بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿قَالَ إِنَّهُ﴾، لهم موسى : إن ربكم ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ذَلُولٌ﴾، يقول لم يذللها العمل. وقال أهل اللغة : الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس، يقال : رجل ذليل، ودابة ذليلة بيِّنة الذل. ﴿تُثِيرُ الأرض﴾ أي تقلبها للزراعة. ويقال للبقرة : المثيرة. ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾، يعني لا يسقى عليها الحرث، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئاً من هذه الأعمال. ﴿مُّسَلَّمَةٌ﴾ يقال : مهذبة سليمة من العيوب. ويقال : مسلمة من الألوان.
﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم : لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة. وقال أهل اللغة : أصله من وشى الثوب، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة.
فلما وصف لهم موسى ذلك، ﴿قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق﴾، يعني الآن أتممت الصفة. ويقال : الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب. ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، يعني البقرة ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾، أي كادوا أن لا يذبحوها. وقد قيل : إنما أرادوا أن لا يذبحوها، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته.
وقال بعضهم :﴿وما كادوا يفعلون﴾ لغلاء ثمن البقرة، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة. وروي عن وهب بن منبه أنه قال : لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل، كان باراً بوالديه وكان يصلي ثلث الليل، وينام ثلث الليل، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها : إن لم تقدري على القيام فسبحي الله وهللي، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة، فاشتروها بملىء مسكها دنانير. وقال بعضهم : كان رجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس يوماً بجراب من لؤلؤ فعرض عليه، وأراد أن يبيع منه بمائة ألف، وكان ذلك يساوي مائتي ألف. فلما أراد أن يشتري، فإذا مفتاح الصندوق كان تحت رأس أبيه وهو نائم، فذهب ليوقظه ويرفع المفتاح ويدفع الثمن، ثم قال في نفسه : كيف أوقظ أبي لأجل ربح مائة ألف ولم يحتمل قلبه فرجع، فقال : إن أبي نائم. فقال له إبليس : اذهب فأيقظه فإني أبيع منك بخمسين ألفاً فذهب ليوقظه فلم يحتمل قلبه فرجع ؛ فلا زال إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم فلم يوقظ أباه وترك الشراء ذلك. فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملىء مسكها ذهباً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى