البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
جبريل : اسم ملك علم له، وهو الذي نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ، وهو اسم أعجمي ممنوع الصرف، للعلمية والعجمة، وأبعد من ذهب إلى أنه مشتق من جبروت الله، ومن ذهب إلى أنه مركب تركيب الإضافة.
ومعنى جبر : عبد وإيل، اسم من أسماء الله، لأن الأعجمي لا يدخله الاشتقاق العربي، ولأنه لو كان مركباً تركيب الإضافة لكان مصروفاً.
وقال المهدوي : ومن قال : جبر، مثل : عبد وإيل، اسم من أسماء الله، جعله بمنزلة حضرموت.
انتهى كلامه.
يعني أنه يجعله مركباً تركيب المزح، فيمنعه الصرف للعلمية والتركيب.
وليس ما ذكر بصحيح، لأنه إما أن يلحظ فيه معنى الإضافة، فيلزم الصرف في الثاني، وإجراء الأول بوجوه الإعراب، أو لا يلحظ، فيركبه تركيب المزج.
فما يركب تركيب المزج يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف، فكونه لم يسمع فيه الإضافة، ولا البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج.
وقد تصرّفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية، حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة.
قالوا : جبريل : كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو ونافع وحفص.
وقال ورقة بن نوفل :
وقال عمران بن حطان :
وقال حسان :
وكذلك إلا أن الجيم مفتوحة، وبها قراءة الحسن وابن كثير وابن محيصن.
قال الفراء : لا أحبها، لأنه ليس في الكلام فعليل، وما قاله ليس بشيء، لأن ما أدخلته العرب في كلامها على قسمين : منه ما تلحقه بأبنية كلامها، كلجام، ومنه ما لا تلحقه بها، كابريسم.
فجبريل، بفتح الجيم، من هذا القبيل.
وقيل : جبريل مثل شمويل، وهو طائر.
وجبرئيل كعنتر يس، وهي لغة : تميم، وقيس، وكثير من أهل نجد.
حكاها الفراء، واختارها الزجاج وقال : هي أجود اللغات.
وقال حسان :
وقال جرير :
وهي قراءة الأعمش وحمزة والكسائي وحماد بن أبي زياد، عن أبي بكر، عن عاصم.
ورواها الكسائي، عن عاصم، وكذلك.
إلا أنه بغير ياء بعد الهمزة، وهي رواية يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم.
وتروى عن يحيى بن يعمر، وكذلك.
إلا أن اللام مشدّدة، وهي قراءة أبان، عن عاصم ويحيى بن يعمر.
وجبرائيل وجبراييل، وقرأ بهما ابن عباس وعكرمة.
وجبرالُ وجبرائل بالياء والقصر، وبها قرأ طلحة.
وجبراييل بألف بعد الراء، بعدها ياءان، أولاهما مكسورة، وقرأ بها الأعمش وابن يعمر أيضاً.
وجبرين وجبرين، وهذه لغة أسد.
وجبرائين.
قال أبو جعفر النحاس : جمع جبريل جمع التكسير على جباريل على اللغة العالية.
إذن : به علم به، وآذنه : أعلمه.
آذنتكم على سواء : أعلمتكم.
ثم يطلق على التمكين.
إذن لي في كذا : أي مكنني منه.
وعلى الاختيار فعلته بإذنك : أي باختيارك.
﴿قل من كان عدوًّا لجبريل﴾ : أجمع أهل التفسير أن اليهود قالوا : جبريل عدوّنا، واختلف في كيفية ذلك، وهل كان سبب النزول محاورتهم مع النبي ﷺ، أو محاورتهم مع عمر ؟ وملخص العداوة : أن ذلك لكونه يأتي بالهلاك والخسف والجدب، ولو كان ميكال صاحب محمد لاتبعناه، لأنه يأتي بالخصب والسلم، ولكونه دافع عن بخت نصّر حين أردنا قتله، فخرب بيت المقدس وأهلكنا، ولكونه يطلع محمداً ﷺ على سرنا.
والخطاب بقوله : قل للنبي ﷺ، ومعمول القول : الجملة بعدو من هنا شرطية.
وقال الراغب : العداوة، التجاوز ومنافاة الالتئام.
فبالقلب يقال العداوة، وبالمشي يقال العدو، وبالإخلال في العدل يقال العدوان، وبالمكان أو النسب يقال قوم عدي، أي غرباء.
﴿فإنه نزله﴾ : ليس هذا جواب الشرط لما تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه، فلو قلت : من يكرمني ؟ فزيد قائم، لم يجز.
وقوله :﴿فإنه نزله على قلبك﴾، ليس فيه ضمير يعود على من.
وقد صرح بأنه جزاء للشرط الزمخشري، وهو خطأ، لما ذكرناه من عدم عود الضمير، ولمضي فعل التنزيل، فلا يصح أن تكون الجملة جزاء، وإنما الجزاء محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير : فعداوته لا وجه لها، أو ما أشبه هذا التقدير.
والضمير في فإنه عائد على جبريل، والضمير في نزله عائد على القرآن لدلالة المعنى عليه.
ألا ترى إلى قوله :﴿مصدّقاً لما بين يديه، وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ ؟ وهذه كلها من صفات القرآن.
ولقوله :﴿بإذن الله﴾، أي فإن جبريل نزل القرآن على قلبك بإذن الله.
وقيل : الضمير في فإنه عائد على الله، وفي نزله عائد على جبريل، التقدير : فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك.
وفي كل من هذين التقديرين إضمار يعود على ما يدل عليه سياق المعنى.
لكن التقدير الأول أولى، لما ذكرناه، وليكون موافقاً لقوله :﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ وينظر للتقدير الثاني قراءة من قرأ : نزل بالتشديد، والروح بالنصب.
ومناسبة دليل الجزاء للشرط هو أن من كان عدواً لجبريل، فعداوته لا وجه لها، لأنه هو الذي نزل بالقرآن المصدق للكتب، والهادي والمبشر، كمن آمن.
ومن كان هذه المثابة فينبغي أن يحب ويشكر، إذ كان به سبب الهداية والتنويه بما في أيديهم من كتب الله، أو من كان عدوًّا لجبريل، فسبب عداوته أنه نزل القرآن المصدّق لكتابهم، والملزم لهم اتباعك، وهم لا يريدون ذلك، ولذلك حرّفوا ما في كتبهم من صفاتك، ومن أخذ العهود عليهم فيها، بأن يتبعوك.
والفرق بين كل واحد من هذين التقديرين : أن التقدير الأول موجب لعدم العداوة، والتقدير الثاني كأنه كالعذر لهم في العداوة كقولك : إن عاداك زيد، فقد آذيته وأسأت إليه.
﴿على قلبك﴾ : أتى بلفظ على، لأن القرآن مستعل على القلب، إذ القلب سامع له ومطيع، يمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه.
وكانت أبلع من إلى، لأن إلى تدل على الانتهاء فقط، وعلى تدل على الاستعلاء.
وما استعلى على الشيء يضمن الانتهاء إليه.
وخص القلب، ولم يأت عليك، لأن القلب هو محل العقل والعلم وتلقي الواردات، أو لأنه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها، أو لأنه سلطان الجسد.
وفي الحديث :« إن في الجسد مضغة » ثم قال أخيراً :« ألا وهي القلب » أو لأن القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنه بيت الله، أو لأنه كنى به عن العقل إطلاقاً للمحل على الحال به، أو عن الجملة الإنسانية، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ أو يكون إطلاقاً لبعض الشيء على كله، أقوال سبعة.
وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب، ولم يضفه إلى ياء المتكلم، وإن كان نظم الكلام يقتضيه ظاهراً، لأن قوله :﴿من كان عدواً لجبريل﴾، هو معمول لقول مضمر، التقدير : قل يا محمد قال الله من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
وإلى هذا نحا الزمخشري بقوله : جاءت على حكاية كلام الله تعالى، كأنه قيل : ما تكلمت به من قولي :﴿من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾، وكلامه فيه تثبيج.
وقال ابن عطية : يحسن في كلام العرب أن يحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول، ويحسن أن يقصد المعنى بقوله، فيسرده مخاطبة له، كما تقول : قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هذه الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق :
فأحرز المعنى، ونكب عن نداء هنيدة مالك.
انتهى كلامه، وهو تخريج حسن، ويكون إذ ذاك الجملة الشرطية معمولة للفظ : قل، لا لقول : مضمر، وهو ظاهر الكلام ﴿بإذن الله﴾ : أي بأمر الله، اختاره في المنتخب ومنه :﴿لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ وقد صرح بذلك في :﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة، قاله ابن عطية ؛ أو باختياره، قاله الماوردي، أو بتيسيره وتسهيله، قاله الزمخشري.
﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ : انتصاب مصدقاً على الحال من الضمير المنصوب في نزله، إن كان يعود على القرآن، وإن عاد على جبريل فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون حالاً من المجرور المحذوف لفهم المعنى، لأن المعنى : فإن الله نزل جبريل بالقرآن مصدقاً.
والثاني : أن يكون حالاً من جبريل.
وما : في لما موصولة، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله، أو التوراة والإنجيل.
والهاء : في بين يديه يحتمل أن تكون عائدة على القرآن، ويحتمل أن تعود على جبريل.
فالمعنى مصدقاً لما بين يديه من الرسل والكتب.
﴿وهدى وبشرى﴾ : معطوفان على مصدّقاً، فهما حالان، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل كأنه قال : وهادياً ومبشراً، أو من باب المبالغة، كأنه لما حصل به الهدى والبشرى، جعل نفس الهدى والبشرى.
والألف في بشرى للتأنيث، كهي في رجعى، وهو مصدر.
وقد تقدّم الكلام على المعنى في قوله :﴿وبشر الذين آمنوا﴾ في أوائل هذه السورة، والمعنى : أنه وصف القرآن بتصديقه لما تقدّمه من الكتب الإلهية، وأنه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنه بشرى لمن حصل له الهدى.
فصار هذا الترتيب اللفظي في هذه الأحوال، لكون مدلولاتها ترتبت ترتيباً وجودياً.
فالأول : كونه مصدّقاً للكتب، وذلك لأن الكتب كلها من ينبوع واحد.
والثاني : أن الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق.
والثالث : أنه بشرى لمن حصلت له به الهداية.
وقال الراغب : وهدى من الضلالة وبشرى بالجنة.
﴿للمؤمنين﴾ : خص الهدى والبشرى بالمؤمنين، لأن غير المؤمنين لا يكون لهم هدى به ولا بشرى، كما قال :﴿وهو عليهم عمى﴾ ولأن المؤمنين هم المبشرون، ﴿فبشر عبادي﴾ ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه﴾ ودلت هذه الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة.
ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، قالوا : وهذه الآية تعلقت بها الباطنية، وقالوا : إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول.
وردّ عليهم : بأنه معجزة ظاهرة بنظمه، وأن الله سماه وحياً وكتاباً وعربياً، وأن جبريل نزل به، والملهم لا يحتاج إلى جبريل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه اليهود من خبث السريرة، وعدم التوفيق والطواعية لأنبياء الله، ونصب المعاداة لهم، حتى انتهى ذلك إلى عداوتهم من لا يلحقه ضرر عداوتهم، وهو من لا ينبغي أن يعادى، لأنه السفير بين الله وبين خلقه، وهو جبريل.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.
ومعنى جبر : عبد وإيل، اسم من أسماء الله، لأن الأعجمي لا يدخله الاشتقاق العربي، ولأنه لو كان مركباً تركيب الإضافة لكان مصروفاً.
وقال المهدوي : ومن قال : جبر، مثل : عبد وإيل، اسم من أسماء الله، جعله بمنزلة حضرموت.
انتهى كلامه.
يعني أنه يجعله مركباً تركيب المزح، فيمنعه الصرف للعلمية والتركيب.
وليس ما ذكر بصحيح، لأنه إما أن يلحظ فيه معنى الإضافة، فيلزم الصرف في الثاني، وإجراء الأول بوجوه الإعراب، أو لا يلحظ، فيركبه تركيب المزج.
فما يركب تركيب المزج يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف، فكونه لم يسمع فيه الإضافة، ولا البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج.
وقد تصرّفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية، حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة.
قالوا : جبريل : كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز، وهي قراءة ابن عامر وأبي عمرو ونافع وحفص.
وقال ورقة بن نوفل :
| وجبريل يأتيه وميكال معهما | من الله وحي يشرح الصدر منزل |
| والروح جبريل منهم لا كفاء له | وكان جبريل عند الله مأموناً |
| وجبريل رسول الله فينا | وروح القدس ليس له كفاء |
قال الفراء : لا أحبها، لأنه ليس في الكلام فعليل، وما قاله ليس بشيء، لأن ما أدخلته العرب في كلامها على قسمين : منه ما تلحقه بأبنية كلامها، كلجام، ومنه ما لا تلحقه بها، كابريسم.
فجبريل، بفتح الجيم، من هذا القبيل.
وقيل : جبريل مثل شمويل، وهو طائر.
وجبرئيل كعنتر يس، وهي لغة : تميم، وقيس، وكثير من أهل نجد.
حكاها الفراء، واختارها الزجاج وقال : هي أجود اللغات.
وقال حسان :
| شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة | مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها |
| عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد | وبجبرئيل وكذبوا ميكال |
ورواها الكسائي، عن عاصم، وكذلك.
إلا أنه بغير ياء بعد الهمزة، وهي رواية يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم.
وتروى عن يحيى بن يعمر، وكذلك.
إلا أن اللام مشدّدة، وهي قراءة أبان، عن عاصم ويحيى بن يعمر.
وجبرائيل وجبراييل، وقرأ بهما ابن عباس وعكرمة.
وجبرالُ وجبرائل بالياء والقصر، وبها قرأ طلحة.
وجبراييل بألف بعد الراء، بعدها ياءان، أولاهما مكسورة، وقرأ بها الأعمش وابن يعمر أيضاً.
وجبرين وجبرين، وهذه لغة أسد.
وجبرائين.
قال أبو جعفر النحاس : جمع جبريل جمع التكسير على جباريل على اللغة العالية.
إذن : به علم به، وآذنه : أعلمه.
آذنتكم على سواء : أعلمتكم.
ثم يطلق على التمكين.
إذن لي في كذا : أي مكنني منه.
وعلى الاختيار فعلته بإذنك : أي باختيارك.
﴿قل من كان عدوًّا لجبريل﴾ : أجمع أهل التفسير أن اليهود قالوا : جبريل عدوّنا، واختلف في كيفية ذلك، وهل كان سبب النزول محاورتهم مع النبي ﷺ، أو محاورتهم مع عمر ؟ وملخص العداوة : أن ذلك لكونه يأتي بالهلاك والخسف والجدب، ولو كان ميكال صاحب محمد لاتبعناه، لأنه يأتي بالخصب والسلم، ولكونه دافع عن بخت نصّر حين أردنا قتله، فخرب بيت المقدس وأهلكنا، ولكونه يطلع محمداً ﷺ على سرنا.
والخطاب بقوله : قل للنبي ﷺ، ومعمول القول : الجملة بعدو من هنا شرطية.
وقال الراغب : العداوة، التجاوز ومنافاة الالتئام.
فبالقلب يقال العداوة، وبالمشي يقال العدو، وبالإخلال في العدل يقال العدوان، وبالمكان أو النسب يقال قوم عدي، أي غرباء.
﴿فإنه نزله﴾ : ليس هذا جواب الشرط لما تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه، فلو قلت : من يكرمني ؟ فزيد قائم، لم يجز.
وقوله :﴿فإنه نزله على قلبك﴾، ليس فيه ضمير يعود على من.
وقد صرح بأنه جزاء للشرط الزمخشري، وهو خطأ، لما ذكرناه من عدم عود الضمير، ولمضي فعل التنزيل، فلا يصح أن تكون الجملة جزاء، وإنما الجزاء محذوف لدلالة ما بعده عليه، التقدير : فعداوته لا وجه لها، أو ما أشبه هذا التقدير.
والضمير في فإنه عائد على جبريل، والضمير في نزله عائد على القرآن لدلالة المعنى عليه.
ألا ترى إلى قوله :﴿مصدّقاً لما بين يديه، وهدى وبشرى للمؤمنين﴾ ؟ وهذه كلها من صفات القرآن.
ولقوله :﴿بإذن الله﴾، أي فإن جبريل نزل القرآن على قلبك بإذن الله.
وقيل : الضمير في فإنه عائد على الله، وفي نزله عائد على جبريل، التقدير : فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك.
وفي كل من هذين التقديرين إضمار يعود على ما يدل عليه سياق المعنى.
لكن التقدير الأول أولى، لما ذكرناه، وليكون موافقاً لقوله :﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ وينظر للتقدير الثاني قراءة من قرأ : نزل بالتشديد، والروح بالنصب.
ومناسبة دليل الجزاء للشرط هو أن من كان عدواً لجبريل، فعداوته لا وجه لها، لأنه هو الذي نزل بالقرآن المصدق للكتب، والهادي والمبشر، كمن آمن.
ومن كان هذه المثابة فينبغي أن يحب ويشكر، إذ كان به سبب الهداية والتنويه بما في أيديهم من كتب الله، أو من كان عدوًّا لجبريل، فسبب عداوته أنه نزل القرآن المصدّق لكتابهم، والملزم لهم اتباعك، وهم لا يريدون ذلك، ولذلك حرّفوا ما في كتبهم من صفاتك، ومن أخذ العهود عليهم فيها، بأن يتبعوك.
والفرق بين كل واحد من هذين التقديرين : أن التقدير الأول موجب لعدم العداوة، والتقدير الثاني كأنه كالعذر لهم في العداوة كقولك : إن عاداك زيد، فقد آذيته وأسأت إليه.
﴿على قلبك﴾ : أتى بلفظ على، لأن القرآن مستعل على القلب، إذ القلب سامع له ومطيع، يمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه.
وكانت أبلع من إلى، لأن إلى تدل على الانتهاء فقط، وعلى تدل على الاستعلاء.
وما استعلى على الشيء يضمن الانتهاء إليه.
وخص القلب، ولم يأت عليك، لأن القلب هو محل العقل والعلم وتلقي الواردات، أو لأنه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها، أو لأنه سلطان الجسد.
وفي الحديث :« إن في الجسد مضغة » ثم قال أخيراً :« ألا وهي القلب » أو لأن القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنه بيت الله، أو لأنه كنى به عن العقل إطلاقاً للمحل على الحال به، أو عن الجملة الإنسانية، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ أو يكون إطلاقاً لبعض الشيء على كله، أقوال سبعة.
وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب، ولم يضفه إلى ياء المتكلم، وإن كان نظم الكلام يقتضيه ظاهراً، لأن قوله :﴿من كان عدواً لجبريل﴾، هو معمول لقول مضمر، التقدير : قل يا محمد قال الله من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
وإلى هذا نحا الزمخشري بقوله : جاءت على حكاية كلام الله تعالى، كأنه قيل : ما تكلمت به من قولي :﴿من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾، وكلامه فيه تثبيج.
وقال ابن عطية : يحسن في كلام العرب أن يحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول، ويحسن أن يقصد المعنى بقوله، فيسرده مخاطبة له، كما تقول : قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هذه الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق :
| ألم تر أني يوم جوّ سويقة | دعوت فنادتني هنيدة ماليا |
انتهى كلامه، وهو تخريج حسن، ويكون إذ ذاك الجملة الشرطية معمولة للفظ : قل، لا لقول : مضمر، وهو ظاهر الكلام ﴿بإذن الله﴾ : أي بأمر الله، اختاره في المنتخب ومنه :﴿لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ وقد صرح بذلك في :﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة، قاله ابن عطية ؛ أو باختياره، قاله الماوردي، أو بتيسيره وتسهيله، قاله الزمخشري.
﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ : انتصاب مصدقاً على الحال من الضمير المنصوب في نزله، إن كان يعود على القرآن، وإن عاد على جبريل فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون حالاً من المجرور المحذوف لفهم المعنى، لأن المعنى : فإن الله نزل جبريل بالقرآن مصدقاً.
والثاني : أن يكون حالاً من جبريل.
وما : في لما موصولة، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله، أو التوراة والإنجيل.
والهاء : في بين يديه يحتمل أن تكون عائدة على القرآن، ويحتمل أن تعود على جبريل.
فالمعنى مصدقاً لما بين يديه من الرسل والكتب.
﴿وهدى وبشرى﴾ : معطوفان على مصدّقاً، فهما حالان، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل كأنه قال : وهادياً ومبشراً، أو من باب المبالغة، كأنه لما حصل به الهدى والبشرى، جعل نفس الهدى والبشرى.
والألف في بشرى للتأنيث، كهي في رجعى، وهو مصدر.
وقد تقدّم الكلام على المعنى في قوله :﴿وبشر الذين آمنوا﴾ في أوائل هذه السورة، والمعنى : أنه وصف القرآن بتصديقه لما تقدّمه من الكتب الإلهية، وأنه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنه بشرى لمن حصل له الهدى.
فصار هذا الترتيب اللفظي في هذه الأحوال، لكون مدلولاتها ترتبت ترتيباً وجودياً.
فالأول : كونه مصدّقاً للكتب، وذلك لأن الكتب كلها من ينبوع واحد.
والثاني : أن الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق.
والثالث : أنه بشرى لمن حصلت له به الهداية.
وقال الراغب : وهدى من الضلالة وبشرى بالجنة.
﴿للمؤمنين﴾ : خص الهدى والبشرى بالمؤمنين، لأن غير المؤمنين لا يكون لهم هدى به ولا بشرى، كما قال :﴿وهو عليهم عمى﴾ ولأن المؤمنين هم المبشرون، ﴿فبشر عبادي﴾ ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه﴾ ودلت هذه الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة.
ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، قالوا : وهذه الآية تعلقت بها الباطنية، وقالوا : إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول.
وردّ عليهم : بأنه معجزة ظاهرة بنظمه، وأن الله سماه وحياً وكتاباً وعربياً، وأن جبريل نزل به، والملهم لا يحتاج إلى جبريل.
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته.
ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوًّا لله، أي مخالفاً لأمره وملائكته ورسله، أي مبغضاً لهم، فالله عدوّه، أي معامله بما يناسب فعله القبيح.
ثم التفت إلى رسوله بالخطاب، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات، وأنها لوضوحها، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه.
ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم، فلا تبال بمن طريقته هذه، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك، إذ أتيتهم من عند الله تعالى بالرسالة، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم، بحيث صاروا لا ينظرون فيه، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك، وإلزامهم اتباعك، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب، ولا سبق لهم بك علم منه.
ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب الله واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان.
ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر، وأن الشياطين هم الذين كفروا.
ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت، وأنهما لا يعلمان أحداً حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاءً واختباراً، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر.
ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه.
ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من الله تعالى، لأنه تعالى هو الضار النافع.
ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسة ومتعلمه.
ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر، وإن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة.
ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران.
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه، وهو الإيمان والتقوى، لحصل لهم من الله الثواب الجزيل على ذلك، وأن جميع ما اجترموه من المآثم، واكتسبوه من الجرائم، يعفي على آثاره جرّ ذيل الإيمان، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان.
ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :﴿فإن الله عدوّ للكافرين﴾، وقوله :﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾، وذكر نبذ العهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى.
فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيب بعد مغيب، متناسقاً تناسق اللآلىء في عقودها، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب، ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار، ولا مارس ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحي، علمه شديد القوى﴾ صلى الله عليه وأوصل أزكى تحية إليه.