التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وفي قوله تعالى :﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ إضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، كانوا في غنى عنها لو أطاعوا نبيهم من أول الأمر، ولكنهم للجاجتهم، وسوء اختيارهم، وبعد أفهامهم عن مقاصد الشريعة، ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار، فأصبحوا مكلفين بالبحث عن بقرة موصوفة بأنها متوسطة السن، لونها أصفر فاقع، تبهج الناظرين إليها، وهي، بعد ذلك، سائمة نفيسة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقيى الزرع، سليمة من العيوب، ليس فيها لون يخالف لونها الذي هو في الصفرة الفاقعة.
وقوله تعالى :﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة، يقال : بقرة ذلول، أي : ريضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض : تحريكها وقلبها بالحرث والزراعة والحرث : شقها لإِلقاء البذور فيها.
والمراد : نفي التذليل ونفى إثارة الأرض وسقى الزرع عن البقرة المطلوبة.
أي : هي بقرة صعبة لم يذللها العمل في حراثة الأرض، ولا في سقي الزرع، فهي معفاة من العمل في هذه الأشياء.
﴿لاَّ﴾ في قوله تعالى :﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ للنفي، وفي قوله تعالى :﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقى، وأعيد في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ مراعاة للاستعمال الفصيح.
وقوله - تعالى - :﴿مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ صفتان للبقرة، ومسلمة مفعلة من السلامة.
والشية : اللون المخالف لبقية لون الشيء، وأصله من وشى الشيء، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته.
والمعنى : إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة، وليس فيها لون يخالف لون جلدها من بياض أو سواد أو غيرهما، بل هي صفراء كلها.
وأرادوا بالحق في قوله تعالى :﴿قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق﴾ الوصف الواضح الذي لا اشتباه فيه ولا احتمال، فكأنهم يقولون له : الآن - فقط - جئتنا بحقيقة وصف البقرة، فقد ميزتها عن جميع ما عداها، من جهة اللون وكونهها من السوائم لا العوامل، وبذلك لم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا.
والفاء في قوله تعالى :﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ قد عطفت ما بعدها على محذوف يدل عليه المقام، والتقدير فظفروا بها فذبحوها، أي : فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله - تعالى - لهم، بعد ما قاربوا أن يتركوا ذبحها، ويدعوا ما أمروا به، لتشككهم في صحة ما يوجه إليهم من إرشادات ولكثرة مما طلتهم.
قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى :﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ استثقال لاستقصائهم، وأنهم لتطويلهم المفرط. وثكرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل : ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها، وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :
اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك :
١ - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع مرشيدهم، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل، ومما طلة في الانصياع للتكاليف، وانحراف عن الطريق المستقيم.
٢ - دلالتها على أن التنطع في الدين، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
أخرج ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :" لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم.
لكنهم شددوا فشد الله عليهم ".
وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم.
وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ وفي الحديث الشريف :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم ".
قال صاحب المنار :" وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت ".
٤ - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها :
( أ ) - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قابلوا هذا الأمر بقولهم :﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، فلما قال لهم :﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون.
ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم :﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة.
قال الإِمام بن جرير :" وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم ".
( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.
( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات، زيادة في هداية المهتدى، وأعذارا وإنذارا للضال :
( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإِيمان فيها.
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله، أنكروا قتله، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق ".
( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصد ميراث المقتول، ودافع القاتل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى - وهتكه، وحرمه ميراث المقتول.
( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة.
ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل ؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل ".
٥ - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين، والتعنت في الأسئلة، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات. لقساوة قلوبهم، وسوء طباعهم، وانطماس بصيرتهم ﴿ومن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
وقوله تعالى :﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة، يقال : بقرة ذلول، أي : ريضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض : تحريكها وقلبها بالحرث والزراعة والحرث : شقها لإِلقاء البذور فيها.
والمراد : نفي التذليل ونفى إثارة الأرض وسقى الزرع عن البقرة المطلوبة.
أي : هي بقرة صعبة لم يذللها العمل في حراثة الأرض، ولا في سقي الزرع، فهي معفاة من العمل في هذه الأشياء.
﴿لاَّ﴾ في قوله تعالى :﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ للنفي، وفي قوله تعالى :﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقى، وأعيد في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ مراعاة للاستعمال الفصيح.
وقوله - تعالى - :﴿مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ صفتان للبقرة، ومسلمة مفعلة من السلامة.
والشية : اللون المخالف لبقية لون الشيء، وأصله من وشى الشيء، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته.
والمعنى : إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة، وليس فيها لون يخالف لون جلدها من بياض أو سواد أو غيرهما، بل هي صفراء كلها.
وأرادوا بالحق في قوله تعالى :﴿قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق﴾ الوصف الواضح الذي لا اشتباه فيه ولا احتمال، فكأنهم يقولون له : الآن - فقط - جئتنا بحقيقة وصف البقرة، فقد ميزتها عن جميع ما عداها، من جهة اللون وكونهها من السوائم لا العوامل، وبذلك لم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا.
والفاء في قوله تعالى :﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ قد عطفت ما بعدها على محذوف يدل عليه المقام، والتقدير فظفروا بها فذبحوها، أي : فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله - تعالى - لهم، بعد ما قاربوا أن يتركوا ذبحها، ويدعوا ما أمروا به، لتشككهم في صحة ما يوجه إليهم من إرشادات ولكثرة مما طلتهم.
قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى :﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ استثقال لاستقصائهم، وأنهم لتطويلهم المفرط. وثكرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل : ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها، وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ".
اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك :
١ - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع مرشيدهم، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل، ومما طلة في الانصياع للتكاليف، وانحراف عن الطريق المستقيم.
٢ - دلالتها على أن التنطع في الدين، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
أخرج ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال :" لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم.
لكنهم شددوا فشد الله عليهم ".
وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم.
وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ وفي الحديث الشريف :" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم ".
قال صاحب المنار :" وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت ".
٤ - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها :
( أ ) - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قابلوا هذا الأمر بقولهم :﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، فلما قال لهم :﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون.
ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم :﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة.
قال الإِمام بن جرير :" وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ﴿الآن جِئْتَ بالحق﴾ وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم ".
( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.
( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات، زيادة في هداية المهتدى، وأعذارا وإنذارا للضال :
( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإِيمان فيها.
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله، أنكروا قتله، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق ".
( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصد ميراث المقتول، ودافع القاتل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى - وهتكه، وحرمه ميراث المقتول.
( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة.
ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل ؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل ".
٥ - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول :﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين، والتعنت في الأسئلة، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات. لقساوة قلوبهم، وسوء طباعهم، وانطماس بصيرتهم ﴿ومن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾