البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
وراء، من الظروف المتوسطة التصرف، وتكون بمعنى : قدام، وبمعنى : خلف، وهو الأشهر فيه.
﴿وإذا قيل لهم﴾ : الأخبار عمن بحضرة رسول الله ﷺ من اليهود، وسياق الآية يدل على أن المراد آباؤهم، لأنهم هم الذين قتلوا الأنبياء، وحسن ذلك أن الراضي بالشيء كفاعله، وأنهم جنس واحد، وأنهم متبعون لهم ومعتقدون ذلك، وأنهم يتولونهم، فهم منهم.
﴿آمنوا بما أنزل الله﴾، الجمهور : إنه القرآن، وقال الزمخشري : مطلق فبما أنزل الله من كل كتاب.
﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ : يريدون التوراة، وما جاءهم من الرّسالات على لسان موسى، ومن بعده من أنبيائهم، وحذف الفاعل هنا للعلم به، لأنه معلوم أنه لا ينزل الكتب الإلهية إلا الله أو لجريانه في قوله :﴿آمنوا بما أنزل الله﴾، فحذف إيجازاً إذ قد تقدم ذكره، وذمّوا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله الله، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد، والمأمور به عام، فلم يطابق إيمانهم الأمر.
﴿ويكفرون﴾ : جملة استؤنف بها الإخبار عنهم، أو جملة حالية، العامل فيها قالوا : أي وهم يكفرون.
﴿بما وراءه﴾، أي بما سواه، وبه فسر ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ و ﴿فمن ابتغى وارء ذلك﴾ أي بما بعده، قاله قتادة، أي ويكفرون بما بعد التوراة، وهو القرآن، أو بما وراءه، أي بباطن معانيها التي وراء ألفاظها، ويكون إيمانهم بظاهر لفظها.
﴿وهو الحق﴾، هو : عائد على القرآن، أو على القرآن والإنجيل، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضاً.
﴿مصدّقاً﴾ : حال مؤكدة، إذ تصديق القرآن لازم لا ينتقل.
﴿لما معهم﴾ : هو التوراة، أو التوراة والإنجيل، لأنهما أنزلا على بني إسرائيل، وكلاهما غير مخالف للقرآن، وفيه رد عليهم، لأن من لم يصدق ما وافق التوراة، لم يصدق بها.
وإذا دل الدليل على كون ذلك منزلاً من عند الله، وجب الإيمان به، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض.
﴿قل﴾ : أي قل يا محمد، وقل يا من يريد جدالهم.
﴿فلم﴾ : الفاء : جواب شرط مقدر، التقدير : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم ﴿تقتلون أنبياء الله﴾ ؟ لأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان، فقولكم : إنكم آمنتم بالتوراة كذب وبهت، لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه.
وما استفهامية حذفت ألفها لأجل لام الجر.
ويقف البزيّ بالهاء فيقول : فلمه، وغيره يقف : فلم بغير هاء، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار، أو لانقطاع النفس.
وجاء يقتلون بصورة المضارع، والمراد الماضي، إذ المعنى : قل فلم قتلتم، وأوضح ذلك أن هؤلاء الذين بحضرة رسول الله ﷺ لم يصدر منهم قتل الأنبياء، وأنه قيد بقوله ﴿من قبل﴾، فدل على تقدم القتل.
قال ابن عطية : وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر.
ألا ترى أن حاضري محمد ﷺ لما كانوا راضين بفعل أسفلاهم، بقي لهم من قتل الأنبياء جزء، وفي إضافة أنبياء إلى الله تشريف عظيم لهم، وأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله أن يعظم أجلّ تعظيم، وأن ينصر، لا أن يقتل.
﴿إن كنتم مؤمنين﴾ قيل : إن نافية أي ما كنتم مؤمنين، لأن من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمناً، فأخبر تعالى أن الإيمان لا يجامع قتل الأنبياء، أي ما اتصف بالإيمان من هذه صفته.
قيل : والأظهر أن إن شرطية، والجواب محذوف، التقدير : فلم فعلتم ذلك ؟ ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقى جوابه وهو : فلم تقتلون ؟ وحذف الجواب من الثاني وأبقى شرطه.
وقال ابن عطية : وإن كنتم : شرط، والجواب متقدم.
ولا يتمشى قوله هذا إلا على مذهب من يجيز تقدم جواب الشرط، وليس مذهب البصريين إلا أبا زيد الأنصاري والمبرد منهم.
ومعنى مؤمنين : أي بما أنزل إليكم، أو متحققين بالإيمان صادقين فيه، أو مؤمنين بزعمكم.
وأجرى هذا القول مجرى التهكم بهم والاستهزاء، كما تقول لمن بدا منه ما لا يناسبه : فعلت كذا وأنت عاقل، أي بزعمك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.
﴿وإذا قيل لهم﴾ : الأخبار عمن بحضرة رسول الله ﷺ من اليهود، وسياق الآية يدل على أن المراد آباؤهم، لأنهم هم الذين قتلوا الأنبياء، وحسن ذلك أن الراضي بالشيء كفاعله، وأنهم جنس واحد، وأنهم متبعون لهم ومعتقدون ذلك، وأنهم يتولونهم، فهم منهم.
﴿آمنوا بما أنزل الله﴾، الجمهور : إنه القرآن، وقال الزمخشري : مطلق فبما أنزل الله من كل كتاب.
﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ : يريدون التوراة، وما جاءهم من الرّسالات على لسان موسى، ومن بعده من أنبيائهم، وحذف الفاعل هنا للعلم به، لأنه معلوم أنه لا ينزل الكتب الإلهية إلا الله أو لجريانه في قوله :﴿آمنوا بما أنزل الله﴾، فحذف إيجازاً إذ قد تقدم ذكره، وذمّوا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله الله، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد، والمأمور به عام، فلم يطابق إيمانهم الأمر.
﴿ويكفرون﴾ : جملة استؤنف بها الإخبار عنهم، أو جملة حالية، العامل فيها قالوا : أي وهم يكفرون.
﴿بما وراءه﴾، أي بما سواه، وبه فسر ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ و ﴿فمن ابتغى وارء ذلك﴾ أي بما بعده، قاله قتادة، أي ويكفرون بما بعد التوراة، وهو القرآن، أو بما وراءه، أي بباطن معانيها التي وراء ألفاظها، ويكون إيمانهم بظاهر لفظها.
﴿وهو الحق﴾، هو : عائد على القرآن، أو على القرآن والإنجيل، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضاً.
﴿مصدّقاً﴾ : حال مؤكدة، إذ تصديق القرآن لازم لا ينتقل.
﴿لما معهم﴾ : هو التوراة، أو التوراة والإنجيل، لأنهما أنزلا على بني إسرائيل، وكلاهما غير مخالف للقرآن، وفيه رد عليهم، لأن من لم يصدق ما وافق التوراة، لم يصدق بها.
وإذا دل الدليل على كون ذلك منزلاً من عند الله، وجب الإيمان به، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض.
﴿قل﴾ : أي قل يا محمد، وقل يا من يريد جدالهم.
﴿فلم﴾ : الفاء : جواب شرط مقدر، التقدير : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم ﴿تقتلون أنبياء الله﴾ ؟ لأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان، فقولكم : إنكم آمنتم بالتوراة كذب وبهت، لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه.
وما استفهامية حذفت ألفها لأجل لام الجر.
ويقف البزيّ بالهاء فيقول : فلمه، وغيره يقف : فلم بغير هاء، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار، أو لانقطاع النفس.
وجاء يقتلون بصورة المضارع، والمراد الماضي، إذ المعنى : قل فلم قتلتم، وأوضح ذلك أن هؤلاء الذين بحضرة رسول الله ﷺ لم يصدر منهم قتل الأنبياء، وأنه قيد بقوله ﴿من قبل﴾، فدل على تقدم القتل.
قال ابن عطية : وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر.
ألا ترى أن حاضري محمد ﷺ لما كانوا راضين بفعل أسفلاهم، بقي لهم من قتل الأنبياء جزء، وفي إضافة أنبياء إلى الله تشريف عظيم لهم، وأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله أن يعظم أجلّ تعظيم، وأن ينصر، لا أن يقتل.
﴿إن كنتم مؤمنين﴾ قيل : إن نافية أي ما كنتم مؤمنين، لأن من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمناً، فأخبر تعالى أن الإيمان لا يجامع قتل الأنبياء، أي ما اتصف بالإيمان من هذه صفته.
قيل : والأظهر أن إن شرطية، والجواب محذوف، التقدير : فلم فعلتم ذلك ؟ ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقى جوابه وهو : فلم تقتلون ؟ وحذف الجواب من الثاني وأبقى شرطه.
وقال ابن عطية : وإن كنتم : شرط، والجواب متقدم.
ولا يتمشى قوله هذا إلا على مذهب من يجيز تقدم جواب الشرط، وليس مذهب البصريين إلا أبا زيد الأنصاري والمبرد منهم.
ومعنى مؤمنين : أي بما أنزل إليكم، أو متحققين بالإيمان صادقين فيه، أو مؤمنين بزعمكم.
وأجرى هذا القول مجرى التهكم بهم والاستهزاء، كما تقول لمن بدا منه ما لا يناسبه : فعلت كذا وأنت عاقل، أي بزعمك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
| ملأت ببعض حبك كل قلبي | فإن ترد الزيادة هات قلبا |
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.