مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾. اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوما لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية. بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني. واحتجوا عليه بقوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ والكلام على التمسك بهذه الآية سؤالا وجوابا ذكرناه في أصول الفقه. وقال أبو هاشم : إنه لابد من تقدم لغة اصطلاحية واحتج على أنه لابد وأن يكون الوضع مسبوقا بالاصطلاح بأمور. أحدها : أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظة لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفة الله تعالى معلومة بالضرورة مع أنه ذاته معلومة بالاستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد. وثانيها : أنه تعالى خاطب الملائكة وذلك يوجب تقدم لغة على ذلك التكلم. وثالثها : أن قوله ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء. وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم. ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدما على ذلك التعليم. والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعا وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس ؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل. سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد. وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها. وعن الثالث : لا شك أن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفي ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء، وعن الرابع : ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية : من الناس من قال قوله ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ؛ فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه، أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة، أولى من حمله على ما ليس كذلك، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة، فإن من كان عالما باللغة والفصاحة، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم، فإن حصل التعليم، حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه. القول الثاني : وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات، فغلب عليه ذلك اللسان، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام. قال أهل المعاني : قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء﴾ لابد فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكن الأول أولى لقوله ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ وقوله تعالى ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلا، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء، فغلب الأكمل، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا.
المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿إن كنتم صادقين﴾.
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثا إلى حواء ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا، وإذا ثبت كونه معجزا ثبت كونه رسولا في ذلك الوقت، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة. وأيضا فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسما لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين. الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات. وكان كل صنف جاهلا بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزا. الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزا، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذ يصير الكلام في هذه المسألة فرعا على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبيا في ذلك الوقت بوجوه. أحدها : أنه لو كان نبيا في ذلك الزمان لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة. وذلك غير جائز، فوجب أن لا يكون نبيا في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة. وثانيها : لو كان رسولا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثا إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثا إلى أحد، فإما أن يكون مبعوثا إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء، وأن حواء إنما عرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائزا أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة. وثالثها : قوله تعالى ﴿ثم اجتباه ربه﴾ فهذه الآية دلت على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب أن لا يكون رسولا لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولا فقد خصه بذلك لقوله تعالى ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾.
المسألة الخامسة : ذكروا في قوله ﴿إن كنتم صادقين﴾ وجوها. أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام. وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقا وصدقا فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم. وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. ورابعها : إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء.
المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقة آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء. لا بالعلم، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول، أما الكتاب فوجوه، الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحك

تفسير هذه الآية من كتب أخرى