مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد ﷺ المبشر به في التوراة والإنجيل. ﴿وَأَوْفُوا﴾ أدوا وافياً تاماً، يقال وفيت له بالعهد فأنا وافٍ به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به، والاختيار أوفيت، وعليه نزل التنزيل. ﴿بِعَهْدِي﴾ بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز. ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم. والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً. وعن قتادة : هما لئن أقمتم ﴿ولأكفرن﴾ وقال أهل الإشارة : أوفوا في دار محنتي، على بساط خدمتي، بحفظ حرمتي، أوف في دار نعمتي، على بساط كرامتي، بسرور رؤيتي. ﴿وإياى فارهبون﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك «زيدا رهبته » وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤] «وإيّايَ » منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره فارهبوا إياي فارهبون، وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه. وإنما لم ينتصب بقوله «فارهبون » لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل الياء كما لا يجوز نصب زيد في «زيدا فاضربه » ب «اضرب » الذي هو ظاهر.