءه. وقال :﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٦). على أن ترتب الثواب على ما حصل من غير سعي واختيار، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه، فالعقاب أيضا كذلك. فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها، وإن صوّر بالإصابة عند أول الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله. ومدعي خلافه عليه البيان. ثم الإصرار شرط. لأن الرجوع يمحوه لكنّه قدر زائد على الفعل. وبالجملة فما قاله جار الله حسن. وقد ذكره البيضاويّ أيضا. وفي إعراب الحلبيّ : الذي يظهر في هذا، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف. إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب بتكلف. إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها. فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى والله أعلم. ثم قال ابن جماعة : والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر. والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته. انتهى.
قال البقاعيّ ولما بشرهم بذلك، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتَّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلّي، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا، ولا بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا. بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء. ولا حملهم فوق طاقتهم. مع أن له جميع ذلك. وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم. ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة. فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر. ويظهر دينهم على كل دين. إذ كان سبحانه هو الداعي عنهم. وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال تعالى :﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ أي لا تعاقبنا ﴿إن نسينا﴾ أمرك ونهيك ﴿أو / أخطأنا﴾ أي ففعلنا خلاف الصواب، تفريطا ونحوه.
وقد وَلِعَ كثير من المفسرين ههنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفوّ عنهما، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه. وأرق جواب رأيته قول العلاّمة پير محمد في ( المدحة الكبرى ) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة. كقوله تعالى :﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ (٧).
وقيل في معنى الآية : لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة. على أن يكون النسيان بمعنى الترك. والخطأ من الخطيئة. وعليه فلا إيراد، والله أعلم.
﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا﴾ أي عهدا يثقل علينا.
قال الحراليّ : الإصر العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ وهو ما كُلِّفَهُ بنو إسرائيل مما يهد الأركان. ولا بأس بالإشارة إلى جُمَلٍ مما حملوه من الآصار. ننقله عن أسفارهم تأكيدا لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وتعظيما لمنته تعالى، فلله الحمد فنقول : في سفر الخروج في الأصحاح الثاني عشر :
( ١٥ ) سبعة أيام تأكلون فطيرا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم. فإن كل من أكل خميرا من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل.
وكل هذا الأصحاح آصار شاقة.
وفي السفر المذكور في الأصحاح الحادي والعشرين :
( ١٥ ) ومن ضرب أباه أو أُمه يقتل قتلا ( ١٦ ) ومن سرق إنسانا وباعه أو وُجد في يده يقتل قتلا.
( ١٧ ) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. ( ٢٧ ) وإن أسقط سن عبده أو سن أمته يُطلقْه حرّا عوضا عن سنه ( ٢٨ ) وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئا ( ٢٩ ) ولكن إن كان ثورا نطّاحا من قبل وقد أُشْهِد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل.
وفي السفر المذكور، في الأصحاح الثالث والعشرين.
( ١٠ ) وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها ( ١١ ) وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك وزيتونك.
( ١٢ ) ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب.
( ١٩ ) أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك.
وفي سفر العدد، في الأصحاح الخامس عشر :
( ٣٧ ) وكلم الرب موسى قائلا ( ٣٨ ) كلِّمْ بني إسرائيل وقل لهم : أن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانْجُونيٍّ ( ٣٩ ) فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعملونها.
وفي السفر المذكور، في الأصحاح التاسع عشر :
( ١١ ) من مسّ ميْتاً مَيْتَةً إنسانٍ ما يكون نجسا سبعة أيام. ( ١٢ ) يتطهر به في اليوم الثالث، وفي السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثا
١ [٧٤/ المدثر/ ٣٨]..
٢ [٦/ الأنعام/ ١٦٤] ونصها: ﴿قل أغير اللّه أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ١٦٤﴾..
٣ [٢/ البقرة/ ٨١] ونصها: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٨١﴾..
٤ [٣٣/ الأحزاب/ ٥٨] ونصها: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ٥٨﴾..
٥ [٩٩/ الزلزلة/ ٧ و٨ ]..
٦ [٤/ النساء/ ٤٨] ونصها: ﴿إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما عظيما ٤٨﴾..
٧ [٢٣/ المؤمنون/ ٦٠] ﴿... أنهم إلى ربهم راجعون ٦٠﴾..
٢ [٦/ الأنعام/ ١٦٤] ونصها: ﴿قل أغير اللّه أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ١٦٤﴾..
٣ [٢/ البقرة/ ٨١] ونصها: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٨١﴾..
٤ [٣٣/ الأحزاب/ ٥٨] ونصها: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ٥٨﴾..
٥ [٩٩/ الزلزلة/ ٧ و٨ ]..
٦ [٤/ النساء/ ٤٨] ونصها: ﴿إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما عظيما ٤٨﴾..
٧ [٢٣/ المؤمنون/ ٦٠] ﴿... أنهم إلى ربهم راجعون ٦٠﴾..