اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
هذا نوع آخر من قَبَائح اليهود، ومنكرات أقوالهم، فلا بد من أمر قد ظهر من اليهود حتى أمره تعالى بمخاطبتهم بذلك ؛ لأنه يجري مجرى المُحَاجّة، والمفسرون ذكروا أموراً :
أحدها :" أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم " المدينة " أتاه عبد الله بن صوريا فقال يا محمد : كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي(١) " قال : صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال :" أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُل، وأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظِّفْرُ وَالشَّعْرُ فِمنَ المَرْأَةٍ " فقال : صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال :" أَيُّهُمَا غَلَبَ مَاؤُهُ صَاحِبَهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ "، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي بخبر عنه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" أَنْشُدُكُمْ بَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيْلَ مَرِضَ مَرضاً شَدِيْداً فطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ لُحْمَانُ الإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا " فقالوا : اللهم نعم.
فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أي ملك يأتيك بما تقول عن الله عز وجل ؟ قال :" جِبْريلُ عليه السلام " ".
قال : إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدّة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرَّخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك فقال عمر رضي الله تعالى عنه : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا أول هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن " بيت المقدس " سيخرب في زمان رجل يقال له : بخت نصرّ ووصفه لنا [ وأخبرنا بالجنّ الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رَجُلاً من قوم بني إسرائيل في طلبه ليقتله، فانطلق حتى لقي ب " بابل " غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله(٢) ]. [ فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً ](٣) فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله تعالى على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب " بيت المقدس " فلا فائدة من قتله، ثم إنه كبر وقوي وملك، وغزانا وخرّب " بيت المقدس "، فلذلك نتّخذه عدوّاً [ فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي هذا القول نظر ؛ لأنهم قالوا في هذه الرواية : إن رسولهم ميكائيل، وهو الذي يأتي بالبِشْر والرخاء، وأنهم يحبونه، ثم إنه تعالى أثبت عدوانهم لميكائيل أيضاً في الآية التي تليها فقال :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وهذا مناقض لهذه الآية المذكورة هاهنا ](٤).
وثانيها : قال قتادة وعكرمة والسّدي : كان لعمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه أرض بأعلى " المدينة " وممرها على مِدْرَاس اليهود، وكان إذا أتى على أرضه يأتيهم، وسمع منهم، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، فإنهم يمرّون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك فقال عمر رضي الله عنه : والله ما آتيكم لحيّكم ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني، وإني أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم فقالوا : مَنْ صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال : جبريل فقالوا : ذاك عدونا يُطْلع محمداً على أَسْرَارنا، وهو صاحب كل عذاب وخَسْف وشدّة، وإن ميكائيل يأتي بالخِصْبِ والسّلامة، فقال لهم عمر رضي الله عنه : تعرفون جبريل، وتنكرون محمداً عليه الصَّلاة السَّلام فقالوا : نعم قال : فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله عز وجل قالوا : جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوّ لجبريل، قال : فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر [ من الحمير، وإني أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدو لجبريل، ومن كان عدواً لهما فإن الله تعالى عدوّ له، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوَحْي، فقرأ النبي ﷺ هذه الآيات وقال : لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر رضي الله عنه فقد رأيتني بعد ذلك في دين الله تعالى أَصْلَبَ من الحجر ](٥).
وثالثها : قال مقاتل : زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدوّنا، أمر أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
قال ابن الخطيب : والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن على محمد ﷺ لأن قوله تعالى :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل [ لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة ؛ لأن إنما فعل ذلك بأمر الله، فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة، وتقرير هذا من وجوه :
أولها : أن الذي نزله جبريل من ](٦) القرآن [ الذي نزل به فيه ](٧) بشارة المطيعين بالثواب، وإنذار العصاة بالعقاب، والأمر بالمُحَاربة والمقاتلة لم يكن ذلك باختياره، بل بأمر الله تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره، ولا سبيل إلى مُخَالفته فعداوة مَنْ هذا سبيله توجب عداوة الله تعالى وعداوة الله تعالى كفر، فيلزم أن معاداة مَنْ هذا سبيله كفر.
ثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب، فإما أن يقال : إنه كان [ يتمرد أو يأبى ] عن قبول أمر الله، وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر الله، فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟
وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد عليه السلام كما شق على اليهود، فإنزال التوراة على موسى عليه السلام شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نَفْرة هؤلاء لإنزال القرآن قُبْحه فلتقتض نَفْرة أولئك المتقدمين قبح إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه، ومعلوم أن كل ذلك باطل، فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه.
فإن قيل : إنا نرى اليهود في زماننا مُطبقين على إنكار ذلك مصرّين على أن أحداً مِنْ سَلَفهم لم يقل بذلك.
فالجواب : أن هذا باطل، لأن كلام الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً، وهم الذين قالوا :﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
قوله تعالى :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ﴾ " مَنْ " شرطية في محلّ رفع بالابتداء، و " كان " خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، وجوابه محذوف تقديره : من كان عدوّاً لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت غيظاً ونحوه.
ولا جائز أن يكون " فَإِنَّهُ نَزَّلهُ " جواباً للشرط لوجهين :
أحدهما : من جهة المعنى.
والثاني : من جهة الصناعة.
أما الأول : فلأن فعل التنزيل متحقّق المضي ؛ والجزاء لا يكون إلا مستقبلاً.
ولقائل أن يقول : هذا محمول على التَّبيين، والمعنى : فقد تبين أنه نزله، كما قالوا في قوله :﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ ونحوه.
وأما الثاني : فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز : مَنْ يقم فزيد منطلق، ولا ضمير في قوله :" فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ " يعود على " مَنْ " فلا يكون جواباً للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك، ولكنهم أَوَّلُوهَا على حذف العائد، فمن ذلك قوله :[ الوافر ]
وقوله :[ الطويل ]
وينبغي أن يبنى ذلك على الخلاف في خبر اسم الشَّرْط.
فإن قيل : إنَّ الخبر هو الجزاء وحده أو هو الشَّرْط فلا بدّ من الضمير، وإن قيل بإنه فعل الشَّرْط، فلا حاجة إلى الضمير، وقد تقدم قول أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾، وقد صّرح الزمخشري رحمه الله بأنه جواب الشَّرْط، وفيه النَّظر المذكور، وجوابه ما تقدم. و " عَدُوّاً " خبر " كان "، ويستوي فيه الواحد وغيره، قال :﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ والعَدَاوَةُ : التجاوز قال الرَّاغب : فبالقلب يقال : العداوة وبالمشي يقال : العدو، وبالإخلال في العدل يقال : العدوان وبالمكان أو النسب يقال : قوم عِدًى أي غرباء.
و " لِجْبِريلَ " يجوز أن يكون صفة ل " عَدُوّاً " فيتعلّق بمحذوف، وأن تكون اللام مقوية لتعدية " عَدُوّاً " إليه.
و " جبريل " اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، وقول من قال :" إنّه مشتقّ من جبروت الله " بعيد ؛ لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال : إنه مركّب تركيب الإضافة، وأن " جبر " معناه : عبد، و " إيل " اسم من أسماء الله تعالى فهو بمنزلة عبد الله ؛ لأنه كان ينبغي أن يجرى الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني [ وهذا القول مَرْوِيّ عن ابن عَبَّاس، وجماعة من أهل العلم، فقال أبو علي السّنوي : وهذا لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله " إيل ".
والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً ](١٠). وقال المهدوي : إنه مركّب تركيب مزج نحو : حضرموت وهذا بعيد أيضاً ؛ لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلاّ.
وَرَدَّ عليه أبو حَيَّان بأنه لو كان مركباً تركيب مزج لجاز فيه أن يعرب إعراب المُتَضَايفين، أو يبنى على الفَتْح كأحد عشر، فإن كلّ ما ركب تركيب المزج [ يجوز فيه هذه الأوجه، وكونه لم يسمع فيه البناء، ولا جريانه مجرى المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب المزج ](١١) وهذا الرد لا يحسن ردًّا ؛ لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك.
قال القرطبي رحمه الله تعالى : والصَّحيح في هذه الألفاظ أنها عربية نزل بها جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام بلسان عربي مبين.
قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة.
أشهرها وأفصحها :" جبريل " بزنة قِنْديل، وهي قراءة أبي عمرو(١٢)، ونافع وابنِ عامرٍ وحفْصٍ عن عاصم، وهي لغة " الحجاز " ؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَلٍ :[ الطويل ]
وقال حَسَّان :[ الوافر ]
وقال عمران بن حِطَّان :[ البسيط ]
الثانية : كذلك إلا أنه بفتح الجيم، وهي قراءة(١٦) ابن كثير والحسن، وقال الفَرَّاء :" لا أحبها ؛ لأنه ليس في كلامهم فَعْلِيلٌ " وما قاله ليس
أحدها :" أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم " المدينة " أتاه عبد الله بن صوريا فقال يا محمد : كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي(١) " قال : صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال :" أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُل، وأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظِّفْرُ وَالشَّعْرُ فِمنَ المَرْأَةٍ " فقال : صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال :" أَيُّهُمَا غَلَبَ مَاؤُهُ صَاحِبَهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ "، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي بخبر عنه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" أَنْشُدُكُمْ بَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيْلَ مَرِضَ مَرضاً شَدِيْداً فطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ لُحْمَانُ الإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا " فقالوا : اللهم نعم.
فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أي ملك يأتيك بما تقول عن الله عز وجل ؟ قال :" جِبْريلُ عليه السلام " ".
قال : إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدّة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرَّخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك فقال عمر رضي الله تعالى عنه : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا أول هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن " بيت المقدس " سيخرب في زمان رجل يقال له : بخت نصرّ ووصفه لنا [ وأخبرنا بالجنّ الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رَجُلاً من قوم بني إسرائيل في طلبه ليقتله، فانطلق حتى لقي ب " بابل " غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله(٢) ]. [ فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً ](٣) فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله تعالى على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب " بيت المقدس " فلا فائدة من قتله، ثم إنه كبر وقوي وملك، وغزانا وخرّب " بيت المقدس "، فلذلك نتّخذه عدوّاً [ فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي هذا القول نظر ؛ لأنهم قالوا في هذه الرواية : إن رسولهم ميكائيل، وهو الذي يأتي بالبِشْر والرخاء، وأنهم يحبونه، ثم إنه تعالى أثبت عدوانهم لميكائيل أيضاً في الآية التي تليها فقال :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وهذا مناقض لهذه الآية المذكورة هاهنا ](٤).
وثانيها : قال قتادة وعكرمة والسّدي : كان لعمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه أرض بأعلى " المدينة " وممرها على مِدْرَاس اليهود، وكان إذا أتى على أرضه يأتيهم، وسمع منهم، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، فإنهم يمرّون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك فقال عمر رضي الله عنه : والله ما آتيكم لحيّكم ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني، وإني أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم فقالوا : مَنْ صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال : جبريل فقالوا : ذاك عدونا يُطْلع محمداً على أَسْرَارنا، وهو صاحب كل عذاب وخَسْف وشدّة، وإن ميكائيل يأتي بالخِصْبِ والسّلامة، فقال لهم عمر رضي الله عنه : تعرفون جبريل، وتنكرون محمداً عليه الصَّلاة السَّلام فقالوا : نعم قال : فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله عز وجل قالوا : جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوّ لجبريل، قال : فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر [ من الحمير، وإني أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدو لجبريل، ومن كان عدواً لهما فإن الله تعالى عدوّ له، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوَحْي، فقرأ النبي ﷺ هذه الآيات وقال : لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر رضي الله عنه فقد رأيتني بعد ذلك في دين الله تعالى أَصْلَبَ من الحجر ](٥).
وثالثها : قال مقاتل : زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدوّنا، أمر أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
قال ابن الخطيب : والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن على محمد ﷺ لأن قوله تعالى :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] مشعر بأن هذا التنزيل [ لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة ؛ لأن إنما فعل ذلك بأمر الله، فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة، وتقرير هذا من وجوه :
أولها : أن الذي نزله جبريل من ](٦) القرآن [ الذي نزل به فيه ](٧) بشارة المطيعين بالثواب، وإنذار العصاة بالعقاب، والأمر بالمُحَاربة والمقاتلة لم يكن ذلك باختياره، بل بأمر الله تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره، ولا سبيل إلى مُخَالفته فعداوة مَنْ هذا سبيله توجب عداوة الله تعالى وعداوة الله تعالى كفر، فيلزم أن معاداة مَنْ هذا سبيله كفر.
ثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب، فإما أن يقال : إنه كان [ يتمرد أو يأبى ] عن قبول أمر الله، وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر الله، فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟
وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد عليه السلام كما شق على اليهود، فإنزال التوراة على موسى عليه السلام شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نَفْرة هؤلاء لإنزال القرآن قُبْحه فلتقتض نَفْرة أولئك المتقدمين قبح إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه، ومعلوم أن كل ذلك باطل، فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه.
فإن قيل : إنا نرى اليهود في زماننا مُطبقين على إنكار ذلك مصرّين على أن أحداً مِنْ سَلَفهم لم يقل بذلك.
فالجواب : أن هذا باطل، لأن كلام الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً، وهم الذين قالوا :﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
قوله تعالى :﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ﴾ " مَنْ " شرطية في محلّ رفع بالابتداء، و " كان " خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، وجوابه محذوف تقديره : من كان عدوّاً لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت غيظاً ونحوه.
ولا جائز أن يكون " فَإِنَّهُ نَزَّلهُ " جواباً للشرط لوجهين :
أحدهما : من جهة المعنى.
والثاني : من جهة الصناعة.
أما الأول : فلأن فعل التنزيل متحقّق المضي ؛ والجزاء لا يكون إلا مستقبلاً.
ولقائل أن يقول : هذا محمول على التَّبيين، والمعنى : فقد تبين أنه نزله، كما قالوا في قوله :﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ ونحوه.
وأما الثاني : فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز : مَنْ يقم فزيد منطلق، ولا ضمير في قوله :" فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ " يعود على " مَنْ " فلا يكون جواباً للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك، ولكنهم أَوَّلُوهَا على حذف العائد، فمن ذلك قوله :[ الوافر ]
| ٦٧٧- فَمَنْ تَكُنِ الْحَضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ | فَأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرَانَا(٨) |
| ٦٧٨- فَمَنْ يِكُ أَمْسَى بِالْمَدينَةِ رَحْلُهُ | فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ(٩) |
فإن قيل : إنَّ الخبر هو الجزاء وحده أو هو الشَّرْط فلا بدّ من الضمير، وإن قيل بإنه فعل الشَّرْط، فلا حاجة إلى الضمير، وقد تقدم قول أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى :﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾، وقد صّرح الزمخشري رحمه الله بأنه جواب الشَّرْط، وفيه النَّظر المذكور، وجوابه ما تقدم. و " عَدُوّاً " خبر " كان "، ويستوي فيه الواحد وغيره، قال :﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ والعَدَاوَةُ : التجاوز قال الرَّاغب : فبالقلب يقال : العداوة وبالمشي يقال : العدو، وبالإخلال في العدل يقال : العدوان وبالمكان أو النسب يقال : قوم عِدًى أي غرباء.
و " لِجْبِريلَ " يجوز أن يكون صفة ل " عَدُوّاً " فيتعلّق بمحذوف، وأن تكون اللام مقوية لتعدية " عَدُوّاً " إليه.
و " جبريل " اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، وقول من قال :" إنّه مشتقّ من جبروت الله " بعيد ؛ لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال : إنه مركّب تركيب الإضافة، وأن " جبر " معناه : عبد، و " إيل " اسم من أسماء الله تعالى فهو بمنزلة عبد الله ؛ لأنه كان ينبغي أن يجرى الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني [ وهذا القول مَرْوِيّ عن ابن عَبَّاس، وجماعة من أهل العلم، فقال أبو علي السّنوي : وهذا لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله " إيل ".
والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً ](١٠). وقال المهدوي : إنه مركّب تركيب مزج نحو : حضرموت وهذا بعيد أيضاً ؛ لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلاّ.
وَرَدَّ عليه أبو حَيَّان بأنه لو كان مركباً تركيب مزج لجاز فيه أن يعرب إعراب المُتَضَايفين، أو يبنى على الفَتْح كأحد عشر، فإن كلّ ما ركب تركيب المزج [ يجوز فيه هذه الأوجه، وكونه لم يسمع فيه البناء، ولا جريانه مجرى المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب المزج ](١١) وهذا الرد لا يحسن ردًّا ؛ لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك.
قال القرطبي رحمه الله تعالى : والصَّحيح في هذه الألفاظ أنها عربية نزل بها جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام بلسان عربي مبين.
قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة.
أشهرها وأفصحها :" جبريل " بزنة قِنْديل، وهي قراءة أبي عمرو(١٢)، ونافع وابنِ عامرٍ وحفْصٍ عن عاصم، وهي لغة " الحجاز " ؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَلٍ :[ الطويل ]
| ٦٧٩- وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا | مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ(١٣) |
| ٦٨٠- وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا | وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَه كِفَاءُ(١٤) |
| ٦٨١- وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنْهُمْ لاَ كِفَاءَ لَهُ | وَكَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللهِ ماأْمُونَا(١٥) |
١ - أخرجه البخاري ٣/٤٠، في التهجد: باب قيام النبي ﷺ في رمضان وغيره (١١٤٧)، وطرفة في (٢٠١٣)، (٣٥٦٩)، ومسلم ١/٥٠٩، في كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ ١٢٥/٧٣٨، وفي الحديث خاصة من خصائص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٢ - سقط في: ب..
٣ - سقط في: أ..
٤ - بدل ما بين المعكوفين في ب: وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل، فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل، فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين..
٥ - سقط في ب..
٦ - سقط في ب..
٧ - سقط في أ..
٨ - البيت للقطامي ينظر ديوانه: (٥٨)، المغني: ٢/٥٠٧، اللسان (حضر)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١/٣٤٧، مغني اللبيب: ٢/٥٠٧، معجم مقاييس اللغة (بدو)، الدر المصون: (١/٣١٢)..
٩ - البيت لضابئ البرجمي وهو من شواهد الكتاب: ١/٧٥، وشرح المفصل لابن يعيش: ٨/٦٨، الهمع: ٢/١٤٤، والدر: ٢/٢٠٠، والدر: ١/٣١٢..
١٠ - سقط في: ب..
١١ - سقط في: أ..
١٢ - انظر العنوان في القراءات السبع: ٧١، وحجة القراءات: ١٠٧، والحجة: ٢/١٦٣، وإتحاف: ١/ ٤٠٨، ٤٠٩، وشرح الطيبة: ٤/٥٠، وشرح شعلة: ٢٧٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، زاد المسير: ١/١١٨، الدر المصون: ١/٣١٣..
١٤ - تقدم برقم ٦٥٠..
١٥ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، والدر المصون: ١/٣١٣..
١٦ - ينظر القراءة السابقة..
٢ - سقط في: ب..
٣ - سقط في: أ..
٤ - بدل ما بين المعكوفين في ب: وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل، فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل، فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين..
٥ - سقط في ب..
٦ - سقط في ب..
٧ - سقط في أ..
٨ - البيت للقطامي ينظر ديوانه: (٥٨)، المغني: ٢/٥٠٧، اللسان (حضر)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١/٣٤٧، مغني اللبيب: ٢/٥٠٧، معجم مقاييس اللغة (بدو)، الدر المصون: (١/٣١٢)..
٩ - البيت لضابئ البرجمي وهو من شواهد الكتاب: ١/٧٥، وشرح المفصل لابن يعيش: ٨/٦٨، الهمع: ٢/١٤٤، والدر: ٢/٢٠٠، والدر: ١/٣١٢..
١٠ - سقط في: ب..
١١ - سقط في: أ..
١٢ - انظر العنوان في القراءات السبع: ٧١، وحجة القراءات: ١٠٧، والحجة: ٢/١٦٣، وإتحاف: ١/ ٤٠٨، ٤٠٩، وشرح الطيبة: ٤/٥٠، وشرح شعلة: ٢٧٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، زاد المسير: ١/١١٨، الدر المصون: ١/٣١٣..
١٤ - تقدم برقم ٦٥٠..
١٥ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، والدر المصون: ١/٣١٣..
١٦ - ينظر القراءة السابقة..