الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾. . هذه الجملةُ يجوز إلاَّ يكونَ لها مَحَلٌّ من الإِعرابِ لاستئنافِها، وأنْ يكونَ محلُّها الجرَّ لعطفِها على " قال ربك ". و " عَلَّم " هذه متعديةٌ إلى اثنين، وكانت قبلَ التضعيفِ متعديةً لواحدٍ لأنها عرفانيةٌ، فتعدَّت بالتضعيفِ لآخرَ، وفَرَّقوا بين " عَلِم " العُرْفانيةِ واليقينيةِ في التعديةِ، فإذا أرادوا أن يُعَدُّوا العرفانيةَ عَدَّوْها بالتضعيف، وإذا أرادوا أن يُعَدُّوا اليقينيةَ عَدَّوْها بالهمزةِ، ذكر ذلك أبو علي علي الشلوبين، وفاعلُ " عَلَّم " يعودُ على الباري تعالى، و " آدمَ " مفعولُه.
وفيه ستةُ أقوال، أرجحُها [ أنه ] اسمٌ أعجميٌّ غيرُ مشتقٍّ، ووزنُه فاعَل كنظائِره نحو : آزَر وشالَح، وإنما مُنع من الصرفِ للعَلَمِيَّة والعجمةِ الشخصيةِ، الثاني : أنه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهي حُمْرَةٌ تميلُ إلى السوادِ، الثالث : أنه مشتقٌّ من أَديمِ الأرض، [ وهو أوجَهُها ومُنِعَ من الصَّرْف على هذين القولين للوزنِ والعلميةِ. الرابعُ : أنه مشتقٌّ من أديمِ الأرض ] أيضاً على هذا الوزنِ أعني وزنَ فاعَل وهذا خطأ، لأنه كان ينبغي أن يَنْصَرِفَ. الخامس : أنه عِبْرِيٌّ من الإِدام وهو الترابُ. السادس : قال الطبري :" إنه في الأصل فِعْلٌ رباعي مثل : أَكْرَم، وسُمِّي به لغرضِ إظهارِ الشيء حتى تُعْرَفَ جِهتُه " والحاصلُ أنَّ ادِّعاءَ الاشتقاق فيه بعيدٌ، لأنَّ الأسماءَ الأعجميةَ لا يَدْخُلُها اشتقاقٌ ولا تصريفٌ، وآدمُ وإن كانَ مفعولاً لفظاً فهو فاعِلٌ معنى، و " الأسماءَ " مفعولٌ ثانٍ، والمسألةُ من باب أعطى وكسا، وله أحكامٌ تأتي إن شاء الله تعالى.
وقُرئ :" عُلِّم " مبنياً للمفعول، و " آدمُ " رفعا لقيامهِ مَقامَ الفاعلِ. و " كلَّها " تأكيدٌ للأسماء تابعٌ أبداً، وقد يلي العواملَ كما تقدَّم. وقولُه " الأسماء كلَّها " الظاهرُ أنه لا يَحْتَاج إلى ادِّعاءِ حَذْفٍ، لأنَّ المعنى : وَعلَّم آدَمَ الأسماءَ، [ ولم يُبَيِّنْ لنا أسماءً مخصوصةً، بل دَلَّ كلُّها على الشمولِ، والحكمةُ حاصلةٌ بتعلُّمِ الأسماءِ ]، وإنْ لم يَعْلَمْ مُسَمَّياتِها، أو يكونُ أَطْلَقَ الأسماءَ وأراد المسميَّات، فعلى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل : لا بدَّ من حذفٍ واختلفوا فيه، فقيل : تقديرُه : أسماءَ المسمَّيات، فَحُذِفَ المضافُ إليه للعلم. قال الزمخشري :" وعُوَِّض منه اللامُ، كقوله تعالى :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم: ٤] ورُجِّح هذا القول بقولِه تعالى :﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ. . . فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣١-٣٣] ولم يَقُل : أنبئوني بهؤلاءِ فلمَّا أنبأهم بهم. ولكن في قوله : وعُوَّض منه اللام " نظرٌ، لأن الألف واللام لا يَقُومان مقامَ الإِضافةِ عند البصريين. وقيل : تقديرُه مُسَمَّياتِ الأسماء، فَحُذِف المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامه، ورُجِّح هذا القولُ بقولِه تعالى :﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ لأن الأسماءَ لا تُجْمَع كذلك، فدلَّ عَوْدَه على المسميَّاتِ.
ونحوُ هذه الآيةِ قولُه تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾
[النور: ٤٠] تقديرُه : أو كذي ظُلُمات، فالهاءُ في " يَغْشَاه " تعودُ على " ذي " المحذوفِ.
قوله :﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾ " ثم " حرفٌ للتراخي كما تقدَّم، والضميرُ في " عَرَضَهُمْ " للمسمِّياتِ المقدَّرةِ أو لإِطلاقِ الأسماءِ وإرادةِ المسمَّيات، كما تقدَّم. وقيل : يعودُ على الأسماءِ ونُقِل عن ابنِ عباس، ويؤيِّدهُ قراءةُ مَنْ قرأ :" عَرَضَها وعَرَضَهُنَّ " إلا أنَّ في هذا القول جَعْلَ ضميرِ غير العقلاء كضمير العقلاءِ، أو نقول : إنما قال ابن عباس ذلك بناءً منه أنّه أطلقَ الأسماء وأراد المسمَّيات كما تقدَّم وهو واضحٌ. و " على الملائكة " متعلق ب " عرضهم ".
قوله :﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ﴾ الإِنباءُ : الإِخبارُ، وأَصلُ " أنبأ " أن يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرفِ الجر كهذه الآية، وقد يُحْذَفُ الحرفُ، قال تعالى :﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] أي : بهذا وقد يتضمَّن معنى " أَعْلَم " اليقينية، فيتعدَّى تعديتَهَا إلى ثلاثةِ مفاعيل، ومثلُ أنبأ : نَبَّأ وأخبر، وخبَّر وحدَّث. و " هؤلاء " في محلِّ خفضٍ بالإِضافة، وهو اسمُ إشارة ورتبتُه دنيا، ويُمَدُّ ويُقْصَرُ، كقولِه :
والمشهورُ بناؤُه على الكسرِ، وقد يُضَمُّ وقد يُنَوَّنُ مكسوراً، وقد تُبْدَلُ همزتُه هاءً، فتقولُ : هَؤُلاه، وقد يقال : هَوْلا، كقوله :
ولامُه عند الفارسي همزةٌ فتكونُ فاؤُه ولامُه من مادةٍ واحدةٍ، وعند المبرِّد أصلُها ياءٌ وإنما قُلِبَتْ همزةً لتطرُّفها بعد الألفِ الزائدة.
قوله :﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قد تقدَّم نظيره، وجوابُه محذوف أي : إنْ كنتمْ صادقين فأنبئوني، والكوفيون والمبرد يَرَوْنَ أنَّ الجوابَ هو المتقدِّمُ، وهو مردودٌ بقولِهِم :" أنتَ ظالمٌ إن فعلْتَ " لأنه لو كان جواباً لوَجَبَت الفاءُ معه، كما تَجِبُ متأخراً، وقال ابن عطية :" إنَّ كونَ الجوابِ محذوفاً وهو رأيُ المبرد وكونَه متقدِّماً هو رأيُ سيبويه " وهو وَهْمٌ.
وفيه ستةُ أقوال، أرجحُها [ أنه ] اسمٌ أعجميٌّ غيرُ مشتقٍّ، ووزنُه فاعَل كنظائِره نحو : آزَر وشالَح، وإنما مُنع من الصرفِ للعَلَمِيَّة والعجمةِ الشخصيةِ، الثاني : أنه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهي حُمْرَةٌ تميلُ إلى السوادِ، الثالث : أنه مشتقٌّ من أَديمِ الأرض، [ وهو أوجَهُها ومُنِعَ من الصَّرْف على هذين القولين للوزنِ والعلميةِ. الرابعُ : أنه مشتقٌّ من أديمِ الأرض ] أيضاً على هذا الوزنِ أعني وزنَ فاعَل وهذا خطأ، لأنه كان ينبغي أن يَنْصَرِفَ. الخامس : أنه عِبْرِيٌّ من الإِدام وهو الترابُ. السادس : قال الطبري :" إنه في الأصل فِعْلٌ رباعي مثل : أَكْرَم، وسُمِّي به لغرضِ إظهارِ الشيء حتى تُعْرَفَ جِهتُه " والحاصلُ أنَّ ادِّعاءَ الاشتقاق فيه بعيدٌ، لأنَّ الأسماءَ الأعجميةَ لا يَدْخُلُها اشتقاقٌ ولا تصريفٌ، وآدمُ وإن كانَ مفعولاً لفظاً فهو فاعِلٌ معنى، و " الأسماءَ " مفعولٌ ثانٍ، والمسألةُ من باب أعطى وكسا، وله أحكامٌ تأتي إن شاء الله تعالى.
وقُرئ :" عُلِّم " مبنياً للمفعول، و " آدمُ " رفعا لقيامهِ مَقامَ الفاعلِ. و " كلَّها " تأكيدٌ للأسماء تابعٌ أبداً، وقد يلي العواملَ كما تقدَّم. وقولُه " الأسماء كلَّها " الظاهرُ أنه لا يَحْتَاج إلى ادِّعاءِ حَذْفٍ، لأنَّ المعنى : وَعلَّم آدَمَ الأسماءَ، [ ولم يُبَيِّنْ لنا أسماءً مخصوصةً، بل دَلَّ كلُّها على الشمولِ، والحكمةُ حاصلةٌ بتعلُّمِ الأسماءِ ]، وإنْ لم يَعْلَمْ مُسَمَّياتِها، أو يكونُ أَطْلَقَ الأسماءَ وأراد المسميَّات، فعلى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل : لا بدَّ من حذفٍ واختلفوا فيه، فقيل : تقديرُه : أسماءَ المسمَّيات، فَحُذِفَ المضافُ إليه للعلم. قال الزمخشري :" وعُوَِّض منه اللامُ، كقوله تعالى :﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم: ٤] ورُجِّح هذا القول بقولِه تعالى :﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ. . . فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣١-٣٣] ولم يَقُل : أنبئوني بهؤلاءِ فلمَّا أنبأهم بهم. ولكن في قوله : وعُوَّض منه اللام " نظرٌ، لأن الألف واللام لا يَقُومان مقامَ الإِضافةِ عند البصريين. وقيل : تقديرُه مُسَمَّياتِ الأسماء، فَحُذِف المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامه، ورُجِّح هذا القولُ بقولِه تعالى :﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ لأن الأسماءَ لا تُجْمَع كذلك، فدلَّ عَوْدَه على المسميَّاتِ.
ونحوُ هذه الآيةِ قولُه تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾
[النور: ٤٠] تقديرُه : أو كذي ظُلُمات، فالهاءُ في " يَغْشَاه " تعودُ على " ذي " المحذوفِ.
قوله :﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾ " ثم " حرفٌ للتراخي كما تقدَّم، والضميرُ في " عَرَضَهُمْ " للمسمِّياتِ المقدَّرةِ أو لإِطلاقِ الأسماءِ وإرادةِ المسمَّيات، كما تقدَّم. وقيل : يعودُ على الأسماءِ ونُقِل عن ابنِ عباس، ويؤيِّدهُ قراءةُ مَنْ قرأ :" عَرَضَها وعَرَضَهُنَّ " إلا أنَّ في هذا القول جَعْلَ ضميرِ غير العقلاء كضمير العقلاءِ، أو نقول : إنما قال ابن عباس ذلك بناءً منه أنّه أطلقَ الأسماء وأراد المسمَّيات كما تقدَّم وهو واضحٌ. و " على الملائكة " متعلق ب " عرضهم ".
قوله :﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ﴾ الإِنباءُ : الإِخبارُ، وأَصلُ " أنبأ " أن يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرفِ الجر كهذه الآية، وقد يُحْذَفُ الحرفُ، قال تعالى :﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] أي : بهذا وقد يتضمَّن معنى " أَعْلَم " اليقينية، فيتعدَّى تعديتَهَا إلى ثلاثةِ مفاعيل، ومثلُ أنبأ : نَبَّأ وأخبر، وخبَّر وحدَّث. و " هؤلاء " في محلِّ خفضٍ بالإِضافة، وهو اسمُ إشارة ورتبتُه دنيا، ويُمَدُّ ويُقْصَرُ، كقولِه :
| هَؤُلا ثُمَّ هَؤُلا كُلاًّ أعطَيْ | تَ نِعالاً محْذُوَّة بمِثالِ |
| تجلَّدْ لا يَقُلْ هَوْلا هَذَا | بكَى لَمَّا بكى أَسَفا عليكما |
قوله :﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قد تقدَّم نظيره، وجوابُه محذوف أي : إنْ كنتمْ صادقين فأنبئوني، والكوفيون والمبرد يَرَوْنَ أنَّ الجوابَ هو المتقدِّمُ، وهو مردودٌ بقولِهِم :" أنتَ ظالمٌ إن فعلْتَ " لأنه لو كان جواباً لوَجَبَت الفاءُ معه، كما تَجِبُ متأخراً، وقال ابن عطية :" إنَّ كونَ الجوابِ محذوفاً وهو رأيُ المبرد وكونَه متقدِّماً هو رأيُ سيبويه " وهو وَهْمٌ.