الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، و ( لا ) الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقي. على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك : أي حيث هي، وهو نفي لذلها ؛ ولأن توصف به فيقال : هي ذلول. ونحوه قولك : مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أي فيهم، أو حيث هم.
وقرىء «تُسقي » بضم التاء من أسقى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله :
أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لوناً آخر، ومنه ثور موشى القوائم ﴿جِئْتَ بالحق﴾ أي بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.
وقوله :﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل : وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل : لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروي : أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
فإن قلت : كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل ؟ قلت : رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص.
وقرىء «تُسقي » بضم التاء من أسقى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله :
| أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه | مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا |
وقوله :﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل : وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل : لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروي : أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
فإن قلت : كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل ؟ قلت : رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص.