الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ. . .﴾ [البقرة: ٩٧].
أجمع أهل التفْسير أن اليهود قالتْ : جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل : إن يهود فَدَك قالوا للنبيِّ ﷺ :" نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، اتبعناك، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ، فَقَالَ : لُحُومُ الإِبِلِ وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ : أَيُّ مَاءٍ عَلاَ كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ : تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ : جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا : ذَاكَ عَدُوُّنَا، لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ، مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ ". وَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ : جِبْرِيلُ بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجَبْرِيلُ بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال : رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ :( جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ )، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.
( ت ) يعني، واللَّه أعلم مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ : والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها، انتهى.
وذكر ابن عبَّاس وغيره : أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف، هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى : عَبْد، وممْلُوك، وإِيلُ : اللَّهُ.
وقوله تعالى :﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾[البقرة: ٩٧].
الضمير في ( إِنَّهُ ) عائد على اللَّه تعالى، وفي ( نَزَّلَهُ ) عائدٌ على جِبْرِيل، أي : بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل : الضمير في ﴿فإنَّهُ﴾ عائدٌ على جبريل، وفي ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر، لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.
و﴿بِإِذْنِ الله﴾ معناه : بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، و﴿مُصَدِّقاً﴾ حالٌ من ضمير القرآن في ﴿نَزَّلَهُ﴾، و﴿لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ : ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، ﴿وَهُدًى﴾، أي : إِرشاد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى