البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ابن : محذوف اللام، وقيل : الياء خلاف، وفي وزنه على كلا التقديرين خلاف، فقيل : فعل، وقيل : فعل.
فمن زعم أن أصله ياء جعله مشتقاً من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء.
والابن فرع عن الأب، فهو موضوع عليه، وجعل قولهم : البنوّة شاذ كالفتوّة، ومن زعم أن أصله واو، وإليه ذهب الأخفش، جعل البنوّة دليلاً على ذلك، ولكون اللام المحذوفة واواً أكثر منها ياء.
وجمع ابن جمع تكسير، فقالوا : أبناء، وجمع سلامة، فقالوا : بنون، وهو جمع شاذ، إذ لم يسلم فيه بناء الواحد، فلم يقولوا : ابنون، ولذلك عاملت العرب هذا الجمع في بعض كلامها معاملة جمع التكسير، فألحقت التاء في فعله، كما ألحقت في فعل جمع التكسير، قال النابغة :
قالت بنو عامر خالو بني أسديا بؤس للجهل ضرّاراً لأقوام
وقد سمع الجمع بالواو والنون فيه مصغراً، قال يسدد :
أبينوها الأصاغر خلتي***
وهو شاذ أيضاً.
إسرائيل : اسم عجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، وقد ذكروا أنه مركب من إسرا : وهو العبد، وإيل : اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وذلك باللسان العبراني، فيكون مثل : جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، قاله ابن عباس.
وقيل : معنى إسرا : صفوة، وايل : الله تعالى، فمعناه : صفوة الله.
روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وقال بعضهم : إسرا مشتق من الأسر، وهو الشد، فكأن إسرائيل معناه : الذي شدّه الله وأتقن خلقه.
وقيل : أسري بالليل مهاجراً إلى الله تعالى فسمي بذلك.
وقيل : أسر جنياً كان يطفئ سرج بيت المقدس، وكان اسم الجني : إيل، فسمي إسرائيل، وكان يخدم بيت المقدس، وكان أول من يدخل، وآخر من يخرج، قاله كعب.
وقيل : أسرى بالليل هارباً من أخيه عيصو إلى خاله، في حكاية طويلة ذكروها، فأطلق ذلك عليه.
وهذه أقاويل ضعاف، وفيه تصرفات للعرب بقوله : إسرائيل بهمزة بعد الألف وياء بعدها، وهي قراءة الجمهور.
وإسراييل بياءين بعد الألف، وهي قراءة أبي جعفر والأعشى وعيسى بن عمر.
وإسرائل بهمزة بعد الألف ثم لام، وهو مروي عن ورش.
وإسراءل بهمزة مفتوحة بعد الراء ولام، وإسرئل بهمزة مكسورة بعد الراء، وإسرال بألف ممالة بعدها لام خفيفة، واسرال بألف غير ممالة، قال أمية :
لا أرى من يعيشني في حياتيغير نفسي إلا بني إسرالا
وهي رواية خارجة عن نافع، وقرأ الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وغيرهم : وإسرائن بنون بدل اللام، قال الشاعر :
يقول أهل السوء لما جيناهذا ورب البيت إسرائينا
كما قالوا : سجيل، وسجين، ورفلّ، ورفنّ، وجبريل، وجبرين، أبدلت بالنون كما أبدلت النون بها في أصيلان قالوا : أصيلال، وإذا جمعته جمع تكسير قلت : أساريل، وحكي : أسارلة وأسارل.
الذكر : بكسر الذال وضمها لغتان بمعنى واحد، وقال الكسائي : يكون باللسان، والذكر بالقلب فبالكسر ضده : الصمت، وبالضم ضده : النسيان، وهو بمعنى التيقظ والتنبه، ويقال : اجعله منك على ذكر.
النعمة : اسم للشيء المنعم به، وكثيراً ما يجيء فعل بمعنى المفعول : كالذبح، والنقص، والرعي، والطحن، ومع ذلك لا ينقاس.
أوفى، ووفى، ووفى : لغى ثلاث في معنى واحد، وتأتي أوفى بمعنى : ارتفع، قال :
ربما أوفيت في علمترفعن ثوبي شمالات
والميفات : مكان مرتفع، وقال الفراء : أهل الحجاز يقولون : أوفيت، وأهل نجد يقولون : وفيت بغير ألف، وقال الزجاج : وفي بالعهد، وأوفى به، قال الشاعر :
أما ابن طوق فقد أوفى بذمتهكما وفى بقلاص النجم حاديها
وقال ابن قتيبة : يقال وفيت بالعهد، وأوفيت به، وأوفيت الكيل لا غير.
وقال أبو الهيثم : وفي الشيء : تم، ووفى الكيل وأوفيته : أتممته، ووفى ريش الطائر : بلغ التمام، ودرهم واف : أي تام كامل.
الرهب، والرهب، والرهب، والرهبة : الخوف، مأخوذ من الرهابة، وهو عظم الصدر يؤثر فيه الخوف.
والرهب : النصل، لأنه يرهب منه، والرهبة والخشية والمخافة نظائر.
﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ هذا افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى، ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة، وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكتاب، وأن فيه هدى للمؤمنين، ثم أعقب ذلك بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة، ثم بذكر المنافقين، وذكر جمل من أحوالهم، ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى، ثم ذكر إعجاز القرآن، إلى غير ذلك مما ذكره، ثم نبههم بذكر أصلهم آدم، وما جرى له من أكله من الشجرة بعد النهي عنه، وأن الحامل له على ذلك إبليس.
وكانت هاتان الطائفتان : أعني اليهود والنصارى، أهل كتاب، مظهرين اتباع الرسل والاقتداء بما جاء عن الله تعالى.
وقد اندرج ذكرهم عموماً في قوله :﴿يا أيها الناس اعبدوا﴾ فجرد ذكرهم هنا خصوصاً، إذ قد سبق الكلام مع المشركين والمنافقين، وبقي الكلام مع اليهود والنصارى، فتكلم معهم هنا، وذكروا ما يقتضي لهم الإيمان بهذا الكتاب، كما آمنوا بكتبهم السابقة، إلى آخر الكلام معهم على ما سيأتي جملة مفصلة.
وناسب الكلام معهم قصة آدم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأنهم بعدما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح، المذكور ذلك في التوراة والإنجيل، من الإيفاء بالعهد والإيمان بالقرآن، ظهر منهم ضد ذلك بكفرهم بالقرآن ومن جاء به، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد عليهم من الأوامر والنواهي، نحو قوله :﴿يا أيها الناس اعبدوا﴾ ﴿ويا آدم اسكن﴾
وقد تقدم الإشارة إلى ذلك، وأضافهم إلى لفظ إسرائيل، وهو يعقوب، ولم يقل : يا بني يعقوب، لما في لفظ إسرائيل من أن معناه عبد الله أو صفوة الله، وذلك على أحسن تفاسيره، فهزهم بالإضافة إليه، فكأنه قيل : يا بني عبد الله، أو يا بني صفوة الله، فكان في ذلك تنبيه على أن يكونوا مثل أبيهم في الخير، كما تقول : يا ابن الرجل الصالح أطع الله، فتضيفه إلى ما يحركه لطاعة الله، لأن الإنسان يحب أن يقتفي أثر آبائه، وإن لم يكن بذلك محموداً، فكيف إذا كان محموداً ؟ ألا ترى :
﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ وفي قوله :﴿يا بني إسرائيل﴾ دليل على أن من انتمى إلى شخص، ولو بوسائط كثيرة، يطلق عليه أنه ابنه، وعليه ﴿يا بني آدم﴾ ويسمى ذلك أباً.
قال تعالى :﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ وفي إضافتهم إلى إسرائيل تشريف لهم بذكر نسبتهم لهذا الأصل الطيب، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
ونقل عن أبي الفرج بن الجوزي : أنه ليس لأحد من الأنبياء غير نبينا محمد ﷺ اسمان إلا يعقوب، فإنه يعقوب، وهو إسرائيل.
ونقل الجوهري في صحاحه : أن المسيح اسم علم لعيسى، لا اشتقاق له.
وذكر البيهقي عن الخليل بن أحمد خمسة من الأنبياء ذوو اسمين : محمد وأحمد نبينا ﷺ، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل.
والمراد بقوله :﴿يا بني إسرائيل اذكروا﴾ من كان بحضرة رسول الله ﷺ بالمدينة، وما والاها من بني إسرائيل، أو من أسلم من اليهود وآمن بالنبي ﷺ، أو أسلاف بني إسرائيل وقدماؤهم، أقوال ثلاثة : والأقرب الأول، لأن من مات من أسلافهم لا يقال له :﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم﴾، إلا على ضرب بعيد من التأويل، ولأن من آمن منهم لا يقال له :﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به﴾، إلا بمجاز بعيد.
ويحتمل قوله : اذكروا الذكر باللسان والذكر بالقلب : فعلى الأول يكون المعنى : أمرّوا النعم على ألسنتكم ولا تغفلوا عنها، فإن إمرارها على اللسان ومدارستها سبب في أن لا تنسى.
وعلى الثاني يكون المعنى : تنبهوا للنعم ولا تغفلوا عن شكرها.
وفي النعمة المأمور بشكرها أو بحفظها أقوال : ما استودعوا من التوراة التي فيها صفة رسول الله ﷺ، أو ما أنعم به على أسلافهم من إنجائهم من آل فرعون وإهلاك عدوهم وإيتائهم التوراة ونحو ذلك، قاله الحسن والزجاج، أو إدراكهم مدة النبي ﷺ، أو علم التوراة، أو جميع النعم على جميع خلقه وعلى سلفهم وخلفهم في جميع الأوقات على تصاريف الأحوال.
وأظهر هذه الأقوال ما اختص به بنو إسرائيل من النعم لظاهر قوله :﴿التي أنعمت عليكم﴾، ونعم الله على بني إسرائيل كثيرة، استنقذهم من بلاء فرعون وقومه، وجعلهم أنبياء وملوكاً، وأنزل عليهم الكتب المعظمة، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى.
قال ابن عباس : أعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث، وثيابهم لا تبلى.
وإنما ذكروا بهذه النعم لأن في جملتها ما شهد بنبوة محمد ﷺ، وهو : التوراة والإنجيل والزبور، ولئن يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان برسول الله والقرآن، ولأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الخالقة، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة.
وهذه النعم، وإن كانت على آبائهم، فهي أيضاً نعم عليهم، لأن هذه النعم حصل بها النسل، ولأن الانتساب إلى آباء شرفوا بنعم تعظيم في حق الأولاد.
قال بعض العارفين : عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد ﷺ ذكر المنعم فقال :﴿اذكروني أذكركم﴾ فدل ذلك على فضل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، وفي قوله :﴿نعمتي﴾، نوع التفات، لأنه خروج من ضمير المتكلم المعظم نفسه في قوله :﴿آياتنا﴾ إلى ضمير المتكلم الذي لا يشعر بذلك.
وفي إضافة النعمة إليه إشارة إلى عظم قدرها وسعة برها وحسن موقعها، ويجوز في الياء من نعمتي الإسكان والفتح، والقراء السبعة متفقون على الفتح.
وأنعمت : صلة التي، والعائد محذوف، التقدير : أنعمتها عليكم.
﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾.
العهد : تقدم تفسيره لغة في قوله :﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ ويحتمل العهد أن يكون مضافاً إلى المعاهد وإلى المعاهد.
وفي تفسير هذين العهدين أقوال : أحدها : الميثاق الذي أخذه عليهم من الإيمان به والتصديق برسله، وعهدهم ما وعدهم به من الجنة.
الثاني : ما أمرهم به وعهدهم ما وعدهم به، قاله ابن عباس.
الثالث : ما ذكر لهم في التوراة من صفة رسول الله ﷺ، وعهدهم ما وعدهم به من الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
الرابع : أداء الفرائض وعهدهم قبولها والمجازاة عليها.
الخامس : ترك الكبائر وعهدهم غفران الصغائر.
السادس : إصلاح الدين وعهدهم إصلاح آخرتهم.
السابع : مجاهدة النفوس وعهدهم المعونة على ذلك.
الثامن : إصلاح السرائر وعهدهم إصلاح الظواهر.
التاسع :﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، قاله الحسن.
العاشر :﴿وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ الحادي عشر : الإخلاص في العبادات وعهدهم إيصالهم إلى منازل الرعايات.
الثاني عشر : الإيمان به وطاعته، وعهدهم ما وعدهم عليه من حسن الثواب على الحسنات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى