جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُوا بِغَضَبٍ عَلَىَ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مّهِينٌ﴾
ومعنى قوله جل ثناؤه :﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ساء ما اشتروا به أنفسهم﴾. وأصل «بِئْسَ » :«بَئِسَ » من البؤس، سكنت همزتها ثم نقلت حركتها إلى الباء، كما قيل في ظَلِلْت : ظِلْتُ، وكما قيل للكَبِد : كِبْدٌ، فنقلت حركة الباء إلى الكاف لما سكنت الباء. وقد يحتمل أن تكون «بِئْس » وإن كان أصلها «بَئِسَ » من لغة الذين ينقلون حركة العين من فعل إلى الفاء إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة، كما قالوا من «لَعِبَ » «لِعْبَ »، ومن «سَئِمَ » «سِئْمَ »، وذلك فيما يقال لغة فاشية في تميم، ثم جعلت دالّة على الذمّ والتوبيخ ووصلت ب«ما ».
واختلف أهل العربية في معنى «ما » التي مع «بئسما »، فقال بعض نحويي البصرة : هي وحدها اسم، و«أن يكفروا » تفسير له، نحو : نعم رجلاً زيد. و«أن ينزل الله » بدل من «أنزل الله ».
وقال بعض نحويي الكوفة : معنى ذلك : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف«ما » اسم بئس، و«أن يكفروا » الاسم الثاني. وزعم أن «أن ينزل الله من فضله » إن شئت جعلت «أن » في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض. أما الرفع : فبئس الشيء هذا أن فعلوه وأما الخفض : فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال : وقوله : لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ أنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ كمثل ذلك. والعرب تجعل «ما » وحدها في هذا الباب بمنزلة الاسم التام كقوله : فَنعِمّا هِيَ و«بئسما أنت ». واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرّجّاز :
| لا تَعْجِلا فِي السّيْرِ وادْلُوَاهَا | لَبِئْسَما بُطْءٌ وَلا نَرعاها |
وكان آخر منهم يزعم أن «أن » في موضع خفض إن شئت، ورفع إن شئت، فأما الخفض فأن تردّه على الهاء التي في «به » على التكرير على كلامين، كأنك قلت : اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرّرا على موضع «ما » التي تلي «بئس ». قال : ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك : بئس الرجلُ عبدُ الله.
وقال بعضهم :«بئسما » شيء واحد يرافع ما بعده كما حكي عن العرب :«بئسما تزويج ولا مهر » فرافع تزويج «بئسما »، كما يقال :«بئسما زيد، وبئسما عمرو »، فيكون «بئسما » رفعا بما عاد عليها من الهاء، كأنك قلت : بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم، وتكون «أن » مترجمة عن «بئسما ».
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل «بئسما » مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله : اشْتَرَوا بِهِ كما رفعوا ذلك بعبد الله، إذ قالوا : بئسما عبد الله، وجعل «أن يكفروا » مترجمة عن «بئسما »، فيكون معنى الكلام حينئذٍ : بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون «أن » التي في قوله :«أن ينزل الله »، في موضع نصب لأنه يعني به أن يكفروا بما أنزل الله من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، (. . . ) وموضع أن جر.
وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن «أن » في موضع خفض بنية الباء. وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها، والحرف الخافض لا يخفض مضمرا. وأما قوله :﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ فإنه يعني به باعوا أنفسهم. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ يقول : باعوا أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد :﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه. والعرب تقول : شَريته بمعنى بعته، واشتروا في هذا الموضع «افتعلوا » من شريت. وكلام العرب فيما بلغنا أن يقولوا : شَرَيْت بمعنى بعت، واشتريت بمعنى ابتعت. وقيل إنما سمي الشاري شاريا لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته. ومن ذلك قول يزيد بن مفرّغ الحميري :
| وَشَرَيْتُ بُرْدا لَيْتَنِي | مِنْ قَبْل بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ |
| يُعْطَى بِها ثَمَنا فَيَمْنَعُها | ويَقُولُ صَاحِبُهَا ألا تَشْرِي |
وأما معنى قوله : بَغْيا فإنه يعني به : تعدّيا وحسدا. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد بن قتادة : بَغْيا قال : أي حسدا، وهم اليهود.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : بَغْيا قال : بغوا على محمد ﷺ وحسدوه، وقالوا : إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية :﴿بَغْيا﴾ يعني حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد ﷺ.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
قال أبو جعفر : فمعنى الآية : بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى من نبوّة محمد ﷺ والأمر بتصديقه واتباعه، مِنْ أجل أن أنزل الله من فضله، وفضلُه حكمته وآياته ونبوّته على من يشاء من عباده يعني به على محمد ﷺ بغيا وحسدا لمحمد ﷺ، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل.
فإن قال قائل : وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر فقيل :﴿بئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ أنْ يَكْفُرُوا بِمَا أنْزَلَ اللّهُ ؟﴾ وهل يشترى بالكفر شيء ؟ قيل : إن معنى الشراء والبيع عند العرب : هو إزالة مالك ملكه إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا شرّا أو خيرا، فتقول : نِعْمَ ما باع به فلان نفسه، وبئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى : نعم الكسب أكسبها وبئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرّا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه : بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد ﷺ فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم فقال : بئسما اشتروا به أنفسهم يعني بذلك : بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعدّ لهم لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه بالنار، وما أعدّ لهم بكفرهم بذلك. وهذه الآية وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا ﷺ وقومه من العرب، من أجل أن الله جعل النبوّة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به مع علمهم بصدقه، وأنه نبيّ لله مبعوث ورسول مرسل نظيرة الآية الأخرى في سورة النساء، وذلك قوله :﴿ألم تَرَ الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ للذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً، أُولَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا، أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقيرا، أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكا عَظِيما﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أنْ يُنَزّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ على مَنْ يَشاءُ منْ عِبادِهِ﴾.
قد ذكرنا تأويل ذلك وبيّنا معناه، ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قوله :﴿بَغْيا أنْ يُنَزّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ على مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أي أن الله تعالى جعله في غيرهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : هم اليهود، ولما بعث الله نبيه محمدا ﷺ فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : قالوا : إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عليّ الأزدي قال : نزلت في اليهود.
القول في تأويل قوله تعالى : فَباءوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ.
يعني بقوله : فَباءُوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ فرجعت اليهود من بني إسرائيل بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد ﷺ والاستفتاح به، وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبيّ مبعوث، مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيّا مرسلاً، فباءوا بغضب من الله استحقّوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث، وجحودهم نبوّته، وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب عَلى غَضَبٍ سالف كان من الله عليهم قبل ذلك سابق غضبه الثاني لكفرهم الذي كان قبل ذلك بعيسى ابن مريم، أو لعبادتهم العجل، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت يستحقون بها الغضب من الله. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، فيما أروي عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس : فَباءُوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ فالغضب على الغضب غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبيّ الذي أحدث الله إليهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سع