التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
هذا، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعاً بنعم الله عليهم، ليحملهم بذلك على إخلاص العبادة له، وتصديق رسوله ﷺ فيما جاء به، ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار فضله على الملائكة، بعد كل ذلك اتجه إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبي ﷺ وهم بنو إسرائيل، استمالة لقلوبهم نحو الإِيمان بالله، وكسرا لعنادهم ولجاجتهم، فقال - تعالى - :
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ...﴾ :
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وفي إضافتهم إلى أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ونواهيه، فكأنه قيل : يا بني العبد الصالح، والنبي الكريم، كونوا مثل أبيكم في الطاعة والعبادة.
ويستعمل مثل هذا التعبير في مقام الترغيب والترهيب، بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت النبوة أسوأ، ففي هذا النداء. خير داع لذوي الفطر السليمة منهم إلى الإِقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة، واستعمالها فيما خلقت له.
ومعنى ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التي أتتكم على سبيل الإِحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها.
والمراد بنعمة : المنعم بها عليهم، وتجمع على نعم، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الجمع كما في قوله تعالى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ فإن لفظ العدد والإِحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة : النعم الكثيرة، ويبدوا أن المراد بالنعمة في الآية التي معنا كذلك النعم المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع - اعتماداً على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية.
ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى :﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كاليمين والوصية وغيرهما، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً، يقال : أوفيت بعهدي، أي بما عاهدت غيري عليه، وأوفيت بعهدك، أي بما عاهدتني عليه، وعهد الله : أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ويندرج فيه كل ما أخذ على بني إسرائيل من التوراة، من اتباع محمد ﷺ متى بعث، والإِيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه.
والمعنى : وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإِيمان بي، والطاعة لي، والتصديق برسلي، أوف بما عاهدتكم عليه من التمكين في الأرض في الدنيا والسعادة في الآخرة.
ثم أمرهم - سبحانه - بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده، فقال - تعالى - ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ أي : خافوني ولا تخافوا سواي، ولتكم قلوبكم عامرة بخشيتي وحدي، فإن ذلك يعينكم على طاعتي، ويبعدكم عن معصيتي.
وحذف متعلق الرهبة للعموم، أي ارهبوني في جميع ما تأتون، وما تذرون، حتى لا أنزل بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال - رحمه الله - :
" وفي هذه الجمل - وإن كانتة معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيباً - ترتيبٌ عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمة إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان.
ثم أعقب ذلك بالأمر بإِيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإِضلال.
ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين :
إما تمويه الباطل حقاً، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل به ".
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ...﴾ :
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وفي إضافتهم إلى أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ونواهيه، فكأنه قيل : يا بني العبد الصالح، والنبي الكريم، كونوا مثل أبيكم في الطاعة والعبادة.
ويستعمل مثل هذا التعبير في مقام الترغيب والترهيب، بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت النبوة أسوأ، ففي هذا النداء. خير داع لذوي الفطر السليمة منهم إلى الإِقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة، واستعمالها فيما خلقت له.
ومعنى ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التي أتتكم على سبيل الإِحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها.
والمراد بنعمة : المنعم بها عليهم، وتجمع على نعم، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الجمع كما في قوله تعالى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ فإن لفظ العدد والإِحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة : النعم الكثيرة، ويبدوا أن المراد بالنعمة في الآية التي معنا كذلك النعم المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع - اعتماداً على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية.
ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى :﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كاليمين والوصية وغيرهما، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً، يقال : أوفيت بعهدي، أي بما عاهدت غيري عليه، وأوفيت بعهدك، أي بما عاهدتني عليه، وعهد الله : أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ويندرج فيه كل ما أخذ على بني إسرائيل من التوراة، من اتباع محمد ﷺ متى بعث، والإِيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه.
والمعنى : وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإِيمان بي، والطاعة لي، والتصديق برسلي، أوف بما عاهدتكم عليه من التمكين في الأرض في الدنيا والسعادة في الآخرة.
ثم أمرهم - سبحانه - بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده، فقال - تعالى - ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ أي : خافوني ولا تخافوا سواي، ولتكم قلوبكم عامرة بخشيتي وحدي، فإن ذلك يعينكم على طاعتي، ويبعدكم عن معصيتي.
وحذف متعلق الرهبة للعموم، أي ارهبوني في جميع ما تأتون، وما تذرون، حتى لا أنزل بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً.
" وفي هذه الجمل - وإن كانتة معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيباً - ترتيبٌ عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمة إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان.
ثم أعقب ذلك بالأمر بإِيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإِضلال.
ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين :
إما تمويه الباطل حقاً، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل به ".